هرمز بين النفط والإنترنت: خريطة جديدة للصراع العالمي
يرى خبراء أن أي حديث إيراني عن فرض رسوم أو قيود على كابلات الألياف الضوئية البحرية، لا ينفصل عن البعد الأمني والسياسي أكثر مما يرتبط بالجانب القانوني أو الاقتصادي.

ميدل ايست نيوز: في خضم تصاعد التوترات في منطقة الخليج، لا يعود مضيق هرمز مجرد ممر بحري استراتيجي مرتبط بالطاقة فحسب، بل يتحول تدريجيًا إلى مساحة تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع البنية التحتية الرقمية العالمية. فبينما ظل العالم لعقود ينظر إلى هذا المضيق باعتباره شريانًا لنحو خمس إمدادات الطاقة العالمية، تبرز اليوم طبقة جديدة من الأهمية أقل وضوحًا لكنها لا تقل حساسية: كابلات الألياف الضوئية البحرية التي تحمل القسم الأكبر من حركة الإنترنت والبيانات المالية حول العالم.
خلال الأسابيع الماضية، تداولت وسائل إعلام مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني نقاشات حول إمكانية فرض رسوم على السفن العابرة للمضيق، ثم انتقلت هذه النقاشات إلى مستوى أكثر إثارة للجدل، مع طرح أفكار تتعلق بإخضاع الشركات المالكة لكابلات الاتصالات الدولية المارة في قاع هرمز لنظام رسوم أو تنظيم خاص، بذريعة أن هذه الكابلات تمر عبر منطقة تقع ضمن نطاق السيادة الإيرانية البحرية.
هذه الطروحات، حتى وإن لم تُقدَّم كسياسة رسمية مكتملة، تكشف عن تحول في طريقة التفكير الاستراتيجي تجاه المضيق، من كونه ممرًا للطاقة إلى كونه “ممرًا مزدوج الوظيفة”: نفط وبيانات في آن واحد. وهو تحول ينسجم مع واقع جديد تؤكده تقارير دولية، تشير إلى أن ما يصل إلى 99% من حركة البيانات العالمية يعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على كابلات بحرية ممتدة عبر المحيطات والبحار.
تُعد كابلات الألياف الضوئية البحرية (Subsea Fiber Optic Cables) العمود الفقري للإنترنت العالمي. فهي لا تنقل مجرد بيانات، بل تدير تدفق الاقتصاد الرقمي بأكمله: من الخدمات السحابية التي تعتمد عليها شركات مثل غوغل ومايكروسوفت وأمازون، إلى المعاملات المالية العابرة للقارات. فأي خلل في هذه الشبكات لا يعني بطءًا في الاتصال فقط، بل اضطرابًا في النظام المالي والتجاري العالمي.
في هذا السياق، يرى خبراء أن أي حديث عن فرض رسوم أو قيود على هذه الكابلات، لا ينفصل عن البعد الأمني والسياسي أكثر مما يرتبط بالجانب القانوني أو الاقتصادي. فبينما تبرر بعض الأطروحات الإيرانية ذلك بالاستناد إلى فكرة السيادة على قاع البحر، تشير معاهدات دولية، خصوصًا اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، إلى أن حرية مدّ وصيانة الكابلات البحرية تُعد جزءًا من النظام الدولي للاتصالات، مع قيود محدودة تتعلق بالتنسيق وليس المنع أو التقييد الأحادي.
من الناحية العملية، يرى متخصصون في أمن الشبكات أن هذه الأفكار أقرب إلى أدوات ضغط سياسية منها إلى سياسات قابلة للتطبيق. فالبنية التحتية للكابلات البحرية معقدة للغاية، وتعتمد على شبكات دولية متداخلة، ما يجعل أي محاولة للسيطرة عليها بشكل منفرد محفوفة بمخاطر اقتصادية ودبلوماسية واسعة.
لكن الأهم من ذلك هو التحذير المتكرر من هشاشة هذه البنية. فالكابلات البحرية معرضة بالفعل للأضرار العرضية، سواء بسبب مراسي السفن أو النشاط البحري أو الكوارث الطبيعية، إلا أن أي تهديد مقصود يرفع مستوى المخاطر إلى درجة مختلفة تمامًا. فعملية إصلاح كابل واحد قد تستغرق أسابيع أو حتى أشهر، وتتطلب سفنًا متخصصة وتنسيقًا دوليًا معقدًا.
في حالة مضيق هرمز، تزداد حساسية الوضع بسبب ضيق الممر وكثافة الحركة البحرية فيه، ما يجعل أي اضطراب محتمل في البنية التحتية البحرية، سواء النفطية أو الرقمية، ذا تأثير مضاعف على الاقتصاد العالمي، خصوصًا في آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.
من زاوية استراتيجية أوسع، يشير هذا التحول إلى إعادة تعريف مفهوم “نقاط الاختناق الجيوسياسية”. فالمضائق التي كانت تُصنف تقليديًا كممرات للطاقة، أصبحت اليوم أيضًا نقاط عبور للبيانات الرقمية، ما يعني أن أي توتر فيها لم يعد يؤثر فقط على أسعار النفط، بل على استقرار الإنترنت العالمي والخدمات السحابية والأنظمة المالية.
هذا التحول يضع شركات التكنولوجيا الكبرى أمام معادلة جديدة: لم تعد هذه الشركات مجرد فاعل اقتصادي، بل أصبحت طرفًا في حسابات الجغرافيا السياسية. فامتلاكها لكابلات بحرية عابرة للمناطق الحساسة يجعلها جزءًا من معادلة الأمن الدولي، وليس فقط الاقتصاد الرقمي.
في المقابل، تتجه دول المنطقة إلى إعادة التفكير في أمنها الرقمي، عبر تنويع مسارات الكابلات، والبحث عن ممرات بديلة عبر البحر الأحمر أو شرق المتوسط أو حتى عبر مسارات برية أكثر تكلفة لكنها أقل عرضة للمخاطر البحرية. كما تزداد أهمية التعاون الإقليمي في إنشاء شبكات بديلة تقلل الاعتماد على نقطة جغرافية واحدة.
أما على مستوى السياسات، فإن أي محاولة لفرض رسوم أو قيود على كابلات البيانات ستفتح نقاشًا قانونيًا دوليًا معقدًا، لأنها تمس مبدأ حرية الاتصالات العابرة للحدود، وهو أحد الأعمدة الأساسية للنظام الرقمي العالمي الحديث.
يبدو أن مضيق هرمز يدخل مرحلة جديدة من إعادة التعريف الجيوسياسي. فهو لم يعد فقط “بوابة النفط”، بل أصبح أيضًا بوابة البيانات. وبين هذين البعدين، تتشكل معادلة أمنية واقتصادية جديدة، قد تجعل من البنية التحتية الرقمية عنصرًا لا يقل حساسية عن الطاقة في حسابات الصراع والتوازن الدولي.
وهكذا، فإن السؤال لم يعد فقط حول من يسيطر على الممرات البحرية التقليدية، بل أيضًا حول من يمتلك القدرة على التحكم في تدفقات المعلومات التي تمر تحت سطح البحر، في عالم باتت فيه البيانات لا تقل أهمية عن النفط، وربما تتجاوزه تأثيرًا في المستقبل القريب.
اقرأ ايضا
صحيفة إيرانية تحذر من استخدام كابلات هرمز للضغط على الدول غير المعادية



