الصحافة الإيرانية: حرب المنطقة تعيد رسم موازين الأمن في الخليج وتدفع نحو الشرق

في النموذج الأمني الجديد للخليج، تُعامل إيران كجار لا يمكن تجاهله، والصين كشريك اقتصادي، وروسيا كمورد عسكري، والولايات المتحدة كحليف تقليدي لم يعد يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل.

ميدل ايست نيوز: يقول الباحث في الشؤون الدولية حسين محمد نيا إن استعراض القوة الذي أظهرته إيران في الحرب الأخيرة، إلى جانب تراجع واشنطن عن بعض حلفائها التقليديين، دفع دول الخليج نحو البحث عن شركاء جدد في الشرق.

يكتب حسين محمد نيا في موقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية: كان يُعتقد لسنوات طويلة أن أمن دول جنوب الخليج مضمون عبر صفقات التسليح ووجود القواعد العسكرية الأميركية، لكن الحرب الأخيرة أظهرت أن هذه المظلة الأمنية أقل موثوقية مما كان يُعتقد. فواشنطن، رغم التعبير المتكرر عن قلق الرياض وأبوظبي، شنت هجوماً على إيران دون تنسيق مباشر معهما.

ووفق تقرير لمعهد ستيمسون، فإن الحرب تسببت بخسائر اقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي تُقدَّر بنحو 200 مليار دولار، كما تعرّضت أكثر من 80 منشأة للطاقة في السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان لهجمات، مع تقدير تكلفة إعادة الإعمار بنحو 58 مليار دولار.

الإمارات التي كانت حليفاً استراتيجياً لواشنطن، باتت تتجه نحو تعاون أوسع مع إسرائيل وروسيا والصين. أما السعودية فقد بدأت مساراً جديداً عبر زيارة محمد بن سلمان إلى موسكو ومحادثاته مع دول إقليمية أخرى. في المقابل حافظت قطر وعُمان على مسافة محسوبة من الولايات المتحدة. هذا التنويع في الشراكات يعكس مؤشراً واضحاً على نهاية مرحلة الهيمنة الأميركية على البنية الأمنية الإقليمية.

إيران.. جار قوي لا يمكن تجاهله

في هذا التحول الاستراتيجي، برزت إيران كفاعل لا يمكن استبعاده. فقد أدركت دول الخليج أن مضيق هرمز وخطوط الطاقة والمجال الجوي في المنطقة كلها تقع تحت تأثير مباشر للقوة العسكرية والجغرافية الإيرانية. كما أن محاولة تهميش إيران أو إضعافها لا تقود إلى استقرار دائم، بل إلى كلفة عالية جداً.

تظهر هذه الكلفة بوضوح في التوقعات الاقتصادية. إذ يشير صندوق النقد الدولي إلى انكماش حاد في اقتصادات المنطقة بحلول عام 2026، حيث يُتوقع أن تسجل قطر -14.7%، الكويت -4.2%، البحرين -3.8%، الإمارات -1.9%، والسعودية -1.4%. وتأتي هذه الأرقام رغم الخطط التنموية الطموحة التي كانت تلك الدول قد أطلقتها قبل الحرب.

ويحذر تقرير صادر عن معهد أتلانتيك في منتصف مايو 2026 من أن وهم “القوى المتوسطة” قد يكون مضللاً، إذ لا أوروبا قادرة على استبدال الولايات المتحدة، ولا الصين مستعدة لتحمل مسؤولية ضمان أمن المنطقة. وبالتالي فإن الخيار الأكثر واقعية هو خفض التوتر مع إيران وتأسيس آلية إقليمية لإدارة الخلافات.

كما كشف تقرير لصحيفة الغارديان أن ملف إيران ومضيق هرمز كان أحد المحاور الرئيسية في محادثات بين الصين والولايات المتحدة في بكين، ما يشير إلى أن المجتمع الدولي بات يدرك أن استقرار أمن الطاقة في العالم لا يمكن تحقيقه دون دور إيران.

الصين وروسيا.. شركاء مكملون لا بدلاء أمنيين

في السنوات الأخيرة، وسّعت دول الخليج علاقاتها مع الشرق. فالصين أصبحت الشريك التجاري الأكبر للمنطقة، بينما عززت روسيا حضورها عبر صفقات الأسلحة والتعاون في أسواق الطاقة. لكن لا بكين ولا موسكو تمتلكان الرغبة أو القدرة على استبدال المظلة الأمنية الأميركية.

وتشير تحليلات معهد أتلانتيك إلى أن الصين، حتى في أزمات كبرى مثل الحرب في أوكرانيا، تبنّت سياسة حذرة وغير تدخلية، وفضّلت التركيز على الاقتصاد والتجارة بدلاً من تحمل مسؤوليات أمنية. أما روسيا فهي منشغلة بحرب استنزاف طويلة في أوروبا الشرقية.

لذلك، تتجه دول المنطقة إلى استراتيجية “توزيع المخاطر”، حيث تتعامل مع واشنطن أمنياً، ومع الصين اقتصادياً، ومع روسيا تسليحياً، وفي الوقت نفسه تبقي قنوات تواصل مع إيران. هذا النموذج يعكس واقع نظام دولي لم يعد فيه وجود لقطب واحد ضامن للاستقرار.

كما تؤكد الغارديان أن الصين لا تستطيع ولا ترغب في لعب دور الولايات المتحدة في حماية حلفائها، وأنها تستخدم أدوات اقتصادية للضغط عند الأزمات، كما حدث في ملفات مثل تايوان وكوريا الجنوبية.

مستقبل “الأمن الذاتي”

النتيجة النهائية لهذه التحولات هي انتقال تدريجي من نموذج “استئجار الأمن من الولايات المتحدة” إلى نموذج “إنتاج الأمن داخلياً”. فقد باتت دول الخليج تدرك أن الاعتماد على الخارج لم يعد كافياً، وأن الاستثمار في القدرات الذاتية والتعاون الإقليمي أصبح ضرورة.

وتشير تقارير ألمانية إلى محاولات إماراتية لتطوير ممرات لوجستية مستقلة في إفريقيا، وتعزيز التعاون مع إسرائيل في الصومال، إضافة إلى إعادة تقييم سياساتها النفطية. كما أن السعودية عززت شراكتها مع الصين ونسّقت مع روسيا في إطار “أوبك+”، فيما تواصل قطر لعب دور الوسيط بين إيران والغرب.

وفي النموذج الأمني الجديد للخليج، تُعامل إيران كجار لا يمكن تجاهله، والصين كشريك اقتصادي، وروسيا كمورد عسكري، والولايات المتحدة كحليف تقليدي لم يعد يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل.

هذا النظام الجديد أكثر تعقيداً وأعلى كلفة من السابق، لكنه يستند إلى واقع ملموس لا إلى أوهام، حيث باتت دول المنطقة تدرك أن أي قوة خارجية لن تقدم لها الأمن بشكل مجاني أو دائم.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى