الصحافة الإيرانية: هل تعيد زيارة عراقجي إلى العراق تشكيل العلاقات الإقليمية؟

إن زيارة عراقجي إلى بغداد أظهرت أن طهران تدرك جيداً فرص الانفتاح المتاحة، وتسعى عبر توظيف نفوذها في العراق وقطر إلى خلق مساحة جديدة في علاقاتها مع جيرانها العرب.

ميدل ايست نيوز: ربما يمكن القول إن الشرق الأوسط بعد الحرب الأخيرة لم يعد ذلك الشرق الأوسط السابق. فالمعادلات التي كانت تُرسم بخطوط معروفة وقليلة التغير اتخذت الآن شكلاً مختلفاً وسط سيل من التحولات الجديدة. وفي هذه المرحلة يضطلع العراق بدور مزدوج وحساس؛ فمن جهة هو جار استراتيجي وتاريخي تربطه بإيران روابط ثقافية عميقة، ومن جهة أخرى يُعد جسراً محتملاً للحوار بين طهران ودول الخليج العربية.

تقول صحيفة شرق الإيرانية في تقرير لها، إن وزير الخارجية الإيراني حدد في زيارته أمس ثلاثة أهداف رئيسية: توجيه الشكر لبغداد على مواقفها الحازمة خلال الحرب، وتهنئة الحكومة الجديدة، والتأكيد على عزم طهران توسيع التعاون في جميع المجالات، إضافة إلى التنسيق لإقامة مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل في العتبات المقدسة. إلا أن ما منح هذه الزيارة وزناً استراتيجياً كان النقاشات البنيوية التي قد تفضي إلى خفض التوتر بين إيران ودول الخليج، بدءاً من تأكيد إيران مجدداً حقها في الإدارة الحصرية لمضيق هرمز، وصولاً إلى مبادرة النظام الأمني «2+6».

ومن هنا يبرز التساؤل: هل يمكن أن تشكل هذه الزيارة مفتاحاً لإعادة تعريف العلاقات الإقليمية؟

وصل عباس عراقجي، وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، صباح الأحد إلى بغداد، حيث كان في استقباله محمد كاظم آل صادق، سفير إيران لدى العراق، وعدد من مسؤولي وزارة الخارجية العراقية. وتأتي هذه الزيارة في ظرف حساس ومصيري للمنطقة بأسرها، وتتجاوز أبعادها إطار اللقاء الثنائي التقليدي، إذ يمكن النظر إليها بوصفها محطة مفصلية في العلاقات الإقليمية والجهود الدبلوماسية التي أعقبت الحرب الأخيرة.

وعقب لقائه وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، عرض عراقجي، خلال مؤتمر صحافي مشترك، الأهداف المتعددة للزيارة من منظور استراتيجي. وأشار إلى الظروف الخاصة التي أعقبت «الحرب العدوانية الأميركية والإسرائيلية» ضد إيران، مؤكداً أن الحرب الأخيرة حملت «دروساً كثيرة» لدول المنطقة، وأن أمن المنطقة يتطلب اعتماد مقاربة جديدة. كما رحّب باقتراح فؤاد حسين عقد اجتماع يضم إيران والعراق ودول مجلس التعاون تحت صيغة «2+6».

وتُطرح هذه المبادرة، التي قد تمثل بداية لتشكيل نظام أمني إقليمي من دون تدخل القوى الخارجية، في وقت تتابع فيه دول الخليج بقلق التطورات التي أعقبت التفاهم الإيراني الأميركي. وينبع هذا القلق من الغموض الذي يكتنف بنود التفاهم المتعلقة بالصواريخ الباليستية، والبرنامج النووي، ومستقبل السيطرة على مضيق هرمز.

ورغم الموقف الإيجابي لبغداد تجاه لعب دور الوسيط، تأتي زيارة عراقجي في وقت تنظر فيه دول المنطقة العربية إلى التفاهم بين طهران وواشنطن بشيء من الشك والقلق. وتشير تحليلات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن دول مجلس التعاون، وإن كانت مضطرة لدعم التفاهم بسبب هشاشة اقتصاداتها أمام احتمال إغلاق مضيق هرمز، فإنها تعتبره «سلاماً سيئاً» لا يبدد مخاوفها الأمنية. ومن أبرز هذه المخاوف غياب أي معالجة واضحة لبرنامج إيران الصاروخي، ودعمها لجماعات المقاومة، والغموض المحيط بمستقبل إدارة مضيق هرمز.

ومع ذلك، قد تشكل زيارة عراقجي إلى بغداد وترحيبه بمبادرة «2+6» بداية لفتح نافذة جديدة في العلاقات بين إيران والدول العربية. فالعراق، الذي تمكن خلال الحرب من الحفاظ على قنوات اتصال مع طرفي النزاع وتعزيز مكانته الدبلوماسية، قد يتحول الآن إلى منصة للحوار المباشر وغير المباشر بين طهران وجيرانها العرب. وأعلن فؤاد حسين خلال المؤتمر استعداد العراق لاستضافة الاجتماع المقبل لدول مجلس التعاون، مؤكداً موقف بلاده الرافض لتوسيع نطاق الحرب والداعي إلى أن تتولى دول المنطقة بنفسها مسؤولية أمنها.

ويحمل هذا الموقف، إلى جانب زيارة عراقجي للعراق للتنسيق بشأن مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل، رسالة تعكس حجم النفوذ الثقافي والديني الإيراني في العراق، وهو نفوذ يمكن توظيفه لتسهيل الحوارات الإقليمية.

وفي هذا السياق، ومع الأخذ في الاعتبار الدور المحوري الذي تلعبه قطر بوصفها أحد أبرز اللاعبين الإقليميين والصديق المقرب لإيران في التطورات الأخيرة، يبدو أن محور طهران – بغداد – الدوحة قد يتحول في المستقبل القريب إلى قوة دافعة لتطبيع العلاقات بين إيران والدول العربية.

ومع كل ذلك، فإن الطريق أمام إيران نحو تطبيع علاقاتها مع دول الخليج يبدو مفتوحاً لكنه معقد. فهناك ثلاثة تحديات رئيسية تبرز في هذا المسار: أولها انعدام الثقة التاريخي والبنيوي بين طهران والرياض نتيجة التنافس الجيوسياسي والأيديولوجي، وثانيها قلق الدول العربية من دور إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهو ما ظل أحد أبرز معوقات خفض التوتر، وثالثها التأثر الكبير للتوازنات الإقليمية بالمتغيرات الدولية، ولا سيما السياسات الأميركية التي تتبدل بتبدل الإدارات في واشنطن.

ورغم هذه التحديات، فإن زيارة عراقجي إلى بغداد أظهرت أن طهران تدرك جيداً فرص الانفتاح المتاحة، وتسعى عبر توظيف نفوذها في العراق وقطر إلى خلق مساحة جديدة في علاقاتها مع جيرانها العرب.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى