التفاهم الهش بين إيران والولايات المتحدة.. حرب وسلام في آن واحد
رغم تبادل الضربات المكثفة، لم يعلن أي من الطرفين رسمياً انتهاء التفاهم، كما لا يزال الجيش الأميركي يستخدم مصطلح "انتهاك وقف إطلاق النار"، وهو ما يعكس خشية كل من واشنطن وطهران من تداعيات اندلاع حرب شاملة يصعب احتواؤها.

ميدل ايست نيوز: أثار تبادل الهجمات خلال الأيام الماضية تساؤلات متزايدة بشأن ما إذا كانت التفاهمات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة تمتلك منذ البداية القدرة على احتواء الأزمة، أم أنها لم تكن سوى فرصة مؤقتة لالتقاط الأنفاس بين الطرفين.
وبعد عشرة أيام فقط من توقيع مذكرة التفاهم الإلكترونية بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الأميركي دونالد ترامب، بوساطة عدد من دول المنطقة، وما رافقها من آمال بخفض حدة حرب استنزاف، عادت الطائرات الحربية والصواريخ لتدوي مجدداً في منطقة الخليج وبحر عُمان.
وأعاد تبادل إطلاق النار بين طهران وواشنطن خلال الليلتين الماضيتين طرح سؤال جوهري أمام المحللين والرأي العام: ما طبيعة وقف إطلاق النار أو التفاهم الذي لا يغيب معه شبح المواجهة عن المنطقة ولو للحظة؟
ويُظهر التسلسل الزمني لهذا التفاهم الهش، منذ توقيعه الأول وحتى الانفجارات العنيفة الأخيرة، أن الإطار الذي تم التوصل إليه في أواخر يونيو، كان أقرب إلى مسكن مؤقت لأزمة عميقة منه إلى اتفاق منظم. فقد بدأت الشرارة بحادثة السفينة السنغافورية “أور لافلي”، ثم ناقلة النفط البنمية “إم/تي كيكو”، قبل أن تتبعها ضربات أميركية على مدينة سيريك، وردود صاروخية متكررة استهدفت مواقع في الكويت والبحرين.
وتجسدت خطورة الأزمة خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، ولا سيما الليلة الماضية، عندما أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) رسمياً أنها بدأت، بأوامر من الرئيس دونالد ترامب، موجة جديدة من الضربات الجوية استهدفت البنية التحتية للمراقبة العسكرية، وأنظمة الاتصالات، ومواقع الدفاع الجوي، ومستودعات الطائرات المسيّرة الإيرانية على السواحل الجنوبية.
وزعمت واشنطن أن هذه الضربات جاءت رداً على استهداف ناقلة النفط البنمية “إم/تي كيكو”، التي كانت تحمل مليوني برميل من النفط الخام قرب مضيق هرمز. وأعقب ذلك تصعيد في لهجة ترامب عبر منصته للتواصل الاجتماعي، حيث اتهم طهران بانتهاك وقف إطلاق النار ولوّح بتهديدات تمس وجود النظام الإيراني.
وفي المقابل، لم تمر هذه الضربات من دون رد، إذ أفادت تقارير بسماع انفجارات قوية وتفعيل أنظمة الدفاع الجوي في قاعدة علي السالم الأميركية بالكويت، وكذلك في أهداف عسكرية أميركية جنوب المنامة في البحرين، ما أظهر سرعة اتساع رقعة المواجهة في المنطقة.
تفاهم بلا أدوات للردع والتوازن
يتطلب خفض التصعيد بصورة مستدامة إقامة منظومة أمنية شاملة والاعتراف المتبادل بالخطوط الحمراء. أما الوضع الحالي، الذي يمكن وصفه بأنه “لا حرب ولا سلام، بل حرب وسلام في آن واحد”، فيعود إلى عدة ثغرات جوهرية في التفاهم الأخير.
وتتمثل أبرز نقاط ضعف تفاهم سويسرا في غياب اتفاق واضح بشأن الترتيبات الأمنية في مضيق هرمز. ففي حين تعتبر طهران، استناداً إلى بنود التفاهم، نفسها الجهة الرئيسية المسؤولة عن إدارة وتنسيق حركة الملاحة في هذا الممر الحيوي، تنظر واشنطن إلى أي إجراء رقابي أو ميداني تتخذه إيران باعتباره انتهاكاً لحرية الملاحة، وهو ما يدفعها إلى الرد العسكري.
ومن جهة أخرى، يزيد الخطاب التصعيدي والتهديدات الوجودية الصادرة عن الرئيس الأميركي من هشاشة هذا التفاهم. ففي وقت تحتاج فيه الدبلوماسية إلى ضبط النفس، يواصل دونالد ترامب استخدام لغة تغلق عملياً الباب أمام أي تفاهم سياسي، إذ إن التهديد بالقضاء الكامل على القدرات العسكرية الإيرانية وإزالة بنيتها السياسية يعكس أن واشنطن لا تزال تنظر إلى التفاهم بوصفه أداة للضغط والإخضاع، لا إطاراً للتعايش، وهو ما يعزز بدوره إصرار طهران على التمسك بمواقفها ويزيد من حالة الانغلاق الداخلي.
وفي الوقت نفسه، لم يلتزم التيار المتشدد في طهران الصمت، إذ استشهد التقرير بتصريحات حديثة للمفكر المحافظ حسن رحيم بور أزغدي، التي دعا فيها إلى اغتيال ترامب واستهداف البيت الأبيض.
حرب الروايات فوق أنقاض الالتزامات
ويزيد من تعقيد الأزمة التباين الواضح بين روايتي الطرفين بشأن ما يجري. فالقيادة المركزية الأميركية والبيت الأبيض يصفان عملياتهما بأنها رد مشروع ومباشر ودفاعي على استهداف الملاحة التجارية، ويؤكدان أن إيران مُنحت فرصة لاحترام وقف إطلاق النار بعد الضربات الأولى، إلا أن إطلاق طائرات مسيّرة انتحارية جديدة أنهى تلك الفرصة.
في المقابل، تعتبر وزارة الخارجية الإيرانية والقوات المسلحة أن الضربات الأميركية على السواحل الجنوبية ومنطقة سيريك تمثل اعتداءً واضحاً على السيادة الإيرانية وانتهاكاً صريحاً لتفاهم سويسرا.
ومن وجهة نظر طهران، فإن واشنطن هي التي هيأت أسباب التصعيد بتجاهلها الآليات الأمنية الإيرانية في مضيق هرمز، وأن امتداد الأزمة إلى القواعد الأميركية في الكويت والبحرين جاء بوصفه رداً طبيعياً على ما وصفته بالمغامرات الأميركية.
ويكشف هذا التناقض العميق في تفسير نص التفاهم وتطبيقه أن الطرفين لم يتفقا حتى على تعريف مفهوم “وقف إطلاق النار”.
ضرورة مراجعة الدبلوماسية الورقية
ورغم تبادل الضربات المكثفة، لم يعلن أي من الطرفين رسمياً انتهاء التفاهم، كما لا يزال الجيش الأميركي يستخدم مصطلح “انتهاك وقف إطلاق النار”، وهو ما يعكس خشية كل من واشنطن وطهران من تداعيات اندلاع حرب شاملة يصعب احتواؤها.
إلا أن إدارة شؤون الدولة، والاقتصاد المتأزم، والأمن القومي، لا يمكن أن تظل رهينة الصدف أو الحوادث البحرية الطارئة. فهذا التفاهم الهش، الذي كان يفترض أن يشكل مقدمة لمفاوضات أكثر شمولاً، أخفق في أول اختبار حقيقي له.
ما لم تُنشأ آلية قانونية دقيقة ورقابية للتحقق من تنفيذ الالتزامات، فإن هذا التفاهم سيظل مجرد وثيقة ورقية مهددة بالانهيار في أي لحظة.



