عقبات خفية أمام التجارة مع طهران: لماذا لا تزال البنوك العالمية تخشى التعامل مع إيران؟
يشير تقرير بلومبرغ إلى أن تعقيد منظومة العقوبات الأمريكية، إلى جانب المخاوف القانونية لدى الشركات الدولية، قد يحول دون تحول هذه المهلة القصيرة إلى انتعاش فعلي في التجارة مع إيران.
ميدل ايست نيوز: أثار التعليق المؤقت لجزء من العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران لمدة 60 يوماً آمالاً بإمكانية حدوث انفراج اقتصادي، إلا أن تقريراً لوكالة بلومبرغ أظهر أن البنوك والشركات الدولية الكبرى لا تزال مترددة في العودة إلى السوق الإيرانية بسهولة.
ويعد تعليق بعض العقوبات الأمريكية المرتبطة بصادرات النفط الإيرانية أحد أولى نتائج مذكرة التفاهم التي وُقعت عقب انتهاء الحرب الأخيرة بين طهران وواشنطن. وبموجب هذه المذكرة، علّقت الولايات المتحدة جزءاً من العقوبات لمدة 60 يوماً لإتاحة المجال أمام إجراء مفاوضات بشأن اتفاق أكثر شمولاً.
نظرياً، قد يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها تمهد لاستئناف التجارة وزيادة صادرات النفط الإيرانية، إلا أن الواقع يبدو أكثر تعقيداً. إذ يشير تقرير بلومبرغ إلى أن تعقيد منظومة العقوبات الأمريكية، إلى جانب المخاوف القانونية لدى الشركات الدولية، قد يحول دون تحول هذه المهلة القصيرة إلى انتعاش فعلي في التجارة مع إيران.
إرث معقد من العقوبات
تراكمت العقوبات الأمريكية على إيران خلال العقدين الماضيين عبر عشرات الأوامر التنفيذية والقوانين الصادرة عن الكونغرس والتعليمات التنظيمية لوزارة الخزانة، ما يعني أن تعليق جزء منها لا يزيل جميع القيود القائمة.
ويؤكد التقرير أن كثيراً من البنوك والشركات العالمية لن تبادر إلى استئناف التعاون مع إيران إلا بعد التأكد من وضوح الأطر القانونية واستقرار القرار الأمريكي، وإلا فإن العديد من المؤسسات المالية ستفضل مواصلة الابتعاد عن السوق الإيرانية رغم التعليق المؤقت لبعض العقوبات.
وقال آدم سميث، المسؤول السابق في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، إن الشركات لن تدخل في أي تعاملات ما لم تكن واثقة من امتثالها الكامل لجميع اللوائح، مشيراً إلى أن العثور على بنوك مستعدة لمعالجة المدفوعات المرتبطة بإيران سيظل أحد أكبر التحديات.
تجربة الاتفاق النووي لا تزال حاضرة
ولا يرتبط حذر البنوك والشركات الأجنبية بالوضع الحالي فقط، إذ أظهرت تجربة الاتفاق النووي السابق أن عدداً كبيراً من المؤسسات المالية الكبرى امتنع عن توسيع تعاونه مع إيران حتى بعد رفع جزء من العقوبات.
ويعود ذلك إلى الغرامات الضخمة التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية في السابق على بنوك أوروبية كبرى بسبب مخالفة العقوبات المفروضة على إيران، وهو ما دفع كثيراً من المؤسسات المالية إلى تجنب المخاطرة بالتعامل مع السوق الإيرانية، فيما يصف الخبراء هذه الظاهرة بـ”الحذر المفرط”.
ويرى مختصون أن مشكلة التجارة مع إيران لا ترتبط فقط بوجود العقوبات أو غيابها، وإنما أيضاً بمدى ثقة الشركات في استقرار السياسات والقرارات الأمريكية على المدى الطويل.
لماذا لا تكفي مهلة الستين يوماً؟
وأشار تقرير بلومبرغ أيضاً إلى أن قصر مدة تعليق العقوبات يمثل عقبة إضافية، إذ إن إبرام العقود في قطاع الطاقة، وتأمين التمويل، والتغطية التأمينية للشحنات، والنقل البحري، وتحويل الأموال، كلها عمليات تستغرق عادة عدة أشهر.
ولهذا قد تفضل شركات دولية كثيرة الانتظار حتى تتضح نتائج المفاوضات ومستقبل العقوبات قبل الدخول في عقود جديدة، لأن الاستثمار في سوق لا يضمن سوى 60 يوماً من إمكانية العمل فيه يُعد قراراً عالي المخاطر بالنسبة لشركات الطاقة الكبرى والبنوك الدولية.
وأضاف التقرير أن الشركات تطالب بتوجيهات أكثر وضوحاً من وزارة الخزانة الأمريكية، نظراً إلى أن بعض القوانين، ومنها قانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني، قد تؤثر في تنفيذ أي اتفاق مستقبلي، كما أن معارضة الكونغرس قد تزيد من الغموض بشأن مستقبل تعليق العقوبات.
العقدة الأساسية… البنوك أم النفط؟
ورغم أن تعليق العقوبات النفطية يحمل أهمية سياسية، فإن عدداً من الخبراء يرى أن العقبة الحقيقية أمام التجارة الإيرانية تكمن في النظام المصرفي وآليات تحويل الأموال.
فزيادة صادرات النفط لن تحقق فوائد اقتصادية كبيرة إذا تعذر تحصيل عائداتها بسهولة، أو إذا استمرت القيود على تعاملات .البنوك الدولية، أو غابت خدمات التأمين والتمويل والوصول إلى النظام المالي العالمي.
ولهذا يرى كثير من الفاعلين الاقتصاديين أن التعليق المؤقت للعقوبات النفطية لن يحقق أثراً اقتصادياً واسعاً ما لم يترافق مع تسهيل عمل البنوك والمؤسسات المالية الدولية.
الأسواق تترقب نتائج المفاوضات
وفي ظل هذه المعطيات، يُنظر إلى تعليق العقوبات لمدة 60 يوماً باعتباره إشارة سياسية أكثر من كونه إنجازاً اقتصادياً فورياً، إذ يعكس رغبة طهران وواشنطن في إبقاء باب المفاوضات مفتوحاً.
إلا أن تجارب السنوات الماضية تشير إلى أن المستثمرين والشركات الكبرى يفضلون انتظار اتفاق مستقر وقابل للتنبؤ بدلاً من التعويل على إجراءات مؤقتة، ولذلك فإن نجاح أو فشل تعليق العقوبات لن يتحدد بنص القرار الأمريكي، بل بنتائج المفاوضات المرتقبة بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني والعقوبات.
وبناءً على ذلك، ورغم أن تعليق العقوبات لمدة 60 يوماً قد يُعد مؤشراً سياسياً على تراجع التوتر بين طهران وواشنطن، فإن الحديث عن بداية مرحلة جديدة في الاقتصاد والتجارة الإيرانية لا يزال سابقاً لأوانه، إذ ستبقى الأسواق العالمية تتعامل بحذر مع إيران إلى حين إزالة الغموض القانوني وتعزيز الثقة باستقرار القرارات الأمريكية.



