إيران تواجه أقسى أزمة اقتصادية منذ عقود وسط تضخم قياسي ونمو سلبي
إن الأزمة الاقتصادية التي شهدتها إيران في عام 2025 كانت أشد من جميع الأزمات التي عرفتها البلاد منذ مطلع العقد الماضي، ما يجعلها تمثل أقسى موجة ركود تضخمي في تاريخ الاقتصاد الإيراني الحديث.

ميدل ايست نيوز: أظهرت بيانات النمو الاقتصادي لعام 2025 أن العام الماضي يمكن اعتباره بوضوح أحد أسوأ الأعوام التي مر بها الاقتصاد الإيراني.
وكشف مركز الإحصاء الإيراني، بإعلانه تسجيل نمو اقتصادي متواضع بلغ 0.2% فقط، جانباً آخر من واقع الاقتصاد خلال العام الماضي، تمثل في تفاقم الركود التضخمي إلى مستويات غير مسبوقة. وبعد يوم واحد، أعلن البنك المركزي الإيراني تقديراته للنمو الاقتصادي، والتي أظهرت صورة أكثر سلبية، إذ قدر معدل النمو عند سالب 0.7%، فيما بلغ النمو باستثناء عائدات النفط سالب 1.1%.
وجاء هذا النمو المحدود في وقت بلغت فيه معدلات التضخم أعلى مستوياتها المسجلة، إذ أعلن مركز الإحصاء الإيراني أن معدل التضخم السنوي حتى نهاية عام 2025 بلغ 50.6%، فيما وصل معدل التضخم السنوي المقارن إلى 71.8%، وهي أعلى معدلات يعلنها المركز منذ بدأ نشر بيانات التضخم عام 2012.
واستمر التضخم في الارتفاع خلال عام 2026، حيث سجل معدله السنوي المقارن حتى نهاية مايو 83.9%، بينما بلغ معدل التضخم السنوي 57.7%، مع توقعات باستمرار المنحى التصاعدي حتى نهاية العام.
ويرى تقرير لوكالة خبرأونلاين أن العامل الوحيد القادر على منع وصول التضخم إلى مستويات من ثلاثة أرقام خلال العام الجاري يتمثل في إنهاء ظروف الحرب ورفع العقوبات. وبسبب صدمة سعر الصرف التي شهدها شهر يناير، فمن المتوقع أن يستمر أثرها التضخمي حتى منتصف شتاء 2026، ما يجعل احتمال استمرار ارتفاع التضخم أكبر من أي سيناريو آخر.
الركود التضخمي في 2025… الأشد على الإطلاق
ليس الركود التضخمي ظاهرة جديدة في الاقتصاد الإيراني، إذ واجهت البلاد هذه المشكلة خلال سنوات عديدة منذ مطلع العقد الماضي. إلا أن ما يميز أوضاع عام 2025 عن موجات الركود التضخمي السابقة هو حدتها غير المسبوقة.
ففي العقد الماضي ارتفع التضخم بشكل ملحوظ، وتراجع النمو الاقتصادي إلى مستويات كبيرة، حتى سجل الاقتصاد انكماشاً بنسبة 7% عام 2019 و5.4% عام 2012، إلا أن شدة الركود التضخمي آنذاك لم تكن تضاهي ما يشهده الاقتصاد حالياً.
وأدت العقوبات الاقتصادية وتشديد الضغوط الخارجية منذ مطلع العقد الماضي إلى دخول المؤشرات الاقتصادية، ولا سيما التضخم والنمو الاقتصادي، مرحلة حرجة. وقبل ذلك، كان متوسط التضخم السنوي في إيران يقل قليلاً عن 20%، وهو معدل مرتفع مقارنة بالمعايير الدولية، لكنه أقل بكثير مما شهدته البلاد لاحقاً.
كما دخل الاقتصاد الإيراني في نمو سلبي ابتداءً من عام 2012، بعد أن كان قد أمضى 15 عاماً متواصلة، منذ عام 1997، من دون تسجيل انكماش اقتصادي.
وتغير هذا المسار في منتصف العقد الماضي عقب توقيع الاتفاق النووي، حيث شهد الاقتصاد فترة من الانفراج، وارتفع معدل النمو الاقتصادي إلى 14% عام 2016، كما سجلت إيران لعامين متتاليين، 2016 و2017، معدلات تضخم أحادية الرقم بلغت 6.9% و8.2% على التوالي.
لكن هذا التحسن لم يدم طويلاً، إذ أدى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى عودة الضغوط الاقتصادية.
وشدد ترامب سياسة العقوبات إلى مستويات غير مسبوقة من خلال سياسة “الضغط الأقصى”، قبل أن تتزامن لاحقاً مع جائحة كورونا، وهو ما أدخل الاقتصاد الإيراني في مرحلة أكثر تعقيداً، لترتفع معدلات التضخم بعد ذلك إلى أكثر من 40%، وهي مستويات لم تشهدها البلاد منذ عام 1995.
ومنذ عام 2021 وحتى اليوم، مرت خمس سنوات، تجاوز خلالها معدل التضخم 40% خلال السنوات الثلاث الأولى، لتعود إيران، بعد فاصل دام 25 عاماً، إلى مواجهة تضخم بهذه المستويات المرتفعة.
وانخفض التضخم في عام 2024 إلى 32.5%، إلا أنه عاد للارتفاع في عام 2025 ليتجاوز 50%، بعد تطبيق سياسات رفع الأسعار وإلغاء سعر الصرف التفضيلي.
وسجلت هذه المعدلات القياسية من التضخم في وقت حقق فيه الاقتصاد أضعف معدل نمو منذ عام 2021، إذ اقترب من الصفر.
ورغم أن الاقتصاد الإيراني شهد في سنوات سابقة معدلات تضخم مرتفعة أو انكماشاً أكبر، فإنه لم يشهد سابقاً تزامن نمو اقتصادي سلبي مع تضخم بهذا الحجم. فعلى سبيل المثال، عندما سجل الاقتصاد انكماشاً بنسبة 7% عام 2019، كان معدل التضخم أقل من 35%.
وبناءً على ذلك، يرى التقرير أن الأزمة الاقتصادية التي شهدتها إيران في عام 2025 كانت أشد من جميع الأزمات التي عرفتها البلاد منذ مطلع العقد الماضي، ما يجعلها تمثل أقسى موجة ركود تضخمي في تاريخ الاقتصاد الإيراني الحديث، مع توقعات بأن تتفاقم حدتها بصورة أكبر خلال عام 2026 إذا استمرت الأوضاع الحالية.



