الصحافة الإيرانية: قراءة في نتائج الانتخابات الأخيرة في أرمينيا

أكدت خبيرة في شؤون القوقاز أن فوز حزب "العقد المدني" الأرميني في الانتخابات بحصده نحو 50% من الأصوات، أسهم في تثبيت معالم السياسة الخارجية لأرمينيا.

ميدل ايست نيوز: أكدت خبيرة في شؤون القوقاز أن فوز حزب “العقد المدني” الأرميني بقيادة نيكول باشينيان في الانتخابات التي جرت في 7 يونيو 2026، بحصده نحو 50% من الأصوات ونيله 64 مقعداً من أصل 105 مقاعد، أسهم في تثبيت معالم السياسة الخارجية لأرمينيا.

وأوضحت مطهرة حيدري، في مقابلة مع موقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، حول تأثير هذا الفوز على السياسة الخارجية لأرمينيا، قائلة: “إن هذا الانتصار، وعلى الرغم من الضغوط المركبة والتدخلات الروسية المزمعة، أتاح للحكومة مواصلة نهج تقليص الاعتماد على موسكو وتعزيز الروابط مع الغرب بدعم شعبي نسبي. بالطبع، فإن عدم الحصول على أغلبية ثلثي مقاعد البرلمان يفرض قيوداً على إجراء إصلاحات جذرية كالتعديلات الدستورية. ومع ذلك، يظهر هذا الفوز استمرار التوجه الأرميني الحالي نحو تحقيق استقلال أكبر في الساحة الدبلوماسية، ووفر أرضية صلبة للمضي قدماً في سياسة تنويع الشراكات”.

وحول مسار التقارب الأرميني نحو أوروبا، بينت حيدري أن هذا التوجه يجب تحليله بوصفه مزيجاً من الواقعية الاستراتيجية والدروس المريرة المستقاة من التجارب الأمنية؛ فبعد عجز روسيا عن تقديم دعم فعال خلال أزمات قره باغ، أوقفت أرمينيا عضويتها العملية في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، واتجهت لتأمين احتياجاتها العسكرية من فرنسا والهند، ووسعت نطاق تعاونها مع الاتحاد الأوروبي. وقد ساهم عقد المؤتمرات الهامة في يريفان وسن التشريعات المرتبطة بمسارات التعاون في تعزيز هذا التوجه، وجاءت الانتخابات الأخيرة لتؤكد أنه خيار واعٍ لقطاع عريض من المواطنين، مما يعكس مسعى جاداً لتنويع العلاقات الخارجية وتحقيق أمن وتنمية أكثر استدامة.

انتخابات أرمينيا 2026.. استفتاء على التوجه الغربي ومخاوف إيران من ممر ترامب

وشددت الخبيرة على تداعيات ابتعاد أرمينيا عن روسيا مؤكدة: “إن ابتعاد أرمينيا عن روسيا يحمل تداعيات مزدوجة تتطلب دراسة دقيقة بناءً على المعطيات؛ فمن الناحية الأمنية، يؤدي تراجع الضمانات التقليدية لموسكو إلى نشوء مخاطر قصيرة المدى، لاسيما أمام الضغوط من جانب أذربيجان أو تركيا، بيد أن أرمينيا تعمل على تعزيز قدرتها على الصمود واستقلاليتها عبر تنويع مصادر شراء المعدات الدفاعية والاستعانة ببعثات المراقبة الأوروبية. اقتصادياً، كان الاعتماد السابق على طرف واحد يشكل نقطة ضعف ويفرض قيوداً؛ لكن يبدو أن الاستثمارات الأوروبية، وممرات العبور الجديدة، وتنويع الشركاء، ستساعد في الحفاظ على النمو الاقتصادي وتوفير فرص للتنمية المستدامة، رغم بقاء تحديات مرحلة الانتقال والضغوط المحتملة من مسكو. وعلى المدى الطويل، يمكن لهذا الابتعاد التدريجي أن يعزز السيادة والمصالح الوطنية”.

