بندر عباس تحت ضغط الحرب.. سوق بطيء وأسعار تقفز ومضيق هرمز في الواجهة
لا تبدو آثار الحرب في بندر عباس -جنوبي إيران– على شكل دمار مباشر في الشوارع أو الأسواق، بل في حركة بيع متراجعة وأسعار ترتفع على نحو يومي، وقلق يمتد من البحر إلى المحال الصغيرة.
ميدل ايست نيوز: لا تبدو آثار الحرب في بندر عباس -جنوبي إيران– على شكل دمار مباشر في الشوارع أو الأسواق، بل في حركة بيع متراجعة وأسعار ترتفع على نحو يومي، وقلق يمتد من البحر إلى المحال الصغيرة.
واكتسبت المدينة أهميتها في الحرب الأخيرة من موقعها المطل على مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، حيث يرتبط جزء من حياة الناس بالبحر والميناء وحركة التجارة والطاقة عبر الخليج.
ومن هنا، تحوّل التوتر العسكري إلى ضغط معيشي يشمل الباعة والزبائن على حد سواء، في مدينة تجد نفسها بين ثقل الجغرافيا وحسابات الحرب من جهة، ومعاناة السوق اليومية من جهة أخرى.
في سوق السمك، يقول أحد الباعة إن الحرب أصابت مصدر رزقه مباشرة، لأن عمله مرتبط بالبحر أولا. ويضيف: “مدخولنا اليومي أصبح 10 ملايين تومان (العملة الإيرانية). نبيع سمكتين فيكون الوارد 10 ملايين تومان. ما أقصده أننا عاطلون عن العمل. نأتي في الصباح بملابس نظيفة، ونغادر في المساء بالنظافة نفسها”.
ولا يرى الرجل أن الأمر مجرد تراجع عابر في الطلب، بل نتيجة خوف امتد إلى الصيادين والزبائن معا. ويوضح أن الحرب أثرت عليهم 100%، فـ”نحن كباعة سمك عملنا مرتبط بالبحر، والبحّار لا يذهب الآن إلى البحر لأنه يخاف. كثير من أصدقائي يعتقدون أن هناك (تلوثا) نفطيا في البحر أو أن هناك حربا، لذلك لم يأتوا للشراء. نحن تضررنا كثيرا”.
أسعار في الفضاء
في ورشة لتصليح السيارات، تبدو الأزمة من زاوية أخرى. فالحرب -وفق صاحب الورشة- لم تضرب حركة العمل فقط، بل فاقمت اضطراب الأسعار. ويقول: “قبل الحرب كان السوق أفضل، لكن الآن مع الحرب سوق العمل سيئ جدا، والوضع سيئ للغاية”.
أما عن الأسعار، فيختصر المشهد بعبارة واحدة “الأسعار في الفضاء. كل يوم أغلى من السابق. تنام في الليل وتستيقظ صباحا فتجد الأسعار ارتفعت”.
هذا التبدل اليومي في الأسعار لا يقتصر على قطع غيار السيارات أو المواد المرتبطة بالاستيراد، بل يشمل الاحتياجات اليومية أيضا. وتقول بائعة خبز إن الوضع المعيشي أصبح “سيئا جدا”، مضيفة “ارتفعت أسعار كل شيء. أردت شراء دواء لابنتي فلم أستطع”.
وتتابع: “أتمنى أن تنتهي الحرب وينتهي الغلاء، لأن ارتفاع الأسعار صعب علينا، صعب للغاية”.
حركة بلا قدرة شرائية
لكن صورة السوق لا تبدو واحدة لدى جميع الباعة. ففي أحد محال الملابس، يرى بائع أن السوق “سيئ جدا”، لكنه لا يربط ذلك بالحرب وحدها. يقول وهو يتناول الإفطار داخل محله: “السوق لم يعد كما كان في السابق، لكن -ولله الحمد- نسيّر أمورنا. بتقديري لا يتعلق الأمر كثيرا بالحرب، فالسوق هكذا دائما”.
ويضيف: “كل ما نريده هو أن يكون الناس بسعادة وسلامة. ليس لدينا أمل آخر. عندما تكون الجيوب ممتلئة، سيكون الجميع سعداء”.
وفي محل للنظارات وسط المدينة، يقول صاحبه إن الحرب لم تُشاهَد في شوارع بندر عباس كما تُشاهد في مناطق أخرى، لكن أثرها الاقتصادي واضح. ويوضح: “الحرب ليست في المدينة لذلك لم نشعر بها مباشرة. هنا نشاهد حركة في السوق لأنه مركز المدينة، لكن قدرة الشراء لدى الناس باتت أضعف”.
ويضيف: “الضغوط الاقتصادية أثرت على الناس، لكننا لم نر الحرب بأعيننا”.
هرمز في قلب النقاش
وبينما يشكو الباعة من تراجع العمل وارتفاع الأسعار، تعود أهمية بندر عباس إلى موقعها الجغرافي المطل على مضيق هرمز، وهو ما جعل المدينة حاضرة بقوة في حسابات الحرب الأخيرة، سواء من زاوية أمن الملاحة والطاقة أو من زاوية انعكاس التوتر على الأسواق المحلية.
ويعدّ مضيق هرمز ممرا حيويا لتدفقات الطاقة العالمية، إذ تمر عبره كميات كبيرة من النفط والغاز المتجهة إلى الأسواق الدولية، الأمر الذي يجعل أي توتر حوله عاملا ضاغطا على الاقتصاد الإقليمي والعالمي، لا على المدن الساحلية الإيرانية وحدها.
وقد وضع نائب بندر عباس في البرلمان الإيراني أحمد مرادي هذا العامل في صلب قراءته لتداعيات الحرب، معتبرا أن إيران لم تستخدم بعدُ كامل قدرتها في هذا المضيق.
وقال مرادي إن “مسألة مضيق هرمز الإستراتيجي” من أهم الملفات المرتبطة ببندر عباس، مضيفا أن “20% على الأقل من طاقة العالم تمرّ عبر مضيق هرمز”، فضلا عن مرور جزء كبير من السلع التجارية والبضائع عبره.
وأشار إلى أن المضيق “كان مفتوحا ولم تكن هناك أي مشكلة”، لكنه ربط النقاش حوله بما وصفه بشدة العمليات التي استهدفت إيران، قائلا إن “العدو تجاوز كل الخطوط الحمراء”، وإن الشارع الإيراني بات يطالب -وفق تعبيره- بأن تمارس القوات المسلحة “رقابة أكبر على مضيق هرمز”.
وأضاف مرادي أن إغلاق المضيق “أمر بيد إيران ويمكن فعله بسهولة”، معتبرا أنه “ممر مائي يقع تحت سيطرة إيران، وإيران تملك عليه إشرافا كافيا من كل الجهات”.
وذكر النائب الإيراني أنه زار مضيق هرمز وعددا من الجزر، بينها هرمز ولارك وهنغام وقشم، وقال إنه رأى هناك “قوة وصلابة القوات المسلحة ودافعها العالي”، إضافة إلى حضور السكان في الجزر إلى جانب القوات المسلحة.
وتابع مرادي أن المضيق “لن يعود إلى وضعه السابق”، مستندا في ذلك إلى ما وصفه بأنه موقف شعبي ورسمي يدعو إلى رقابة أكبر عليه. لكنه أضاف أن إيران “من أهل التفاوض”، معربا عن توقعه أن يواكب المجتمع الدولي ودول الجوار -وفق تعبيره- التطورات التي شهدتها المنطقة.
سوق في ظل الأزمة
على الأرض، لا يتحدث الباعة بلغة المضائق والمعادلات العسكرية، بل بلغة الدخل اليومي والدواء والطعام وحركة الزبائن. فبالنسبة لبائع السمك، تبدأ المشكلة من خوف الصيادين من دخول البحر. وبالنسبة لمصلح السيارات، تظهر الحرب في أسعار تقفز كل صباح. أما بائعة الخبز، فترى الأزمة في عجزها عن شراء دواء لابنتها.
وبين خطاب رسمي يتحدث عن مضيق هرمز بوصفه ورقة إستراتيجية، وسوق شعبي يبحث عن زبون قادر على الشراء، تبدو بندر عباس مدينة معلقة بين ثقل الجغرافيا وضغط المعيشة. فلا الحرب وصلت إلى كل شارع بصورتها العسكرية المباشرة، ولا بقيت بعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية لمن يعيشون من البحر والسوق والعمل اليومي.



