إيران.. إعادة الإنترنت الدولي تشعل مواجهة سياسية ومحاولات لاستجواب وزير الاتصالات

أظهرت الحكومة الإيرانية رغم الانتقادات الموجهة إليها بسبب بطء عملية رفع القيود عن الإنترنت، أنها مستعدة لتحمل الكلفة السياسية مقابل الاستجابة لمطالب الغالبية من المواطنين من خلال تمسكها بإعادة ربط الإنترنت الدولي.

ميدل ايست نيوز: أثار قرار الحكومة الإيرانية إعادة ربط الإنترنت الدولي موجة واسعة من ردود الفعل السياسية والإعلامية ضد مؤسسة الرئاسة، تراوحت بين التهديد باستجواب وزير الاتصالات في البرلمان والضغوط القانونية والانتقادات الحادة في وسائل الإعلام الرسمية. القرار الذي تصفه الحكومة بأنه «تنفيذ لحق المواطنين في الوصول إلى الإنترنت» تحول اليوم إلى أحد أبرز وأشد ملفات المواجهة السياسية خلال الأشهر الأخيرة.

وأدى إنهاء القيود المفروضة على الإنترنت الدولي، الذي نُفذ بتوجيه مباشر من الحكومة الإيرانية وعبر هيئة إدارة الفضاء الإلكتروني برئاسة محمد رضا عارف، إلى إطلاق موجة جديدة من الصراع السياسي في البلاد بدلاً من تهدئة التوترات في الفضاء الرقمي. وفي حين تؤكد الحكومة أن هذه الخطوة تأتي استجابة للمطالب الشعبية وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات، سارعت أطراف داخل البرلمان وعدد من الشخصيات الإعلامية والهيئات القانونية إلى التشكيك في قانونية القرار، ورفعت مستوى الضغوط على وزير الاتصالات، وصولاً إلى التلويح باستجوابه. وأعاد هذا النزاع ملف الإنترنت إلى صدارة الخلافات السياسية بين الحكومة والتيارات المعارضة لها.

حملة داخل البرلمان.. سلاح الاستجواب دفاعاً عن القيود

وبعد ساعات من إعادة ربط الإنترنت الدولي بأمر حكومي، بدأت تحركات داخل البرلمان الإيراني لاستجواب وزير الاتصالات وتقنية المعلومات. غير أن مصطفى بوردهقان، عضو لجنة الصناعات والمناجم البرلمانية، قدم رواية مختلفة لما يجري، مؤكداً أن الوزير دافع عن حقوق المواطنين في ملف الإنترنت ونفذ توجيهات رئيس الجمهورية.

وقال بوردهقان وفق ما نقل موقع رويداد 24، إن «مجموعة محدودة تمثل أقلية داخل البرلمان تعارض أي انفراج أو إصلاح في مختلف الملفات. هذه الأقلية لا تقتصر اعتراضاتها على قضية الإنترنت فقط، بل تتخذ الموقف ذاته تجاه المفاوضات والملفات الاقتصادية وقطاع السيارات، وكل ما يمكن أن يؤدي إلى تحسين ظروف حياة المواطنين».

وأشار النائب إلى أن الوضع الحالي لا يمثل تحولاً استثنائياً أو إنجازاً غير مسبوق، موضحاً أن «ما حدث ليس انتصاراً تاريخياً، بل مجرد عودة إلى الوضع الطبيعي الذي كان قائماً سابقاً». واعتبر أن فكرة إغلاق الشبكة بأكملها تحت ذرائع أمنية أو أخلاقية تمثل مقاربة خاطئة، مؤكداً أن دعاة هذا التوجه يشكلون أقلية، ولذلك فإن أي محاولة لاستجواب الوزير لن تحقق أهدافها. كما شدد على أن نجاح أي سياسة عامة يتوقف على انسجامها مع الرأي العام واستجابتها لمطالب المواطنين، لا على تبني رؤى فئة محدودة العدد.

الإعلام الرسمي في موقع الاتهام السياسي

وظهرت جبهة أخرى من هذه المواجهة المنظمة عبر شاشة التلفزيون الرسمي. ففي برنامج «الصف الأول» المباشر، مارس مقدم البرنامج ضغوطاً واضحة على المتحدثة باسم الحكومة بهدف إثبات أن الهيئة التي أنشأها رئيس الجمهورية لمتابعة الحقوق الرقمية للمواطنين تشكل كياناً موازياً للمؤسسات الرسمية ومخالفاً للدستور والقانون، وأن قراراتها تفتقر إلى الأثر القانوني.

وفي مواجهة إصرار مقدم البرنامج على وصف الهيئة بأنها غير قانونية، أكدت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، أن توفير الإنترنت حق للمواطنين وأن الدستور ينص بوضوح على ذلك. وردت بنبرة ساخرة قائلة: «دعونا نترك الحديث عن المكانة القانونية لهذه المجالس للخبراء القانونيين، لأن تخصصي ليس القانون، أما بالنسبة لكم فلا أعلم».

كما أشارت مهاجراني بصورة لافتة إلى السرعة التي تعامل بها ديوان العدالة الإدارية مع الشكاوى المقدمة ضد الهيئة التي أنشأها رئيس الجمهورية، ووصفت إصدار الحكم القضائي في هذا الملف خلال فترة وجيزة بأنه «أمر يستحق الانتباه». ورأت أوساط حكومية أن ذلك يعكس حجم الجهود التي يبذلها المتشددون لاستخدام الأدوات القانونية والمنابر الرسمية لإفشال أي خطوة نحو تخفيف القيود على الإنترنت.

الرئاسة متمسكة بموقفها.. وإرادة في مواجهة مشروع الرقابة

وكتبت صحيفة «اعتماد» في تحليلها لهذه المواجهة السياسية أن التهديد باستجواب وزير الاتصالات، حتى لو تحول إلى مشروع سياسي جدي داخل البرلمان، من المستبعد أن يغير مسار الحكومة، لأن القضية لا تتعلق بقرار وزير فحسب، بل تمثل توجهاً يتبناه رئيس الجمهورية شخصياً، كما أنها تعد من الوعود الانتخابية القليلة التي واصل مسعود بزشكيان التمسك بها.

وبحسب الصحيفة، يرى بزشكيان أن التنمية الاقتصادية ودعم الشركات الرقمية لا يمكن أن يتحققا من دون مراجعة السياسات المتعلقة بالإنترنت. ولهذا السبب أنشأ هيئة خاصة لدراسة القيود المفروضة على الشبكة، وهو ما أثار اعتراضات حادة من خصومه السياسيين.

وقادت شخصيات بارزة مؤيدة لتشديد الرقابة على الإنترنت، من بينها رسول جليلي، حملة ضد هذه الهيئة بدعوى أنها تمارس عملاً موازياً للمؤسسات القائمة، ولجأت إلى ديوان العدالة الإدارية سعياً إلى وقف قراراتها. لكن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لم يتراجع، بل تحمل المسؤولية السياسية المباشرة عن هذه القرارات وأحالها إلى وزارة الاتصالات لتنفيذها.

وترى الصحيفة أن وزير الاتصالات لا يفعل سوى تنفيذ سياسة وضعت على أعلى مستوى في الحكومة، وأن جوهر الخلاف الحقيقي قائم بين معارضي هذه الإجراءات ورئيس الجمهورية نفسه. كما يدرك المتشددون، وفق التحليل، أن أي تراجع في هذا الملف سيعني توجيه ضربة مباشرة للهوية السياسية للحكومة.

وتشير القراءة الأعمق للخلاف إلى أن الظروف الأمنية والتوترات العسكرية الأخيرة لا تمثل بالنسبة إلى المعارضين سوى فرصة لإحياء مواقفهم السابقة. وتعود جذور هذا الصراع إلى البرلمان الحادي عشر ومشروع «الصيانة» المثير للجدل، الذي طُرح في وقت لم تكن فيه حرب أو تهديدات أمنية مشابهة قائمة، ومع ذلك سعت شخصيات نافذة داخل اللجنة الثقافية في البرلمان، ومن بينها مرتضى آقا تهراني، إلى فرض قيود جوهرية على الإنترنت العالمي وتشديد الرقابة على الفضاء الرقمي.

واليوم لا يزال العديد من أصحاب تلك التوجهات يشغلون مواقعهم داخل اللجنة الثقافية ويتبنون الرؤية ذاتها. وبحسب الصحيفة، فإن الهدف النهائي لمشروع «الصيانة» في الأمس لا يختلف عن مبررات الأمن المطروحة اليوم، وهو تقليص وصول المجتمع إلى الشبكة العالمية.

فصل جديد من الصراع

وأظهرت الحكومة، رغم الانتقادات الموجهة إليها بسبب بطء عملية رفع القيود عن الإنترنت، أنها مستعدة لتحمل الكلفة السياسية مقابل الاستجابة لمطالب الغالبية من المواطنين من خلال تمسكها بإعادة ربط الإنترنت الدولي.

كما أن تمسك بزشكيان شخصياً بموقفه في مواجهة الدعاوى القانونية والهجمات الإعلامية الصادرة عن التلفزيون الرسمي والضغوط البرلمانية التي تمارسها الأقلية المؤيدة لتشديد الرقابة، يعكس أن مؤسسة الرئاسة لا تنوي التراجع في الوقت الراهن.

ولا يقتصر هذا الصراع على مصير وزير أو منصب حكومي، بل يمثل فصلاً جديداً من المواجهة بين رؤيتين متناقضتين: رؤية تعتبر الإنترنت بنية تحتية أساسية للتنمية والتقدم الاقتصادي، ورؤية أخرى تسعى إلى تكريس القيود والعزلة الرقمية وتقييد تواصل المواطنين مع العالم.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى