ضغوط على بغداد لإبعاد الفصائل العراقية عن الحدود

أكدت المصادر العراقية أن ثلاثاً من دول جوار العراق، تتوافق مطالبها الأخيرة لبغداد، التي وصلت عبر قنوات دبلوماسية رسمية، على إعادة تنظيم انتشار الفصائل العراقية المسلحة، وإبعادها عن المناطق القريبة من الحدود.

ميدل ايست نيوز: تلقت بغداد خلال الأسبوعين الأخيرين، عدة طلبات ذات طابع أمني تتركز على وقف تهديدات الفصائل العراقية المسلحة لدول الجوار، خصوصاً بعد إعلان السعودية والكويت والإمارات في أوقات سابقة تصديها لهجمات بطائرات مسيّرة قادمة من الأراضي العراقية. المطالبات جاءت بالتزامن مع إجراءات لدول الجوار على حدودها مع العراق، تضمنت نشر وحدات مراقبة خاصة برصد الطائرات المسيّرة على ارتفاعات منخفضة، ونصب أنظمة دفاع جوي، تتركز حالياً، وفقاً لما أكده مسؤولون عراقيون في بغداد لموقع “العربي الجديد”، على إبعاد الفصائل العراقية المسلحة عن الحدود بمسافات كافية، ونشر قوات الجيش وحرس الحدود.

وأكدت المصادر العراقية أن ثلاثاً من دول جوار العراق، تتوافق مطالبها الأخيرة لبغداد، التي وصلت عبر قنوات دبلوماسية رسمية، على إعادة تنظيم انتشار الفصائل العراقية المسلحة، وإبعادها عن المناطق القريبة من الحدود، باعتبار أن قرب تلك الفصائل من الحدود يمنحها قدرة أكبر على تنفيذ هجمات عابرة للحدود باستخدام الطائرات المسيّرة قصيرة ومتوسطة المدى.

وقال أحد هذه المصادر، وهو مسؤول رفيع في وزارة الدفاع العراقية في بغداد، إن العراق بصدد إعادة تنظيم ملف انتشار الفصائل تجاوباً مع قلق دول الجوار واستجابة لتحقيقات خاصة بتلك الدول، تتضمن ما يشير إلى انطلاق الهجمات من البصرة وبادية السماوة والأنبار، في جنوب العراق وغربه.

وأضاف أن الخطة هي الدفع بقوات من حرس الحدود والجيش العراقي على الشريط الحدودي والمناطق الحدودية القريبة من دول الجوار، ومنع أي نشاط عسكري آخر في تلك المناطق. مسؤول آخر في وزارة الخارجية العراقية أكد هذه المعلومات، قائلاً إن “بعض الفصائل متشددة وغير متعاونة مع الدولة، حتى في ما يتعلق بإعادة انتشارها”. وخلال السنوات الماضية عززت فصائل “الحشد الشعبي” وجودها على الحدود العراقية، وأعلنت مراراً مشاركتها في تأمين تلك المناطق، فيما تؤكد الحكومة العراقية أن انتشار “الحشد” يجري بصفته قوة رسمية تعمل ضمن المنظومة الأمنية العراقية وتحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة (وهو رئيس الوزراء، حالياً علي الزيدي).

قلق أمني

في هذا الصدد قال الخبير العراقي في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، سيف رعد، إن “مطلب دول الجوار يعكس قلقاً أمنياً حقيقياً بعد تكرار هجمات المسيّرات من الأراضي العراقية”، موضحاً أن هذه الدول “تعتبر انطلاق المسيّرات بالقرب من حدودها تحدياً كبيراً في استمكانها (تحديدها) ورصدها لإسقاطها، لأن الرادارات تحتاج مسافة لكي تتمكن من عملية الرصد والمعالجة”.

لذلك، وفق رعد، إن “أغلب المسيّرات التي انطلقت من تلك الفصائل بالقرب من حدود دول الجوار كانت إصاباتها (إصابة الأهداف) أكثر خطورة وتصل إلى أهدافها، عكس التي تنطلق من الأراضي الإيرانية التي تتيح لدول الخليج وقتاً كافياً للرصد الجوي والمعالجة”. وفي رأيه “لذلك تعتبر هذه الدول طلبها جزءاً من استقرارها وحماية سيادتها”، مبيّناً أن “هذه المطالب تضع العراق وحكومة علي الزيدي أمام مسؤولية استعادة السيطرة الكاملة على الحدود العراقية”.

وبحسب رعد، “فكلما تعامل العراق مع هذا الملف بأهمية خاصة وبتحركات واضحة، ستساهم النتيجة بشكل كبير في خفض التصعيد وإعادة بناء الثقة مع دول الخليج التي تأثرت سلباً بهذه الهجمات”. وأضاف أنه يعزز أيضاً “فرص التعاون الاقتصادي والأمني طويل الأمد بشرط أن يتم ذلك بطريقة تحافظ على السيادة العراقية ولا تثير توترات داخلية”. وفي رأيه فإن “بغداد غير قادرة حالياً على إبعاد كامل وسريع لهذه الفصائل لعدة أسباب رئيسية، من بينها أن جزءاً كبيراً من هذه الفصائل يستخدم مظلة هيئة الحشد الشعبي، ولكونها أيضاً تتمتع بنفوذ داخل قوى تحالف الإطار التنسيقي (الحاكم) والحكومة”. أما الجزء الأصعب فهو التعامل مع تلك الفصائل العراقية “المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بإيران ولها استقلالية عملياتية ولوجستية، ما يجعل السيطرة الكاملة عليها تحدياً سياسياً وعسكرياً”.

تحدي السيطرة على الفصائل العراقية

من جهته، استبعد السياسي الكردي من أربيل، ياسين عزيز، في حديث مع “العربي الجديد”، إمكانية سيطرة الحكومة أو قيادة العمليات العراقية المشتركة على تحركات هذه الجماعات أو الفصائل، من دون وجود إرادة سياسية داخل العملية السياسية في بغداد. وأوضح أن “الهجمات الأخيرة وضعت الدولة العراقية في حرج كبير أمام بعض الدول التي تتعرض لهجمات بمسيّرات وصواريخ انطلاقاً من الأراضي العراقية، والتي تنفذها فصائل تستخدم المال العام لتنفيذ أجندة غير عراقية”.

واعتبر عزيز أنه “رغم الصعوبة الموجودة في معالجة الأزمة أو الاستحقاق الأمني على العراق تجاه دول الجوار، إلا أن الحكومة ملزمة بإنهاء الهجمات وإبعاد هذه الفصائل عن حدود تلك الدول، ونشر قوات رسمية من الجيش والشرطة”. وعزا ذلك إلى أن “استمرار هذه الاعتداءات على دول الجوار ودول أخرى يدخل العراق في أزمة أكبر وأعقد مع تلك الدول”، مضيفاً أن “هذه الدول ستمارس حقها بالرد انطلاقاً من مبدأ حماية أمنها القومي ومصالحها”. وفي رأيه فإن “المهمة وإن كانت صعبة لكنها ضرورة حتمية للحكومة العراقية لفرض سيطرتها وهيبتها على كامل الأراضي العراقية”.

في المقابل، تواجه الحكومة العراقية تحدياً معقداً يتمثل بتحقيق توازن بين التزاماتها تجاه علاقاتها الإقليمية، وبين طبيعة التركيبة الأمنية الداخلية التي تضم فصائل مسلحة تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً واسعاً، ما يجعل ملف إعادة الانتشار الحدودي واحداً من أكثر الملفات حساسية في المرحلة الحالية. والسبت الماضي، رفضت جماعة “كتائب حزب الله”، في بيان، تسليم سلاحها، أو دعوات دمج الفصائل مع المؤسسات النظامية. وأشارت إلى استعدادها لشراء الأسلحة الخاصة بالفصائل الأخرى التي تقرر ترك “العمل الجهادي”، وهي إشارة فُهم منها أنها رسالة موجهة للزعيم الديني مقتدى الصدر (زعيم التيار الوطني الشيعي) الذي أعلن، الأسبوع الماضي، فك ارتباط التيار عن جناحه العسكري “سرايا السلام”، وإلحاق “السرايا” بالدولة، وهو الإعلان الذي ما زالت تفاصيله أو كيفية تحقيقه غير معلنة لغاية الآن.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 + ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى