انهيار تصنيف إيران العلمي: أزمة الجامعات والعزلة الرقمية

تكشف الإحصاءات بوضوح أن عدد المتقدمين للالتحاق بالجامعات في إيران خلال عام 2025 تراجع بشكل حاد إلى نحو 980 ألف شخص بعد أن كان يتجاوز 1.2 مليون طالب.

ميدل ايست نيوز: تكشف الإحصاءات بوضوح أن عدد المتقدمين للالتحاق بالجامعات في إيران خلال عام 2025 تراجع بشكل حاد إلى نحو 980 ألف شخص، وهو رقم يعكس تحولاً فكرياً وعملياً لدى الشباب مقارنة بمرحلة الذروة التي تجاوز فيها عدد المتقدمين 1.2 مليون شخص.

وتعكس صورة التعليم العالي في إيران اليوم مفارقة عميقة ومثيرة للقلق؛ فمن جهة تشهد البلاد تراجعاً غير مسبوق في أعداد المتقدمين لامتحانات القبول الجامعي وعزوفاً متزايداً لدى الأجيال الشابة عن الحصول على الشهادات الجامعية، ومن جهة أخرى يواجه من تبقى داخل المنظومة الأكاديمية قيوداً متزايدة على التواصل العلمي، وانقطاعات الإنترنت، وتراجع جودة التعليم.

وتظهر البيانات أن عدد المتقدمين للجامعات انخفض في عام 2025 إلى نحو 980 ألفاً فقط، مقارنة بأكثر من 1.2 مليون متقدم في سنوات سابقة، وهو ما يعكس تحولاً أيديولوجياً وبراغماتياً في نظرة الشباب إلى مستقبلهم.

فالجامعة التي كانت يوماً الممر الوحيد للطبقة الوسطى نحو الحراك الاجتماعي والمكانة الاقتصادية والاستقرار المالي، باتى ينظر إليها اليوم على أنها مؤسسة لإنتاج شهادات تفتقر إلى القيمة العملية وتؤدي إلى هدر الوقت.

وفي الوقت نفسه، أطلقت المؤشرات الدولية تحذيرات بشأن أوضاع القطاع العلمي في إيران، بعدما تراجعت إيران أربع مراتب في قواعد الاستشهادات العلمية العالمية، وانخفض ترتيبها من المركز الرابع عشر إلى الثامن عشر، في نتيجة مباشرة لتقييد الاتصالات الدولية، والهجرة الواسعة لأعضاء الهيئات التدريسية، والعجز عن مواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة في العالم.

عندما لم تعد الشهادة الجامعية طريقاً للرزق

يقول موقع آوش الإيراني في تقرير له، إنه لا يُعد انخفاض عدد المتقدمين لامتحان القبول الجامعي إلى أقل من مليون شخص في عام 2025 مجرد تغير إحصائي عابر أو نتيجة للتحولات الديموغرافية، بل يعكس تحولاً جوهرياً في رؤية الجيل الجديد لمستقبله.

فالشباب اليوم باتوا يدركون، من منظور واقعي يتناسب مع الظروف الاقتصادية، أن سوق العمل التقليدية في إيران لم تعد تمنح قيمة حقيقية للسنوات التي يقضيها الطالب على مقاعد الدراسة الجامعية.

وأدت معدلات التضخم المرتفعة، وانعدام الاستقرار الوظيفي، والفجوة الكبيرة بين الأجور وتكاليف المعيشة، إلى تراجع جاذبية الشهادات الجامعية.

وبات كثير من الشباب يفضلون الاستثمار في تعلم المهارات السريعة العائد، أو العمل في الأسواق المالية، أو مجالات التكنولوجيا الرقمية، أو المهن الحرة، بدلاً من قضاء أربع سنوات في دراسة مناهج لم تُحدّث منذ عقود.

وبذلك فقدت الجامعة دورها التقليدي باعتبارها ضامناً للمستقبل المالي، وتحولت إلى مسار مكلف قد يقود في أفضل الأحوال إلى الانضمام إلى صفوف الخريجين العاطلين عن العمل أو العاملين في وظائف لا تمت بصلة إلى تخصصاتهم.

ويؤدي هذا العزوف المتزايد إلى اتساع ظاهرة المقاعد الشاغرة في الجامعات، لا سيما في تخصصات العلوم الأساسية والعلوم الإنسانية التي تشكل الركائز الفكرية للمجتمع، ما يدفع بعضها إلى الاقتراب من حافة الإغلاق.

العزلة الرقمية وسياسات الحجب

وفي الوقت الذي تتقلص فيه القاعدة الطلابية، تواجه جودة التعليم الجامعي تهديدات متزايدة من الداخل.

ويُعد تشديد القيود على البنية التحتية للاتصالات والانقطاعات المتكررة والمنهجية للإنترنت من أبرز العوامل التي أسهمت في تراجع إيران أربع مراتب في التصنيف العالمي للإنتاج العلمي.

وتشير تحليلات متخصصة إلى أن القيود المفروضة على الإنترنت أدت عملياً إلى إضعاف البيئة المعرفية للباحثين وأعضاء هيئة التدريس.

فالبحث العلمي في العصر الحديث لم يعد نشاطاً محلياً أو معزولاً، بل يعتمد على الوصول الفوري إلى قواعد البيانات العالمية، والمشاركة في الندوات الافتراضية، وتبادل المعلومات مع المختبرات الدولية، والاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي.

وأدى الحجب الواسع للإنترنت وتراجع سرعات الاتصال إلى جعل الوصول إلى المصادر العلمية الأساسية عملية شاقة، كما أضعف الحوافز المتعلقة بالتعاون البحثي الدولي.

وفي ظل اضطرار الأساتذة وطلبة الدكتوراه إلى الاعتماد على برامج تجاوز الحجب غير الآمنة للوصول إلى المقالات العلمية أو التواصل مع نظرائهم في الخارج، تتباطأ وتيرة التقدم العلمي في البلاد.

وفي المقابل، تواصل دول منافسة في المنطقة، مثل تركيا والسعودية، استقطاب الباحثين وتعزيز مكانتها العلمية من خلال الاستثمار في بيئة رقمية أكثر انفتاحاً وتوفير تسهيلات بحثية واسعة.

هجرة العقول وتداعيات تراجع جودة التعليم

ومن التداعيات الأخرى لهذه الأوضاع تسارع وتيرة هجرة الكفاءات العلمية، وهي ظاهرة لم تعد تقتصر على الطلاب، بل امتدت إلى أعضاء هيئة التدريس الشباب والأساتذة ذوي الخبرة.

فالجامعة التي تعجز عن توفير الحد الأدنى من حرية البحث والاستقرار الاقتصادي والمكانة الاجتماعية لكوادرها العلمية تتحول إلى محطة عبور مؤقتة لا أكثر.

وأدى خروج الأساتذة البارزين واستبدالهم بكوادر أقل خبرة أو اختيارها وفق اعتبارات غير أكاديمية إلى تراجع حاد في جودة التعليم وإرباك عمليات التعلم.

وبات الطالب الإيراني يدرس في بيئة تفتقر إلى التجهيزات المخبرية الحديثة، وإلى الأساتذة القادرين على ربطه بأحدث التطورات العالمية، فضلاً عن ضعف الاتصال بالعالم الخارجي نتيجة القيود المفروضة على الإنترنت.

ويؤدي هذا التراجع إلى نشوء حلقة مفرغة؛ إذ يفضي انخفاض الجودة إلى فقدان الثقة بالجامعة، بينما يؤدي تراجع الثقة إلى مزيد من عزوف الطلاب وتسارع هجرة الكفاءات.

واستمرار هذا المسار من شأنه أن يضعف القدرات التخصصية للبلاد في مجالات حيوية مثل الهندسة والطب وإدارة الأزمات الوطنية.

الحاجة إلى إعادة النظر في العلاقة بين العلم والسياسة والمجتمع

يعكس التراجع الحاد الذي تشهده الجامعات الإيرانية، سواء على مستوى استقطاب الطلاب أو الحفاظ على مكانتها العلمية الدولية، مؤشراً تحذيرياً بالغ الخطورة.

فلم يعد بالإمكان الحفاظ على مكانة الجامعة عبر الأدوات التقليدية مثل الحصص الخاصة أو اشتراط الشهادات الجامعية للتوظيف الحكومي أو الاعتماد على الأرقام الشكلية المتعلقة بعدد الأبحاث المنشورة.

وأصبح الواقع واضحاً؛ إذ عبّر الشباب عن رفضهم لفاعلية هذه المنظومة من خلال عزوفهم عن التقدم إلى الجامعات.

ومن جهة أخرى، أدت السياسات المقيدة للفضاء الرقمي وتجاهل متطلبات التنمية العلمية إلى تحويل الجامعات إلى مؤسسات معزولة على هامش الخريطة العلمية العالمية.

ويرى التقرير أن إنقاذ ما تبقى من منظومة التعليم العالي يتطلب إجراءات جذرية وشجاعة، تشمل الاعتراف بالتنمية الرقمية باعتبارها حقاً أساسياً للقطاع البحثي، ووقف السياسات التي تدفع الأساتذة إلى الهجرة، وإعادة هيكلة المناهج الجامعية بما يعزز المهارات العملية ويربط التعليم باحتياجات الاقتصاد الوطني.

ويحذر التقرير من أنه في حال استمرار الوضع الحالي، فإن المقاعد الجامعية الشاغرة خلال السنوات المقبلة ستتحول إلى رمز واضح للتخلف التنموي وتراجع جيل اختار البحث عن المعرفة خارج أسوار الجامعات.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 − واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى