الصحافة الإيرانية: هل دخل الشرق الأوسط حقبة أمنية جديدة بعد الحرب الأخيرة؟

تعمل إيران على ترسيخ عمقها الاستراتيجي، ومواصلة تطوير عقيدة الحرب غير المتكافئة، مع استثمار مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار لتخفيف آثار العقوبات وتعزيز الاقتصاد الداخلي وتدعيم قاعدة التأييد الشعبي.

ميدل ايست نيوز: شكّلت المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل والجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال الأشهر الأولى من عام 2026 نقطة تحول تجاوزت كونها أزمة عابرة، لتصبح محفزاً لإعادة تشكيل البنية الجيوسياسية في الشرق الأوسط. ولا يعني انحسار المواجهات المباشرة عودة المنطقة إلى أنماط توازن القوى التقليدية أو دخولها مرحلة من الاستقرار الدائم، بل يشير إلى انتقالها نحو معادلة أمنية جديدة أكثر ديناميكية وتعقيداً، يمكن رصد ملامحها عبر أربعة تحولات رئيسية.

إعادة تشكيل النظام الإقليمي… تجاوز الردع التقليدي

يقول محمد مهدي مظاهري، الأستاذ الجامعي، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، لم يعد النظام الإقليمي في مرحلة ما بعد حرب رمضان قائماً على قواعد الردع الكلاسيكية التي حكمت المنطقة لسنوات، إذ أُعيد رسم الخطوط الحمراء التي كانت تحدد طبيعة التوازنات الإقليمية. ولم يعد السلام المستقر السمة الأساسية للمشهد، بل برزت معادلة جديدة تقوم على “توازن مسلح هش”.

وفي هذا السياق، واجهت محاولات المحور الغربي – العربي لدمج منظومات الدفاع الصاروخي وشبكات الرادار لدى حلفائه تحديات بنيوية، بعدما أظهرت تقييمات ما بعد الحرب أن هذه المنظومات لم تتمكن من تحقيق ردع كامل أمام التكتيكات العسكرية المركبة التي اعتمدتها إيران.

في المقابل، أدى تركيز إيران على تطوير عقيدة الحرب غير المتكافئة، واعتماد استراتيجية “الهجمات الإغراقية”، واستخدام مقذوفات عالية السرعة وقابلة للمناورة، إلى استنزاف منظومات الدفاع الإقليمية مرتفعة الكلفة ورفع هامش الخطأ في أدائها العملياتي. كما أن وصول عدد من هذه المقذوفات إلى أهداف استراتيجية كشف أن المظلة الدفاعية الإقليمية أكثر قابلية للاختراق مما كان يُعتقد.

وأدى ذلك إلى إضعاف الرهان على التحالفات العسكرية التقليدية مع القوى الغربية، ودفع عدداً من العواصم العربية إلى تبني مقاربة أكثر حذراً تقوم على الدبلوماسية الوقائية وتحقيق توازن في علاقاتها مع طهران.

ومن جهة أخرى، فإن نجاح إيران في الرد على الهجمات التي تعرضت لها يجعل من الصعب على الدول العربية تجاهل فاعلية استراتيجيتها القائمة على الحرب غير المتكافئة، وهو ما قد يدفع بعضها إلى تطوير قدرات عسكرية مشابهة. ويضع ذلك المنطقة أمام حالة تأهب دائم وسباق تسلح جديد، بما يجعل الاستقرار طويل الأمد أكثر صعوبة، ويفرض الحاجة إلى قنوات دبلوماسية دائمة لإدارة الأزمات ومنع تحولها إلى مواجهات مفتوحة.

إعادة تعريف المكانة الاستراتيجية لإيران

خلافاً لما افترضه مخططو الحرب الأخيرة، لم يؤد الهجوم العسكري الأمريكي الإسرائيلي إلى عزل إيران جيوسياسياً أو تفكيك شبكة نفوذها الإقليمي، بل أظهر قدرة منظوماتها الدفاعية ومستوى صمودها الاستراتيجي.

وبناءً على ذلك، تبدو مكانة إيران الإقليمية مرشحة للتعزز على المدى المتوسط، بعدما أسهم نجاحها في تثبيت معادلة الردع غير المتكافئ ميدانياً في تقليص فرص المضي في سيناريوهات تغيير النظام أو فرض عزلة شاملة عليها.

ومع ذلك، فإن تعاظم الوجود العسكري الإسرائيلي على حدودها الجنوبية، إلى جانب الكلفة الاقتصادية المرتفعة لحالة الاستنزاف، يضعان هذا الإنجاز العسكري أمام تحديات دبلوماسية مستمرة، ويجعلان إيران في موقع قوة إقليمية متقدمة، لكنها محاطة ببيئة أمنية أكثر تعقيداً.

تحولات العلاقات بين طهران وواشنطن… نحو قواعد اشتباك جديدة

دخلت العلاقات الإيرانية الأمريكية، عقب اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، مرحلة تتجاوز إدارة الأزمات التقليدية إلى إعادة صياغة قواعد التعامل بين الطرفين.

ورغم أن الاتفاق لا يعني إنهاء الخلافات السياسية أو الأيديولوجية المتراكمة، فإنه تجاوز كونه مجرد آلية طارئة لخفض التصعيد، ليؤسس، في المرحلة الراهنة، لنمط جديد من الالتزامات المتبادلة، يقوم على توازن مستدام وإن كان قائماً على الاستنزاف المتبادل.

وفي هذا الإطار، وجدت واشنطن نفسها مضطرة إلى الإقرار بجزء من القدرات الردعية الإيرانية، في ظل الكلفة الباهظة لاستمرار الحرب وانعكاساتها على أسواق الطاقة العالمية، بينما ركزت طهران على توظيف هذه المرحلة لتثبيت مكاسبها الميدانية والعمل على تخفيف الضغوط الناتجة عن العقوبات.

ووفق هذه المعادلة الجديدة، تتجه السياسة الأمريكية إلى الانتقال من استراتيجية المواجهة الشاملة والسعي إلى الاحتواء الكامل لإيران، إلى سياسة تقوم على الاحتواء الذكي وإعادة ترتيب التحالفات الأمنية الإقليمية بهدف ضبط النفوذ الإيراني ضمن حدود محددة.

في المقابل، تعمل إيران على ترسيخ عمقها الاستراتيجي، ومواصلة تطوير عقيدة الحرب غير المتكافئة، مع استثمار مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار لتخفيف آثار العقوبات وتعزيز الاقتصاد الداخلي وتدعيم قاعدة التأييد الشعبي.

تحولات النظام الدولي… نحو عالم أقل تمركزاً حول الولايات المتحدة

على المستوى الدولي، عمّقت المواجهة بين إيران والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مظاهر التصدع في بنية النظام العالمي، وسرّعت وتيرة الانتقال نحو نظام دولي أكثر تعددية.

ويُنظر إلى إخفاق واشنطن في تحقيق أهدافها المتمثلة في إسقاط البنية السياسية الإيرانية، أو تدمير قدراتها الدفاعية بصورة كاملة، أو فرض استسلام غير مشروط، باعتباره مؤشراً على تراجع القدرة الهيمنية الأمريكية، التي تقوم في جوهرها على فرض الإرادة السياسية وصياغة النظام الدولي وفق مصالحها.

في المقابل، عزز نجاح إيران في مقاومة هذه الضغوط، وفرض كلفة استراتيجية مرتفعة على الولايات المتحدة، الاتجاه نحو إعادة تشكيل النظام الدولي على أسس أكثر تعددية وأقل خضوعاً لهيمنة قوة واحدة.

كما أظهرت مواقف الصين وروسيا خلال الحرب أن غرب آسيا بات يمثل بالنسبة لهما ساحة رئيسية لمواجهة الأحادية الأمريكية وإعادة رسم موازين القوة العالمية.

في المجمل، تشير التطورات الراهنة إلى أن غرب آسيا دخل مرحلة تتسم بارتفاع مستوى عدم اليقين البنيوي. فوقف العمليات العسكرية والتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لا يعنيان بالضرورة بداية مرحلة مستقرة، بل يمثلان بداية منافسة متعددة المستويات لإعادة رسم قواعد اللعبة الإقليمية.

وفي ظل هذه البيئة الجديدة، يرتبط ترسيخ مكانة إيران وأمنها بالحفاظ على رصيد التماسك المجتمعي الذي تشكل خلال الحرب، وتجنب تعميق الانقسامات السياسية الداخلية، وتعزيز قدرة المؤسسات المعنية على تحقيق التكامل بين أدوات القوة العسكرية وأدوات الدبلوماسية، بما ينسجم مع التحولات المتسارعة في البيئة الإقليمية والدولية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة عشر − 13 =

زر الذهاب إلى الأعلى