عجز البنزين يتحول إلى هاجس استراتيجي لحكومة بزشكيان

إن ملف الاستهلاك المرتفع للبنزين في إيران يمثل عقدة مستعصية تتخطى الحلول المبسطة القائمة على التوجيهات والمحفزات الرخيصة.

ميدل ايست نيوز: تحول تفاقم فجوة عجز البنزين في إيران عقب حرب الأربعين يوماً إلى أحد الهواجس الجدية لحكومة بزشكيان. في هذا الصدد، أعلن رئيس منظمة ترشيد وإدارة الطاقة الاستراتيجية، إسماعيل سقاب أصفهاني، مؤخراً أن “الاستهلاك اليومي للبنزين في البلاد يبلغ حالياً نحو 130 إلى 135 مليون لتر، في حين كان إنتاجنا قبل الحرب يتراوح بين 110 و115 مليون لتر، وكنا نستورد يومياً ما بين 20 و25 مليون لتر، أما الآن فنحن مضطرون لخفض استهلاك البنزين في البلاد إلى 100 مليون لتر”.

وكان أصفهاني قد أوضح في التاسع من مايو الماضي أن “الواقع يشير إلى تضرر جزء من شبكة الغاز والوقود في البلاد جراء الحرب، وأن تعويض هذه الخسائر يتطلب وقتاً وموارد مالية هائلة”. وأضاف قائلاً: “إن استعادة جزء من القدرات الإنتاجية المتضررة تستغرق ما بين 18 شهراً وعامين، وتستلزم تأمين معدات تخصصية، وإجراء اختبارات السلامة، ورصد تكاليف باهظة”.

أين هو البنزين الفائض؟

ومع تصاعد معدلات استهلاك البنزين في إيران وتراجع الإنتاج، عادت إلى الواجهة النقاشات المحتدمة حول مشروع قديم يُعرف باسم “تداول الحصص التموينية للبنزين في السوق”. وبتعبير مبسط: يقوم من يستهلك كميات أقل ببيع حصته الفائضة، ويشتريها من يحتاج إلى كميات أكبر؛ ووفقاً للأنباء المتداولة، فإن الرئيس بزشكيان قد وافق على تنفيذ هذا المشروع.

يقوم هذا المشروع على فكرة توزيع البنزين بين الجميع بالتساوي، على أن يبيع كل من يستهلك أقل حصته الفائضة. وتبدو هذه الفكرة منطقية في الظاهر، لكنها تصطدم بمشكلة جوهرية تمكم في أن “ذلك البنزين الفائض لا وجود له أصلاً”.

وتشير الإحصاءات إلى أن معدل سحب الحصة التموينية الأولى للبنزين للسيارات الخاصة يصل حالياً إلى 120%؛ أي أن المواطنين يستهلكون كميات تفوق الحصة المخصصة لهم والبالغة 60 لتراً، ومن ثم لا تتبقى أي كميات فائضة في الحصة الأولى يمكن تداولها.

أما بالنسبة للحصة التموينية الثانية (وهي الـ100 لتر المحددة بسعر 3 آلاف تومان)، فكان المواطنون يستهلكون منها في المتوسط ما بين 50 و60 لتراً فقط، ويتم تداول الكمية المتبقية. والآن، تعتزم الحكومة خفض هذه الحصة إلى 50 لتراً، وهو بالضبط الرقم الذي يستهلكه المواطنون فعلياً؛ والنتيجة؟ لن يتبقى أي فائض لبيعه.

وفضلاً عن ذلك، تبرز مشكلة فنية تتمثل في غياب البنية التحتية اللازمة لتداول الحصص في إيران؛ ورغم إمكانية حل هذه المشكلة على المدى المتوسط، إلا أنها تظل الأقل إثارة للقلق في هذا المشروع.

ويكمن القلق الرئيسي في السطحية التي يتسم بها هذا المشروع؛ فظاهره يمنح الناس أموالاً على غرار معونة الـ45 ألف تومان، لكن باطنه يكبل يدي الحكومة إلى الأبد. وحين يأتي اليوم الذي تقرر فيه الحكومة تعديل منظومة الحصص، ستصطدم بمواطنين يرفعون مطالب قانونية مكتسبة.

ولم تُنشر بعد تفاصيل هذه السياسة، ويبقى الترقب سيد الموقف لمعرفة مدى إصرار مخططي هذه الفكرة على الدفع بها، وما إذا كانت ستنتقل من مرحلة الطرح إلى التنفيذ؛ غير أن أمراً واحداً يبدو جلياً: إذا ما نُفذ هذا المشروع، فإن ملف إصلاح استهلاك الوقود في إيران سيُغلق لسنوات طويلة.

لماذا تبدو معضلة استهلاك الوقود معقدة في إيران؟

تتجاوز معضلة الاستهلاك المرتفع للوقود في إيران مجرد تقديم النصائح أو التحفيز على جني الدخل عبر بيع الوقود الفائض.

فقد أفادت تقارير متكررة بوجود نقص حاد وتراجع في جودة أسطول النقل العام في المدن الكبرى، مما يحرم المواطنين من خيارات بديلة ومقبولة للنقل في حال الاستغناء عن السيارات الخاصة أو سيارات الأجرة الفردية العاملة عبر التطبيقات الذكية.

ووفقاً لتقرير صادر عن مركز البحوث التابع لمجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، فإن أحد أخطر التحديات التي تواجه قطاع النقل العام الحضري يتمثل في نقص أسطول الحافلات النشطة وذات الجودة العالية، وهو ما أدى بدوره إلى تراجع الموثوقية، وتباعد الفترات الزمنية بين الرحلات، وعزوف الركاب عن استخدام الحافلات في نهاية المطاف.

وكشف التقرير أن العاصمة طهران تمتلك نحو ألفين و784 حافلة نشطة فقط، في حين تُقدر الاحتياجات الفعلية لهذه المدينة الكبرى بنحو 8 آلاف حافلة. كما أظهر البحث أن مؤشر الوصول إلى الحافلات يمر بحالة حرجة في بعض المدن الكبرى، حيث يقتصر المعدل في طهران على 32 حافلة فقط لكل 100 ألف نسمة.

وتسبب التضخم ثنائي الرقم، والانهيار المستمر في قيمة الريال، إلى جانب سياسات استيراد السيارات غير الفعالة خلال السنوات الماضية، في جعل حصة السيارات الكهربائية في السوق المحلية ضئيلة للغاية، حيث تقل عن واحد في الألف من إجمالي السيارات المتحركة في الشوارع.

وعلاوة على ذلك، فإن الاعتماد المفرط لإنتاج الكهرباء في إيران على صناعة الغاز، وعدم تطوير قطاع الطاقة المتجددة، يضع البلاد في مواجهة أزمة حقيقية لتأمين الطاقة الكهربائية. ويضاف إلى ذلك السياسات غير الفعالة في إنتاج السيارات المحلية، والتي جعلت معدل استهلاكها للوقود يعادل نحو 1.5 ضعف المتوسط العالمي.

وبناءً على ذلك، فإن ملف الاستهلاك المرتفع للبنزين في إيران يمثل عقدة مستعصية تتخطى الحلول المبسطة القائمة على التوجيهات والمحفزات الرخيصة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 − ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى