الصحافة الإيرانية: هل ستصبح بكين المركز الجديد للدبلوماسية والنظام العالمي؟

لم تعد بكين اليوم مجرد ساحة لتنافس القوى الكبرى، بل أصحبت منصة لإعادة تعريف النظام العالمي الجديد؛ منصة يكرسها قادة العالم عملياً من خلال زياراتهم المتكررة إليها والاعتراف المتزايد بدورها الدولي.

ميدل ايست نيوز: يقف النظام الدولي اليوم عند مرحلة انتقال جيوسياسية؛ انتقال من عالم تشكّل بعد الحرب الباردة بقيادة الولايات المتحدة إلى نظام تتوزع فيه القوة بين عدد من الفاعلين، بحيث لم تعد أي قوة قادرة بمفردها على تحديد قواعد اللعبة. وفي مثل هذه الأجواء، وصلت الصين تدريجياً إلى مكانة بات قادة العالم، من الخصوم التقليديين إلى الشركاء الاقتصاديين وحتى منتقدي الغرب، يتوجهون إليها لإجراء الحوارات وإدارة الأزمات وتنظيم علاقات القوة. لم تعد بكين مجرد عاصمة آسيوية، بل تحولت إلى ساحة رئيسية للدبلوماسية العالمية.

يقول محسن شريف خدائي، وهو محلل في العلاقات الدولية، في مقال كتبه لصحيفة شرق الإيرانية، إن الزيارة الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، التي جرت وسط تصاعد التوترات بين واشنطن وبكين، شكلت مؤشراً واضحاً على هذا التحول في موازين القوى. يرى محللون غربيون أن هذه الزيارة تعكس صعود الرئيس الصيني شي جين بينغ واتجاه رياح القوة نحو الصين. وحتى الولايات المتحدة باتت مضطرة للعودة إلى بكين من أجل إدارة المنافسة ومنع تفاقم الأزمات. كما أن سفر رئيس الولايات المتحدة إلى الصين بهدف إعادة ترتيب العلاقات يعكس بحد ذاته التحولات العميقة التي يشهدها هيكل القوة العالمي؛ تطورات تتحول فيها الصين من مجرد قوة اقتصادية إلى لاعب سياسي ودبلوماسي مؤثر.

وبعد أيام قليلة من هذه الزيارة، وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين في زيارة كانت مقررة منذ فترة طويلة، إلا أن تزامنها مع زيارة ترامب أثار موجة من التكهنات. اعتبر كثيرون هذا التزامن دليلاً على الدور الجديد للصين المتمثل في استضافة اثنين من أكبر المنافسين على الساحة الدولية في الوقت نفسه.

وأصبحت روسيا، بعد الحرب في أوكرانيا، أكثر اعتماداً على الصين من أي وقت مضى، فيما أظهر توقيع أكثر من 40 اتفاقية في مجالي الطاقة والتكنولوجيا خلال هذه الزيارة حجم هذا الاعتماد. فالصين تحصل على الطاقة بأسعار منخفضة وبصورة مستقرة، وفي المقابل تتحول روسيا إلى شريك أصغر وأكثر تبعية. هذه العلاقة، رغم ما تبدو عليه من شراكة استراتيجية، تعكس في الواقع اختلالاً في توازن القوى الذي يتشكل داخل النظام العالمي الجديد.

لكن بكين لا تستضيف القوى الكبرى فقط، إذ بات قادة الدول النامية يتخذون من الصين وجهة رئيسية لمشاوراتهم السياسية. حيث تعكس زيارة رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف وعدد من القادة الآسيويين والأفارقة إلى بكين تحوّل الصين إلى مركز ثقل جديد لدول الجنوب العالمي.

ولا تنظر باكستان، التي تواجه أزمات اقتصادية وضغوطاً أمنية، إلى الصين باعتبارها شريكاً اقتصادياً فقط، بل سنداً سياسياً أيضاً. كما دفعت مشاريع “الحزام والطريق” والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والدعم المالي الصيني العديد من القادة إلى الاعتقاد بأن مستقبل التنمية الوطنية في بلدانهم لا يمكن تصوره من دون الصين.

ولا يقتصر هذا التوجه على دول الجنوب العالمي. فخلال العام الماضي، توجه عدد كبير من القادة الأوروبيين والغربيين، إضافة إلى قادة دول عربية، إلى بكين تباعاً.

فقد زار رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الصين خلال الأشهر الأولى من توليه منصبه بهدف إعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية والأمنية. كما توجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بكين على رأس وفد كبير من المديرين الصناعيين سعياً إلى تقليص اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تجنب تصعيد المنافسة الاقتصادية مع الصين.

كذلك زار المستشار الألماني أولاف شولتس بكين في محاولة للحفاظ على التوازن بين المخاوف الأمنية والاحتياجات الصناعية الألمانية. كما قام قادة إيطاليا وإسبانيا وهولندا ومسؤولو الاتحاد الأوروبي بزيارات متتالية إلى الصين خلال العام الماضي.

ويعكس هذا الحجم من الحركة الدبلوماسية حقيقة أن الغرب نفسه لم يعد قادراً على تجاهل دور الصين في الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وإدارة الأزمات.

وفي هذا السياق، اكتسبت زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى الصين خلال العام الماضي أهمية خاصة. فقد اقتربت طهران من بكين في وقت أدت فيه الضغوط الأمريكية والتطورات الإقليمية، بما في ذلك الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، إلى تعقيد المعادلات الأمنية.

وتنظر الصين، بوصفها أكبر مستورد للطاقة في العالم، إلى استقرار الخليج وحرية الملاحة في مضيق هرمز باعتبارهما مسألتين حيويتين لأمنها الطاقوي. لذلك لا ترحب بكين بتصعيد الحروب، بل تسعى بصورة نشطة إلى خفض مستويات التوتر.

يُعد نجاح الصين في الوساطة بين إيران والسعودية مثالاً واضحاً على هذا التوجه، كما يمكن فهم الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين في الإطار نفسه، أي في إطار التنسيق مع قوة باتت تضطلع بدور الوسيط والمنظم للأزمات.

وعلى مستوى أوسع، تسعى الصين وروسيا كلتاهما إلى تقليص النفوذ الأمريكي إقليمياً ودولياً، لكنهما تتبعان أهدافاً وأدوات مختلفة. فروسيا تسعى إلى تغيير سريع ومكلف للنظام القائم، بينما تعمل الصين على إعادة تصميمه تدريجياً وبأقل تكلفة ممكنة.

تدرك بكين جيداً أن بنية النظام الدولي لا تسمح بظهور قوة مهيمنة جديدة، ولذلك تفضل أداء دور الوسيط والمنظم والموازن بين القوى المختلفة. ويعد هذا الدور أقل كلفة وأكثر انسجاماً مع المصالح الاقتصادية الصينية.

على خلاف روسيا، لا تستفيد الصين من عدم الاستقرار، بل تعتبر الاستقرار ضرورة أساسية للتجارة والطاقة والاستثمار. ولهذا السبب تتبنى بكين نهجاً نشطاً لكنه حذر في الأزمات الإقليمية، بما في ذلك أزمات الشرق الأوسط.

في المحصلة، تتحول الصين إلى مركز للدبلوماسية العالمية، لا إلى مركز للهيمنة المطلقة. فقادة العالم، من ترامب وبوتين إلى ستارمر وماكرون وشولتس ونواز شريف وبزشكيان وغيرهم من قادة الشرق والغرب، يتوجهون إلى بكين لأنها أصبحت لاعباً قادراً على الحوار مع القوى الكبرى، والمساهمة في إدارة الأزمات، وتنظيم علاقات القوة.

لن يكون النظام الدولي المقبل قائماً على الهيمنة الأمريكية وحدها ولا على الهيمنة الصينية وحدها، بل سيكون نظاماً متعدد الأقطاب، تنافسياً وقائماً في الوقت نفسه على التعاون بين القوى المختلفة. وفي مثل هذا النظام، تسعى الصين إلى أداء دور المهندس الهادئ والوسيط النشط، بينما تؤدي روسيا دور الطرف المتحدي، وتحاول الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها باعتبارها أحد الأقطاب الرئيسية.

وفي هذا الإطار، تكتسب التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الصيني وانغ يي أهمية خاصة عندما قال إن “اتفاق إنهاء الحرب ووقف الأعمال العدائية بين إيران والولايات المتحدة يجب أن يحظى بموافقة مجلس الأمن الدولي”.

ويعكس هذا التصريح الدور المتنامي الذي تؤديه بكين خلف الكواليس في هذه المعادلات، كما يشير إلى أن الصين لم تعد مجرد مستضيفة للحوار الدولي، بل أصبحت تدريجياً طرفاً يسعى إلى المساهمة في صياغة الأطر القانونية والدولية لإنهاء الأزمات.

ولم تعد بكين اليوم مجرد ساحة لتنافس القوى الكبرى، بل أصحبت منصة لإعادة تعريف النظام العالمي الجديد؛ منصة يكرسها قادة العالم عملياً من خلال زياراتهم المتكررة إليها والاعتراف المتزايد بدورها الدولي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة − 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى