لماذا ومَن قصف ميناء الفحل العُماني؟
كان الهجوم– الذي يُعتقد أنه نفذ بطائرة مسيرة– أكثر من مجرد حادث أمني. إنه تذكير صارخ بأن أي نقطة نفطية استراتيجية في المنطقة أصبحت هدفاً محتملاً في زمن التوترات الإقليمية المتصاعدة.
ميدل ايست نيوز: في لحظة واحدة، تحوّل ميناء الفحل الهادئ شمال شرق مسقط إلى مشهد درامي مليء بالدخان والتوتر. انفجار مدوّ بين رصيفي التحميل البحريين “إس بي إم–1″ و”إس بي إم–2” أوقف تحميل النفط الخام فجأة، وأجبر السلطات العمانية على تعليق العمليات مؤقتاً.
كان الهجوم– الذي يُعتقد أنه نفذ بطائرة مسيرة– أكثر من مجرد حادث أمني. إنه تذكير صارخ بأن أي نقطة نفطية استراتيجية في المنطقة أصبحت هدفاً محتملاً في زمن التوترات الإقليمية المتصاعدة.
ميناء الفحل ليس مجرد ميناء عادي. هو قلب صناعة النفط العمانية النابض، والشريان الرئيس الذي يضخ مئات الآلاف من براميل الخام يومياً نحو أسواق العالم، خاصة آسيا الجائعة للطاقة. يقع الميناء في موقع مميز خارج مضيق هرمز، مما يمنحه أهمية جيوسياسية استثنائية؛ فهو يتيح لعمان– ومن يتعامل معها– تصدير النفط بأمان نسبي بعيداً عن مخاطر الاختناقات في المضيق الذي يمر منه نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية.
أهميته واستراتيجيته للسلطنة
تديره “شركة تنمية نفط عمان” (بي دي أو) بشكل أساسي، ويحتوي على مرافق تخزين ضخمة، ومحطات معالجة مياه الإنتاج، وعوامات تحميل بحرية متقدمة تسمح بتحميل الناقلات العملاقة بسرعة وكفاءة. يمر عبره الجزء الأكبر من صادرات السلطنة النفطية، مما يجعله مسؤولاً عن عشرات المليارات من الدولارات سنوياً تدخل خزينة الدولة.
لا يزال النفط يشكل نحو 70 في المئة من إيرادات الميزانية العمانية و30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، رغم جهود التنويع الاقتصادي الطموحة تحت رؤية “عمان 2040”.
في السنوات الأخيرة، بلغت صادرات عمان النفطية اليومية 900 ألف برميل معظمها يخرج من ميناء الفحل.
وتشير بعض التقديرات إلى أن الميناء يتعامل مع قرابة مليون برميل يومياً في أيامه العادية. وجهات التصدير الرئيسة هي الصين والهند وكوريا الجنوبية، حيث يُفضل الخام العماني الخفيف لمصافي التكرير الآسيوية.
هل الهدف شركة “شل” البريطانية؟
رغم الأهمية الاستراتيجية للميناء، لا توجد منشآت أو خدمات أميركية مباشرة بارزة داخله. التشغيل عماني بالكامل تقريباً، مع مشاركات من شركات دولية أبرزها “شل” البريطانية التي لديها نشاط كبير أيضا في الولايات المتحدة. الوجود الأميركي الصغير نسبيا لم يمنع طهران من قصف عمان بضع مرات سابقة في بداية الحرب مع أن سياسة عمان الخارجية الحذرة والمحايدة، تحافظ على توازن دقيق بين الشرق والغرب.
كيف يمكن الكشف عن مصدر “الدرونز”؟
السؤال الأكثر إثارة الآن: هل يمكن معرفة من أطلق الطائرة المسيرة التي ضربت الميناء؟
الإجابة العلمية هي نعم، وبدرجة عالية من الدقة إذا توفرت بقايا الحطام. يستطيع خبراء الطب الشرعي الرقمي (Drone Forensics) استخراج “بصمة” كل “درون” من خلال:
– تحليل سجلات الطيران (Flight Logs) التي تحفظ مسار الإقلاع، الارتفاع، السرعة، وإحداثيات “GPS”.
– فحص المكونات المادية: أرقام تسلسلية للمحركات، نوع البطاريات، مواد التصنيع، وحتى بصمات البرمجيات.
– تحليل المتفجرات المستخدمة ونظام التوجيه (رادار، اتصالات، أو تحكم عن بعد).
– مقارنة التصميم مع قواعد بيانات معروفة للدرونز الإيرانية (مثل سلسلة شاهد) أو الصينية أو حتى النماذج التجارية المعدلة.
في حوادث سابقة في المنطقة، نجحت التحقيقات في ربط حطام “الدرونز” بدول أو جماعات معينة بدقة تصل إلى 90 في المئة أحياناً. عمان، بدعم فني دولي محتمل، قادرة على إجراء هذا التحليل في معامل متخصصة. وقد لا تُعلن النتائج فوراً لأسباب أمنية وسياسية، لكنها ستكون حاسمة في رسم الردود المستقبلية.
تعافٍ عمانيٌ سريع ومخاوف مستمرة
بعد ساعات قليلة من الحادث، أعلنت “شركة تنمية نفط عمان” استئناف العمليات بشكل تدريجي، وتم إخلاء بعض الناقلات احترازياً. ويعكس هذا التعافي السريع كفاءة الإجراءات الأمنية العمانية، لكنه لا يخفي القلق المتزايد. فالمنطقة تعيش في ظل توترات مستمرة: هجمات على ناقلات، ضربات على منشآت سعودية وإماراتية سابقاً، وتصعيد في البحر الأحمر ومضيق هرمز. ولا ننسى الهجوم بمسيرة على مطار الكويت قبل أيام الذي أوقف المطار.
ميناء الفحل ليس مجرد منشأة نفطية؛ إنه رمز لاستقرار عمان الاقتصادي. وأي تهديد له يهدد ليس فقط إيرادات السلطنة، بل يوضح الأخطار على كل دول المنطقة.
ومع استمرار التحقيقات، يترقب العالم ما ستكشفه بقايا “الدرونز”، وكيف ستحمي عمان ومعها شركاؤها الدوليون هذا الشريان الحيوي. ميناء الفحل قد يعود إلى عمله بكامل طاقته، لكن الرسالة وصلت: في زمن “الدرونز” والتوترات، لا مكان آمن تماماً فوق خريطة النفط.



