ثلاثة عوائق رئيسية أمام خفض التضخم في إيران

يرى العديد من الاقتصاديين والخبراء أن الاقتصاد الإيراني سيظل حتى نهاية العام يواجه معدلات تضخم مرتفعة وارتفاعاً مستمراً في أسعار السلع الأساسية.

ميدل ايست نيوز: في وقت تتزايد فيه التوقعات داخل الأوساط الاقتصادية بشأن احتمال تحسن العلاقات الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية وارتفاع صادرات النفط بعد توقيع مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، يرى العديد من الاقتصاديين والخبراء أن الاقتصاد الإيراني سيظل حتى نهاية العام يواجه معدلات تضخم مرتفعة وارتفاعاً مستمراً في أسعار السلع الأساسية، حتى في حال تحقق السيناريوهات المتفائلة وزيادة الإيرادات من العملات الأجنبية.

ويؤكد هؤلاء الخبراء أن جذور التضخم في إيران لا تقتصر على العقوبات فقط، بل ترتبط أيضاً بعوامل أخرى، من أبرزها العجز الكبير في الموازنة، والنمو المزمن للسيولة النقدية، والفساد الواسع النطاق، والمشكلات الهيكلية في الاقتصاد؛ وهي قضايا لا يمكن معالجتها على المدى القصير من خلال زيادة صادرات النفط أو تحقيق انفراجات سياسية.

ويرفض الاقتصادي وحيد شقاقي شهري الفرضية القائلة إن الاتفاق السياسي وحده قادر على إعادة الاقتصاد الإيراني إلى مسار التحسن، مشيراً إلى أن الإعلان عن الاتفاق قد يؤدي مؤقتاً إلى تعديل أسعار بعض السلع وخفض مستوى عدم اليقين في الأسواق، إلا أنه إذا لم يتحول إلى تغييرات فعلية في التدفقات التجارية والمالية، فإن تأثيره سيبقى محصوراً في التوقعات النفسية وسيتلاشى تدريجياً بمرور الوقت.

وأضاف أن تأثير أخبار الاتفاق يقتصر إلى حد كبير على إحداث صدمة محدودة الأثر وقصيرة الأجل في توقعات السوق، فيما يعتمد استمرار هذا التأثير على سرعة تحول تلك التوقعات إلى تطورات اقتصادية حقيقية.

وشدد شقاقي شهري على أن التضخم في إيران يرتبط بالدرجة الأولى بالمشكلات الداخلية للاقتصاد، بما في ذلك الاختلالات المالية الحكومية، والنمو المرتفع للسيولة النقدية، وضعف إطار السياسات النقدية. وأوضح أن الضغوط التضخمية ستعود للظهور على المدى الطويل حتى لو حصلت الحكومة على موارد أكبر من العملات الأجنبية، ما لم تُنفذ إصلاحات حقيقية لهذه الاختلالات.

وكان مركز أبحاث البرلمان الإيراني قد قدّر، قبل اندلاع الحرب الأخيرة التي استمرت 40 يوماً وتأثيراتها على الاقتصاد الإيراني، العجز التشغيلي في موازنة عام 2026 بنحو 615 تريليون تومان، فيما قدّر عجز الميزان الرأسمالي بنحو 325 تريليون تومان.

وبذلك يصل إجمالي العجز في الموازنة إلى نحو 940 تريليون تومان، وهو ما يعادل قرابة 18 في المئة من إجمالي موازنة العام الجاري.

وجرى إعداد هذه التقديرات قبل احتساب الخسائر الناجمة عن الحرب، وتراجع عائدات التصدير، والأضرار التي لحقت بالصناعات المولدة للعملات الأجنبية مثل البتروكيماويات والصلب، فضلاً عن حالة الركود التي أصابت الأسواق، وهي عوامل يقول الخبراء إنها ستؤدي أيضاً إلى مزيد من التراجع في القدرة الضريبية للحكومة.

عجز الموازنة… المحرك الرئيسي للتضخم في إيران

أكد خبراء اقتصاديون مراراً خلال السنوات الماضية أن المصدر الأهم للتضخم المزمن في إيران يتمثل في عجز الموازنة والاختلالات المالية الحكومية والفساد الهيكلي. ويرون أن عدم كفاية الإيرادات الحكومية لتغطية النفقات يدفع السلطات إلى اللجوء لوسائل تمويل تنتهي بزيادة القاعدة النقدية ونمو السيولة، ما يؤدي في النهاية إلى ارتفاع معدلات التضخم.

كما شدد الاقتصادي فرهاد نيلي في تحليلاته المتعلقة بآفاق الاقتصاد الإيراني على وجود علاقة مباشرة بين عجز الموازنة والتضخم وسعر الصرف، معتبراً أن طريقة تمويل العجز تلعب دوراً حاسماً في تحديد مسار التضخم مستقبلاً.

وفي السياق ذاته، حذرت تقارير تحليلية من أن الفجوة بين موارد الدولة ونفقاتها بلغت مستوى يجعل الضغوط على السياسة النقدية مستمرة حتى في حال تحقق جزء من الإيرادات المتوقعة.

ويرى اقتصاديون أن النتيجة الطبيعية لهذا الوضع تتمثل في استمرار ارتفاع الأسعار في أسواق مثل العقارات والسيارات والمواد الغذائية، وهي القطاعات التي تأثرت بشدة خلال السنوات الأخيرة بسبب نمو السيولة النقدية وتراجع قيمة العملة الوطنية.

نمو السيولة النقدية… العقبة الأكبر أمام كبح التضخم

ومن القضايا التي أثارت نقاشاً واسعاً خلال الأشهر الماضية تأثير زيادة صادرات النفط وارتفاع الإيرادات من العملات الأجنبية على معدلات التضخم. إلا أن كثيراً من الخبراء يعتقدون أن أي زيادة في صادرات النفط أو إيرادات الدولة لن يكون تأثيرها على احتواء التضخم سوى محدود ومؤقت.

وتظهر بيانات البنك المركزي الإيراني أن حجم السيولة النقدية سجل مستويات قياسية جديدة حتى قبل اندلاع الحرب الأخيرة. ووفقاً لتقرير البنك المركزي، ارتفع حجم السيولة حتى نهاية فبراير بنسبة 47.3 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

ويقول منتقدون إن المركزي الإيراني تحول عملياً خلال العقود الماضية إلى أداة لتمويل الحكومات، عبر خلق النقود وزيادة السيولة لتغطية عجز الموازنات، وهو مسار انعكس في نهاية المطاف على شكل تضخم مزمن وتراجع مستمر في قيمة العملة الوطنية.

وإلى جانب هذه التحديات، تبرز عوامل أخرى تعرقل إصلاح الاقتصاد الإيراني، من بينها الاعتماد التاريخي للموازنة على عائدات النفط، واتساع النفقات الجارية الحكومية، وضعف كفاءة نظام الدعم، ومحدودية فاعلية النظام الضريبي، والتهرب الضريبي، والحضور الكبير للشركات الحكومية في الاقتصاد، وأزمة صناديق التقاعد، ومشكلات القطاع المصرفي، وانخفاض مستويات الإنتاجية.

وفي ظل هذه الظروف، يرى العديد من المحللين أن زيادة صادرات النفط وتراجع الضغوط الخارجية قد يخففان جزءاً من المشكلات الاقتصادية، إلا أنهما لن يكونا كافيين لوقف المسار التضخمي المستمر في البلاد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 + ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى