اتفاق إسرائيل ولبنان: خطوة نحو السلام أم بداية طريق مسدود؟
يمكن اعتبار الاتفاق بين إسرائيل ولبنان جزءاً من الجهود الأميركية الرامية إلى ترسيخ مسار خفض التوتر الإقليمي، وهو ما قد يسهم في تهيئة الأجواء للمفاوضات مع إيران.

ميدل ايست نيوز: أثار الاتفاق بين إسرائيل ولبنان، الذي جرى التوصل إليه بوساطة أميركية، ردود فعل غاضبة من حزب الله اللبناني، إلى جانب معارضة إيرانية ضمنية. ويهدف الاتفاق أساساً إلى إنهاء الحرب بين إسرائيل ولبنان ونزع سلاح حزب الله، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى اندلاع مواجهات جديدة داخل لبنان.
وتوصل لبنان وإسرائيل مرة أخرى إلى اتفاق سلام، رغم التاريخ الطويل من الاتفاقيات التي لم تحقق نتائج. وجاء الاتفاق في ظل غياب حزب الله، ويُعد في جوهره محاولة جديدة لنزع سلاح الجماعة، فيما وصفه الأمين العام لحزب الله بأنه “اتفاق إطار” لتسليم السيادة اللبنانية.
وجاء الاتفاق بعد خمس جولات من المفاوضات بوساطة الولايات المتحدة، ويبدو أن الشرط الإيراني لوقف الحرب في لبنان كان له تأثير في الجهود الأميركية الرامية إلى التوصل إليه. إلا أن النقطة الأساسية تكمن في أن الاتفاق يضع إطاراً لنزع سلاح الجماعات المسلحة في لبنان، وهو ما قد يؤدي تطبيقه إلى مزيد من الصدامات داخل البلاد.
ووصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الاتفاق بأنه “بداية البداية”، في عبارة تعكس إدراك القائمين على الاتفاق لصعوبة المرحلة المقبلة.
خريطة طريق غامضة
ومع توقيع هذا الاتفاق الإطاري، أعلنت الحكومة اللبنانية بدء مسار استعادة سيادتها على جنوب البلاد، فيما اعتبرته إسرائيل خطوة لإبعاد تهديد حزب الله عن حدودها الشمالية، وقدمته الإدارة الأميركية باعتباره أحد أبرز إنجازاتها الدبلوماسية في المنطقة. غير أن الفجوة بين نص الاتفاق والوقائع الميدانية تجعل مستقبله غامضاً.
وبموجب الاتفاق، يتعين على الجيش اللبناني أن يتولى تدريجياً السيطرة على المناطق الجنوبية، وأن تُنزع أسلحة الجماعات المسلحة غير الحكومية وتُفكك بنيتها العسكرية. في المقابل، تعهدت إسرائيل بالانسحاب تدريجياً من أجزاء من المناطق التي تحتلها في جنوب لبنان. ومن المقرر أن يبدأ تنفيذ هذه الآلية بصورة تجريبية في منطقتين، إحداهما شمال نهر الليطاني والأخرى جنوبه.
كما ينص الاتفاق على إنشاء آلية أمنية مشتركة بدعم أميركي، وإطلاق عملية إعادة إعمار جنوب لبنان، والانتقال نحو مفاوضات مباشرة للتوصل إلى اتفاق سلام شامل. إلا أن إحدى أهم العبارات الواردة فيه تؤكد أن تنفيذ جميع المراحل سيكون “قائماً على الأداء”، أي أن أي انسحاب أو تنازل سياسي لن يتم قبل تنفيذ الطرف الآخر لالتزاماته الأمنية.
ولهذا السبب، يبدو الاتفاق أقرب إلى خريطة طريق مشروطة منه إلى اتفاق ملزم، إذ يعتمد نجاحه على تحقيق شروط مسبقة، يقع أهمها خارج نطاق سيطرة الحكومة اللبنانية.
حزب الله… الغائب الأكبر
غاب اللاعب الرئيسي في جنوب لبنان، حزب الله، عن الاتفاق، وأعلن رفضه الصريح للمسار الذي أفضى إليه. حتى إن الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، دعا الحكومة اللبنانية إلى الاستناد إلى مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية بدلاً من الاتفاق الحالي.
ووصف حسن فضل الله، عضو كتلة حزب الله في البرلمان اللبناني، الاتفاق بأنه “تنازل مجاني ومن طرف واحد”، محذراً من أنه سيؤدي إلى تعميق الانقسام الداخلي في لبنان. ولم يتغير موقف الحزب، إذ لا يزال يشترط الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية قبل أي تغيير في الوضع الميداني.
وأثار ذلك شكوكاً واسعة لدى محللين بشأن إمكانية تنفيذ الاتفاق. ويرى أستاذ الجامعة الأميركية في بيروت، رامي خوري، أن الاتفاق يمثل إنجازاً دعائياً لواشنطن وتل أبيب أكثر من كونه وثيقة قابلة للتنفيذ.
كما حذر مراسل قناة الجزيرة، علي هاشم، من أن الحكومة اللبنانية لن تكون قادرة على فرض بنود الاتفاق من دون موافقة حزب الله، معتبراً أن الاتفاق قد يمهد لمواجهة جديدة بين الجيش اللبناني والحزب بدلاً من إنهاء الأزمة.
ويكمن التناقض الأكبر في الاتفاق في أن محوره الرئيسي هو نزع سلاح حزب الله، لكنه وُضع من دون مشاركة الحزب أو موافقته.
ماذا تريد إسرائيل؟
تنظر إسرائيل إلى الاتفاق الجديد باعتباره امتداداً لمشروعها الأمني. فقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فور توقيع الاتفاق، أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في جنوب لبنان إلى أن يُنزع سلاح حزب الله، معتبراً أن الاتفاق “يشكل ضربة قوية لإيران”، ومتحدثاً عن تنفيذ مشروع تجريبي لنزع سلاح الحزب.
ومن وجهة نظر تل أبيب، فإن الانسحاب من جنوب لبنان لن يكون ممكناً إلا إذا تمكن الجيش اللبناني من الحلول محل حزب الله وضمان أمن الحدود الشمالية لإسرائيل، ولهذا تكتسب المشاركة الأميركية في آلية الرقابة على تنفيذ الاتفاق أهمية استراتيجية بالنسبة إليها.
لكن هذا الشرط قد يدفع الاتفاق إلى طريق مسدود، إذ سبق لحزب الله أن أعلن مراراً أن سلاحه جزء من منظومة الردع اللبنانية في مواجهة إسرائيل، وأنه لن يتخلى عنه بناءً على اتفاق بين الحكومة اللبنانية والولايات المتحدة.
لبنان بين السيادة والواقع
وترى الحكومة اللبنانية في الاتفاق فرصة نادرة لاستعادة سلطة الدولة المركزية. ووصف الرئيس اللبناني جوزيف عون الاتفاق بأنه الخطوة الأولى نحو استعادة السيادة الكاملة للبلاد، معلناً بدء عملية إعادة إعمار جنوب لبنان.
إلا أن الحكومة تواجه واقعاً لا يمكن تجاهله، يتمثل في أن السيادة القانونية لا تعني بالضرورة السيطرة الفعلية على الأرض. فرغم ما يتمتع به الجيش اللبناني من شرعية داخلية ودولية، فإن موازين القوى في أجزاء واسعة من الجنوب لا تزال تميل لصالح حزب الله. وأي محاولة لنشر الجيش في مناطق يرفض الحزب الانسحاب منها قد تزيد من احتمالات اندلاع صراع داخلي، وهو سيناريو عانى منه لبنان لعقود، ولا يبدو أن أياً من الأطراف الداخلية أو الخارجية يرغب في تكراره.
تداعيات الاتفاق على إيران
ولا تقتصر أبعاد الاتفاق على الساحة اللبنانية، إذ جاء توقيعه في وقت تواصل فيه واشنطن مفاوضاتها مع طهران، بينما شددت التفاهمات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة على ضرورة إنهاء الصراعات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان.
ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار الاتفاق بين إسرائيل ولبنان جزءاً من الجهود الأميركية الرامية إلى ترسيخ مسار خفض التوتر الإقليمي، وهو ما قد يسهم في تهيئة الأجواء للمفاوضات مع إيران.
في المقابل، تؤكد إيران أن إنهاء الحرب بصورة حقيقية يستلزم الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية. كما حذر عباس عراقجي من أن استمرار الوجود أو العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان يتعارض مع روح التفاهمات القائمة، وقد يعرض مسار خفض التصعيد للخطر.
ولهذا، فإن فشل الاتفاق لن يعيد الحدود اللبنانية إلى دائرة المواجهة فحسب، بل قد ينعكس سلباً أيضاً على مناخ الثقة بين طهران وواشنطن. أما إذا نجح التنفيذ التدريجي للاتفاق، فقد ترتفع فرص ترسيخ مسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.