ووفقاً لحيدري، فإن تحول وجهة السياسة الخارجية نحو الغرب يمثل خياراً استراتيجياً طويل الأجل تعود جذوره إلى الثورة المخملية عام 2018، وتسارع هذا المنحى بفعل واقع ما بعد الحرب في أوكرانيا وظهور ملامح الضعف الروسي. ورغم أن الفوز الأخير لباشينيان رسخ هذه السياسة، إلا أن المنطق يقضي بعدم اعتبارها غير قابلة للتراجع تماماً، إذ تظل رهنًا بمدى التقدم المحرز في عملية السلام مع أذربيجان وإدارة المخاطر. ويبدو هذا التحول بمثابة استجابة للتطورات الجيوسياسية ومحاولة لإيجاد توازن أفضل في العلاقات الدولية.

كما أوضحت خبيرة شؤون القوقاز: “يمكن تقييم دور الانتخابات الأخيرة في العلاقات مع روسيا بأنه أضعفها بشكل عام؛ فعلى الرغم من الحملة التي قادتها المعارضة المقربة من مسكو، أظهر فوز باشينيان أن النفوذ الروسي آخذ في التراجع، وأن أرمينيا تتحرك نحو سياسة خارجية أكثر استقلالية. ومع ذلك، فإن حضور الأحزاب المقربة من روسيا بنسبة تقارب 30% في البرلمان يؤكد أن مسار الابتعاد هذا يجب أن يمضي بحذر شديد، ووفق منطق دبلوماسي يضع أولية للمصالح الوطنية للحفاظ على الاستقرار”.

وعزت حيدري عوامل فوز حزب “العقد المدني” إلى الإدارة النسبية للمشكلات الاقتصادية، وطرح الانتخابات كخيار بين السلام والمغامرة، وغياب البديل القوي في صفوف المعارضة، بالإضافة إلى تأييد فكرة تنويع العلاقات الخارجية، وأضافت: “ترتبط هذه العوامل بحالة الاستياء من التبعية الطويلة لروسيا والرغبة في تبني مقاربات واقعية لتحقيق الأمن والتقدم؛ وقد أكد المواطنون بأصواتهم مساراً يمنح الأولوية لتقليص مخاطر الاعتماد المفرط”.

وفيما يتعلق بالفرص والتهديدات الناجمة عن التقارب المحتمل بين أرمينيا والاتحاد الأوروبي، فصلت حيدري قائلة: “يمكن للتقارب مع الاتحاد الأوروبي أن يتيح فرصاً مثل زيادة الاستثمارات الخارجية، ودخول الأسواق المتقدمة، وإجراء إصلاحات مؤسسية، وتعزيز سيادة القانون، وتطوير ممرات الطاقة، وهي أمور تدعم التنمية على المدى الطويل. في المقابل، تبرز تهديدات تتمثل في الضغوط الاقتصادية الروسية، والتوترات الإقليمية، وصعوبات الانتقال من الهياكل الأوراسية؛ وتعد الإدارة الدقيقة والتدريجية لهذا التوازن المفتاح الرئيسي لتعظيم المكاسب وتقليص المخاطر”.

واختتمت حيدري بالإشارة إلى أن تراجع اعتماد أرمينيا على روسيا من شأنه أن يدفع توازن القوى في جنوب القوقاز نحو مزيد من التنوع؛ إذ يفسح انحسار النفوذ الروسي المجال أمام الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، والهند، وبناء تفاعلات جديدة قد تسهم في إرساء سلام أكثر استدامة. ورغم وجود خطر حدوث فراغ أمني في الأمد القريب، إلا أن المؤشرات تدل على أن هذا المسار، ورغم تحدياته، يمثل خياراً ملائماً لتعزيز سيادة أرمينيا، وأمنها المستدام، وتنميتها الاقتصادية، مما يغير التوازن لصالح تحقيق استقلالية أكبر.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 + 7 =

زر الذهاب إلى الأعلى