الصحافة الإيرانية: تأثير حرب أوكرانيا على إعادة توازن موازين القوى العالمية

أظهرت الحرب في أوكرانيا أنها لم تكن مجرد أزمة أوروبية، بل نقطة تحول في إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي وتغيير السلوك الاستراتيجي للقوى الكبرى.

ميدل ايست نيوز: أظهرت الحرب في أوكرانيا أنها لم تكن مجرد أزمة أوروبية، بل نقطة تحول في إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي وتغيير السلوك الاستراتيجي للقوى الكبرى.

يقول مسلم نائيني، وهو خبير في العلاقات الدولية، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، إنه عندما بدأت روسيا عمليتها العسكرية في أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، توقع كثيرون أن تنتهي الحرب سريعًا وأن تقتصر تداعياتها على أوروبا الشرقية، إلا أن السنوات اللاحقة أثبتت أنها تجاوزت حدود الصراع الإقليمي لتصبح أحد أبرز التحولات في النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة، بعدما أعادت رسم الترتيبات الأمنية في أوروبا، وأثرت في المنافسة بين القوى الكبرى، والاقتصاد العالمي، والتحالفات الدولية، وحتى المعادلات الأمنية في آسيا.

وأعادت الحرب صياغة مفهوم القوة لدى الدول، إذ دفعت إلى مراجعة العديد من المسلمات التي سادت خلال العقود الثلاثة الماضية، مثل تراجع احتمالات الحروب التقليدية الكبرى، وهيمنة العولمة الاقتصادية، وتراجع أهمية الردع العسكري. وأصبح العالم اليوم يشهد عودة القوة العسكرية، والقدرة الاقتصادية، والتكنولوجيا، والقدرة على التعبئة الوطنية بوصفها عناصر رئيسية في التنافس الدولي.

إعادة تعريف الدور الروسي

سعت الدول الغربية منذ بداية الحرب إلى عزل روسيا دوليًا عبر فرض عقوبات اقتصادية ومالية واسعة، وتقليص عائدات الطاقة، ووقف التعاون التكنولوجي معها، بهدف إضعاف قدراتها الاستراتيجية. إلا أن موسكو تمكنت، رغم الخسائر الاقتصادية والبشرية، من التكيف مع جانب كبير من هذه الضغوط وإيجاد قنوات بديلة للتواصل مع الاقتصاد العالمي.

وعززت روسيا علاقاتها مع الصين والهند ودول الجنوب العالمي وعدد من الدول الآسيوية، ما خفف من آثار العقوبات، وإن لم يحقق جميع أهدافها في أوكرانيا، لكنه حال دون نجاح سياسة عزلها بالكامل. كما اتجهت موسكو إلى توسيع حضورها في آسيا وتعزيز تعاونها مع المنظمات الإقليمية، في إطار نقل مركز ثقل سياستها الخارجية شرقًا.

وفي الوقت نفسه، أسهمت الحرب في تطوير القدرات العسكرية الروسية، من خلال توسيع الصناعات الدفاعية وزيادة إنتاج الأسلحة والتكيف مع التقنيات الحديثة، رغم ما رافق ذلك من كلفة بشرية واقتصادية مرتفعة.

الدفاع الأوروبي يكتسب زخمًا

أحدثت الحرب أكبر تحول استراتيجي في أوروبا منذ نهاية الحرب الباردة، بعدما انتقلت الدول الأوروبية من سياسة خفض الإنفاق العسكري إلى زيادة الميزانيات الدفاعية وتعزيز الصناعات العسكرية وتقوية قدرات الردع.

وأصبح مشروع “الدفاع الأوروبي”، الذي ظل لسنوات مجرد فكرة نظرية، جزءًا من السياسات العملية لعدد من الدول الأوروبية، عبر الاستثمار في الصناعات الدفاعية، وتوسيع إنتاج الذخائر، وتعزيز البنية اللوجستية، وتقليل الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة.

لكن هذا التحول رافقته أعباء اقتصادية كبيرة، تمثلت في أزمة الطاقة وارتفاع التضخم وتراجع القدرة التنافسية للصناعات الأوروبية، ما فرض على الحكومات موازنة الإنفاق الدفاعي مع الحفاظ على مستويات الرفاه الاجتماعي.

آسيا المستفيد الأكبر

في المقابل، برزت آسيا كأحد أكبر المستفيدين من التحولات الدولية التي فرضتها الحرب. فقد عززت الصين علاقاتها مع روسيا مع استمرار تعاونها الاقتصادي مع الغرب، فيما تبنت دول آسيوية عديدة سياسة التوازن وامتنعت عن الانخراط في سياسات المواجهة الغربية.

كما ازدادت أهمية المنظمات الإقليمية الآسيوية والتعاون بين الاقتصادات الصاعدة، إذ سعت دول مثل الهند وإندونيسيا وفيتنام ودول رابطة آسيان إلى استثمار التحولات في سلاسل الإمداد والتجارة العالمية مع الحفاظ على علاقاتها بجميع الأطراف.

ويعكس هذا المسار انتقال مركز الثقل الاقتصادي والسياسي العالمي تدريجيًا نحو آسيا، وهو تحول مرشح للاستمرار حتى بعد انتهاء الحرب.

نظام دولي أكثر تعددية

أبرز نتائج الحرب تمثلت في تسريع الانتقال من النظام أحادي القطبية إلى نظام أكثر تعقيدًا وتعددًا. فالولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية والاقتصادية الأولى عالميًا، لكنها لم تعد قادرة على فرض إرادتها منفردة كما في السابق، بينما احتفظت روسيا بموقعها كفاعل رئيسي في الأمن الدولي رغم الضغوط، ورسخت الصين مكانتها بوصفها المنافس الاستراتيجي الأبرز لواشنطن.

كما أتاح هذا التحول هامشًا أوسع للقوى المتوسطة التي تستطيع تحقيق التوازن بين الكتل المتنافسة واستثمار قدراتها الاقتصادية والجيوسياسية واتباع سياسات خارجية مستقلة.

لم تغير حرب أوكرانيا فقط طبيعة العلاقات بين روسيا وأوروبا، بل سرعت إعادة تشكيل النظام الدولي، حيث أصبحت القوة العسكرية، والقدرة الاقتصادية، والتكنولوجيا، والطاقة، والدبلوماسية عناصر متكاملة في تحديد مكانة الدول، في ظل نظام عالمي يتسم بتعدد الأقطاب، واستمرار التنافس، وتصاعد دور القوى غير الغربية في رسم مستقبل العلاقات الدولية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرة + ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى