الصحافة الإيرانية: ما الذي يجعل هرمز عصياً على الاستبدال؟

إن الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز تنبع من حقيقة أساسية مفادها أن أياً من المسارات البديلة لا يمتلك بمفرده القدرة على استيعاب الحجم الهائل للطاقة العابرة عبره.

ميدل ايست نيوز: أعادت الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026 بين التحالف الأميركي الإسرائيلي وإيران، وما تبعها من اضطرابات واسعة في مضيق هرمز، تسليط الضوء مجدداً على واحدة من أكثر الحقائق الجيوسياسية رسوخاً في العالم المعاصر، وهي أن منظومة الطاقة العالمية لا تزال قائمة على عدد محدود من الممرات الحيوية والهشة، وفي مقدمتها مضيق هرمز.

يقول محمد شفيعي، الخبير في العلاقات الدولية، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إنه منذ الأيام الأولى للأزمة، طُرحت سلسلة من التحليلات والمشاريع والسيناريوهات المتعلقة بإمكانية “تجاوز هرمز”، بدءاً من خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية، مروراً بالممرات العراقية والاتصالات المتوسطية ومشاريع البحر الأحمر، وصولاً إلى أفكار النقل البري والسككي.

وفي الخطاب الإعلامي، جرى أحياناً الترويج لفكرة أن أهمية هرمز تتراجع تدريجياً، وأن دول الخليج أعدّت نفسها خلال السنوات الأخيرة لمرحلة “ما بعد هرمز”. غير أن التدقيق في القدرات الفعلية والقيود التقنية والجغرافية والأمنية والاقتصادية لهذه المشاريع يكشف عن فجوة كبيرة بين “خفض نسبي للاعتماد على هرمز” وبين “إيجاد بديل حقيقي له”.

فالواقع القائم اليوم لا يتمثل في الاستغناء عن هرمز، بل في محاولة إدارة المخاطر الناتجة عن الاعتماد عليه. إذ إن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي ضيق، بل يمثل العمود الفقري لتدفقات الطاقة في الاقتصاد العالمي.

وقبل أزمة 2026، كان يمر عبر المضيق يومياً ما يقارب 20 مليون برميل من النفط والمشتقات النفطية، أي ما يعادل نحو خُمس الاستهلاك العالمي اليومي. كما أن جزءاً كبيراً من صادرات الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما صادرات قطر، يعتمد بشكل كامل على هذا المضيق. وهذه الأرقام الضخمة تجعل من شبه المستحيل أن يتمكن أي مسار بديل من أداء دور مماثل لهرمز على المدى القصير.

ويُعد خط الأنابيب السعودي “شرق–غرب” أو ما يعرف بـ”بترولاين” أبرز وأهم البدائل المطروحة عملياً، وهو مشروع بدأ تطويره منذ ثمانينيات القرن الماضي بهدف تقليص هشاشة السعودية أمام تهديدات الخليج. وينقل الخط نفط شرق المملكة إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، وتبلغ طاقته النظرية نحو 7 ملايين برميل يومياً.

وعلى الرغم من أن المشروع يبدو، للوهلة الأولى، أكبر تحدٍ للاحتكار الجيوسياسي الذي يمثله هرمز، فإنه يواجه مجموعة من القيود البنيوية التي تمنع تحوله إلى بديل حقيقي للمضيق. فأولاً، تبقى قدرته التشغيلية الفعلية أقل من طاقته الاسمية بسبب محدودية منشآت التخزين والتحميل وإدارة ناقلات النفط في ينبع، ما يجعل الصادرات الفعلية أقل من السقف النظري.

وثانياً، فإن هذا المسار لا يلغي نقطة الاختناق بل ينقلها من هرمز إلى باب المندب، إذ يتعين على النفط المُصدر عبر البحر الأحمر المرور لاحقاً عبر باب المندب ثم قناة السويس أو البحر المتوسط. وبالتالي، تنتقل حالة الاعتماد من مضيق إلى آخر شهد خلال السنوات الماضية هجمات متكررة للحوثيين وتوترات بحرية وتعطيلاً للملاحة.

أما التحدي الثالث فيتعلق بالهشاشة الأمنية لخطوط الأنابيب في الحروب الحديثة. فقد أظهرت الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على منشآت أرامكو عام 2019، وكذلك الضربات المحدودة التي استهدفت البنية التحتية للطاقة السعودية خلال أزمة 2026، أن خطوط الأنابيب الثابتة تمثل أهدافاً سهلة نسبياً في الحروب غير المتكافئة. ومع ازدياد الاعتماد على هذه الخطوط، ترتفع في المقابل قيمتها العسكرية ومستوى تعرضها للخطر.

وفي السياق ذاته، استثمرت الإمارات خلال العقد الماضي بشكل واسع في خط أنابيب أبوظبي–الفجيرة، الذي ينقل نفط أبوظبي مباشرة إلى ميناء الفجيرة على بحر عمان، متجاوزاً الحاجة إلى المرور عبر مضيق هرمز.

ومن الناحية الجيوسياسية، يُنظر إلى الفجيرة باعتبارها واحدة من أكثر الاستثمارات الاستراتيجية ذكاءً في قطاع الطاقة الخليجي خلال العقدين الأخيرين، نظراً لارتباطها المباشر بالمحيط الهندي، ما يمنح الإمارات قدرة على الحفاظ على جزء من صادراتها خارج نطاق التهديدات الإيرانية. وقد لعب المشروع بالفعل دوراً مهماً في استمرار تدفق جزء من الصادرات النفطية الإماراتية خلال أزمة 2026.

لكن المعضلة الرئيسية لهذا المشروع تكمن في محدودية حجمه، إذ تتراوح طاقته بين 1.5 و1.8 مليون برميل يومياً، وهي كمية تبقى متواضعة مقارنة بالأحجام الضخمة العابرة لهرمز. كما أن تركيز الصادرات في ميناء الفجيرة حوّل الميناء نفسه إلى هدف استراتيجي، وهو ما ظهر بوضوح مع الهجمات الصاروخية والمسيّرة التي استهدفت بنيته التحتية خلال الأزمة الأخيرة.

وبالتوازي مع السعودية والإمارات، يسعى العراق منذ سنوات إلى إيجاد مسارات بديلة تقلل اعتماده على الخليج. ويبرز في هذا الإطار خط أنابيب كركوك–جيهان، الذي ينقل نفط شمال العراق عبر تركيا إلى ميناء جيهان على البحر المتوسط.

ويمتاز هذا المسار بأنه يقع جغرافياً خارج نطاق هرمز، ويمكنه نظرياً إنقاذ جزء من صادرات العراق النفطية. غير أن هشاشته السياسية والأمنية المزمنة حالت دون تحوله إلى ممر طاقة مستقر، في ظل الخلافات المستمرة بين بغداد وأربيل، والتوترات التركية الكردية، وعمليات التخريب المتكررة، إضافة إلى محدودية طاقته التشغيلية. وحتى قبل أزمة 2026، كانت تدفقات النفط الفعلية عبر الخط أقل بكثير من طاقته النظرية.

أما مشروع البصرة–العقبة، الذي طُرح منذ سنوات بين العراق والأردن، فيحمل أهمية جيوسياسية كبيرة لكونه يربط العراق مباشرة بالبحر الأحمر. غير أن المشروع بقي أقرب إلى “طموح جيوسياسي” منه إلى أداة تشغيلية حقيقية، بسبب تكلفته المرتفعة، والتحديات الأمنية داخل العراق، وعدم الاستقرار السياسي، وارتفاع مخاطر الاستثمار، ما جعله حبيس المفاوضات لفترة طويلة، ومن دون تأثير فعلي مباشر في الأزمة الحالية.

وإلى جانب خطوط الأنابيب، يشير بعض المحللين إلى خيارات برية وسككية ولوجستية، تشمل ربط شبكات النقل في السعودية والإمارات وسلطنة عمان لنقل النفط والبضائع إلى موانئ بحر عمان والبحر الأحمر.

ورغم أن هذه الأفكار قد تساعد تكتيكياً في الحفاظ على جزء من التجارة الإقليمية، فإنها لا تمتلك من الناحية الاقتصادية أو التشغيلية القدرة على منافسة النقل البحري. ففي اقتصاد الطاقة، يبقى عامل “الحجم” حاسماً، إذ تستطيع ناقلة نفط عملاقة نقل نحو مليوني برميل دفعة واحدة، بينما يتطلب تعويض هذه القدرة عبر القطارات أو الشاحنات شبكة ضخمة وباهظة الكلفة وتحتاج إلى وقت طويل للتشغيل والتوسعة.

ولهذا، يُنظر إلى النقل البري باعتباره حلاً طارئاً ومحدوداً، وليس بديلاً مستداماً للتجارة البحرية.

وربما تكمن أبرز نقاط ضعف مشاريع الالتفاف على هرمز في ملف الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال. فدولة قطر، باعتبارها إحدى أكبر الدول المصدّرة للغاز الطبيعي المسال في العالم، تعتمد بشكل شبه كامل على مضيق هرمز.

وعلى عكس النفط، يتطلب نقل الغاز بنية تحتية أكثر تعقيداً وكلفة، ولا توجد حتى الآن مسارات تشغيلية بديلة واسعة النطاق لصادرات الغاز القطرية. وخلال العقدين الماضيين، طُرحت مشاريع عديدة، مثل خط أنابيب قطر–تركيا أو الربط البري عبر السعودية، لكنها تعثرت إما بسبب التنافسات الجيوسياسية أو لعدم جدواها الاقتصادية والسياسية حتى الآن.

وعلى مستوى أوسع، أعادت أزمة 2026 إحياء عدد من المشاريع الجيوسياسية الطموحة، من بينها فكرة ربط الخليج بالبحر المتوسط عبر إسرائيل، وتطوير ممرات طاقة عربية إسرائيلية، إضافة إلى مشاريع مدعومة أميركياً لإعادة رسم خرائط نقل الطاقة في الشرق الأوسط.

لكن هذه المشاريع تواجه عقبات جوهرية، أبرزها عامل الوقت، إذ إن تنفيذ مثل هذه الممرات يحتاج إلى سنوات طويلة، في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة أزمات فورية ومتسارعة. كما أن تكلفتها تتطلب استثمارات بعشرات مليارات الدولارات، فضلاً عن هشاشتها الأمنية في منطقة تعاني من حروب مزمنة وصراعات إقليمية وهجمات غير تقليدية. وإلى جانب ذلك، تتطلب هذه المشاريع تعاون دول لا تزال تعاني من خلافات جيوسياسية عميقة.

ولذلك، وعلى خلاف الصورة التي تُطرح أحياناً في بعض وسائل الإعلام، فإن العالم لم يدخل بعد مرحلة “ما بعد هرمز”. وما يجري حالياً لا يتجاوز بناء شبكة أكثر تنوعاً وتعقيداً من مسارات الطاقة بهدف تقليل كلفة إغلاق المضيق، وليس إنهاء أهميته الجيوسياسية.

إذن، فإن الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز تنبع من حقيقة أساسية مفادها أن أياً من المسارات البديلة لا يمتلك بمفرده القدرة على استيعاب الحجم الهائل للطاقة العابرة عبره، وحتى مجمل الخطوط البديلة القائمة حالياً لا يمكنها، في أفضل الأحوال، سوى تعويض جزء محدود من هذه القدرة.

وبهذا المعنى، أعادت أزمة 2026 التأكيد على حقيقة قديمة مفادها أن قوة مضيق هرمز لا ترتبط بجغرافيته فحسب، بل أيضاً بغياب بديل مكافئ له على مستوى العالم.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى