كيف تنازلت إيران عن سوق الألمنيوم الإقليمي لصالح الدول العربية؟
تواجه صناعة الألمنيوم في إيران مفترق طرق: ارتفاع الإنتاج وتطور البنية التحتية، مقابل اختلال الطاقة والسياسات النقدية وضعف الصناعات التحويلية وعدم استقرار القرار.

ميدل ايست نيوز: نافست إيران قبل أكثر من نصف قرن لتكون أول دولة منتجة للألمنيوم الأولي في الشرق الأوسط، لكنها اليوم خرجت من قائمة أكبر 10 منتجين في العالم، فيما تُصدّر جزءًا كبيرًا من إنتاجها على شكل سبائك خام. في المقابل، تحولت دول الخليج إلى أحد أبرز مراكز إنتاج الألمنيوم عالميًا، مستندة إلى الطاقة المستقرة والاستثمارات وتطوير سلسلة القيمة، وهو مسار يطرح تساؤلًا مهمًا أمام صناعة الألمنيوم الإيرانية: إلى أي مدى يمكن لزيادة الطاقة الإنتاجية دون تطوير الصناعات التحويلية أن تسهم في النمو الاقتصادي وزيادة العائدات بالعملة الأجنبية؟
يقول الموقع المتخصص في الشؤون الاقتصادية الإيرانية، إكوإيران، إن فكرة إنشاء صناعة الألمنيوم في إيران تعود إلى منتصف ستينيات القرن الماضي، حين قررت الحكومة آنذاك تطوير سلسلة الصناعات المعدنية في البلاد. وفي هذا السياق، بدأ تشغيل أول مصنع للألمنيوم في إيران عام 1972، لتصبح إيران أول منتج للألمنيوم الأولي في الشرق الأوسط.
وهو موقع كان من الممكن الحفاظ عليه في حال استمرار الاستثمار وتطوير سلسلة القيمة، لكنه لم يعد اليوم بيد إيران. حاليًا تنتج خمس دول عربية نحو 8 إلى 9% من الألمنيوم العالمي، فيما خرجت إيران من قائمة أكبر 10 منتجين في العالم.
ولم يكن تراجع إيران أمام المنافسين الإقليميين نتيجة زيادة إنتاجهم فقط، بل بسبب مجموعة عوامل تشمل توفر الطاقة المستقرة، وجذب الاستثمارات، والحضور القوي في الأسواق العالمية، وتطوير سلسلة القيمة، وهو ما جعل الدول العربية مراكز جديدة لصناعة الألمنيوم.
ورغم ذلك، شهدت صناعة الألمنيوم الإيرانية خلال السنوات الأخيرة نموًا ملحوظًا في الطاقة الإنتاجية، إذ تمتلك إيران حاليًا قدرة إنتاج تتجاوز 700 ألف طن من سبائك الألمنيوم سنويًا، لكن هذه الزيادة لم تتحول إلى نمو متناسب في القيمة المضافة أو صادرات المنتجات النهائية، حيث لا يزال جزء كبير من الإنتاج يُصدَّر على شكل سبائك خام، وهو ما يربطه العاملون في القطاع بضعف تنافسية الصناعات التحويلية واختلالات الطاقة والسياسات النقدية.
ويرى هوشنك كودرزي، رئيس نقابة صناعة الألمنيوم في إيران، أنه رغم أن تصدير السبائك أمر لا مفر منه في حال وجود فائض إنتاج، فإن هيكل السوق الحالي لا يسمح للصناعات التحويلية بالاستفادة من هذه القدرة لإنتاج قيمة مضافة أعلى.
ويعتقد العاملون في القطاع أن جذور المشكلة تعود إلى عدة عوائق هيكلية، أبرزها اختلالات الطاقة. فإنتاج الألمنيوم يُعد من أكثر الصناعات استهلاكًا للطاقة في العالم، وتُعتبر الكهرباء أهم مدخلاته. وأي قيود على الكهرباء أو الغاز أو حتى المياه تؤثر مباشرة على الإنتاج، لأن خطوط إنتاج الألمنيوم يجب أن تعمل بشكل مستمر، وأي توقف يؤدي إلى خسائر كبيرة وتكاليف إضافية.
وفي السنوات الأخيرة، أدت قيود الكهرباء خلال فصل الصيف ونقص الغاز في الشتاء إلى انخفاض الإنتاج الفعلي للمصانع عن طاقتها الاسمية، ما جعل جزءًا من الاستثمارات في هذا القطاع غير مستغل.
ومن جهة أخرى، يرى العديد من الفاعلين في الصناعة أن ضعف الصناعات التحويلية لا يرتبط بالطاقة فقط، بل أيضًا بفارق الأسعار بين السوق المحلية والأسواق التصديرية، إضافة إلى السياسات النقدية، ما أدى إلى فقدان العديد من وحدات الإنتاج لقدرتها التنافسية عالميًا. ونتيجة لذلك، يُصدَّر جزء من الألمنيوم الخام بدل تحويله إلى منتجات ذات قيمة أعلى مثل المقاطع والفويل والقطع الصناعية، رغم أن تطوير هذه الصناعات كان من شأنه زيادة العائدات وفرص العمل.
وفي هذا السياق، بدأت بعض الشركات الكبرى ببناء محطات كهرباء خاصة أو الاعتماد على الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على الشبكة العامة، لكن هذا الحل لا يزال محدودًا ولم يتحول إلى سياسة شاملة. ويؤكد خبراء القطاع أنه ما لم يتم تأمين طاقة مستقرة لكامل سلسلة الإنتاج، فإن الاستثمارات الجزئية لن تحل مشكلة التنافسية.
وتجد صناعة الألمنيوم في إيران نفسها اليوم أمام مفترق طرق. فمن جهة ارتفعت الطاقة الإنتاجية وتطورت البنية التحتية خلال السنوات الأخيرة، ومن جهة أخرى لا تزال اختلالات الطاقة والسياسات النقدية وضعف الصناعات التحويلية وعدم استقرار القرار الاقتصادي تعيق تحويل هذه القدرات إلى قيمة مضافة حقيقية. وتشير تجربة دول الخليج إلى أن المنافسة العالمية لم تعد تعتمد فقط على زيادة الإنتاج، بل على تطوير سلسلة القيمة وتأمين الطاقة المستدامة وتصدير المنتجات النهائية. وإذا لم تتجه السياسات نحو تعزيز الصناعات التحويلية ومعالجة اختلالات الطاقة وتشجيع الإنتاج ذي القيمة المضافة الأعلى، فإن إيران ستستمر في التخلي عن جزء من ميزتها التاريخية عبر تصدير السبائك، بدل تحويلها إلى مصدر أكبر للعملة الصعبة وفرص العمل والمكانة الصناعية المتقدمة.



