ما الذي يجعل سيريك هدفاً متكرراً في المواجهة الأمريكية الإيرانية؟
يمكن الاستنتاج أن الولايات المتحدة تعتبر سيريك جزءاً من شبكة المراقبة والدعم البحري الإيرانية المنتشرة على المدخل الشرقي لمضيق هرمز.
ميدل ايست نيوز: تكرر اسم سيريك خلال الأسابيع الأخيرة مقترناً بمفردات مثل الهجوم والانفجار والقصف، ما أثار تساؤلاً طبيعياً حول أهمية هذه المنطقة التي تعرضت مواقع مختلفة فيها للاستهداف الأميركي مراراً. فهل نتحدث عن ميناء نفطي ضخم، أو محطة رئيسية للحاويات، أو قاعدة عسكرية فائقة الأهمية؟
وتتمثل الإجابة المختصرة في أن أهمية سيريك لا تكمن في حجم عمليات الشحن والتفريغ التي يشهدها ميناؤها، بل في موقعها على خريطة الأمن البحري لمضيق هرمز. ففي جغرافيا الممرات البحرية الاستراتيجية، قد تكون نقطة ساحلية محدودة الحركة أكثر أهمية من ميناء يستقبل ملايين الأطنان، لأن العامل الحاسم لا يتمثل في حجم البضائع، وإنما في القدرة على مراقبة حركة الملاحة أو التحكم بها أو تهديدها.
ويجب أولاً تصحيح مفهوم شائع، إذ إن سيريك ليست جزيرة، بل مدينة ساحلية تقع شرق محافظة هرمزغان وعلى الساحل الشمالي لبحر عُمان، إلى الشرق من مدخل مضيق هرمز. وإلى جانب ميناء سيريك متعدد الأغراض، تضم هذه المنطقة مواقع أخرى مثل طاهرويي وكوهستك وكربان.
ولذلك، عندما تتحدث الأخبار عن “استهداف ميناء سيريك”، فإن المقصود لا يكون بالضرورة رصيفاً معيناً، بل قد يشير هذا الوصف إلى مجموعة من أبراج الاتصالات والمنشآت الساحلية والأرصفة التجارية ومرافئ الصيد ومواقع متفرقة داخل قضاء سيريك. ويعود جزء من الانطباع السائد بشأن “القصف المتكرر للميناء” إلى هذا التبسيط الإعلامي.
تقع سيريك على بعد نحو 165 كيلومتراً شرق بندر عباس، وتشير التقارير الرسمية الإيرانية إلى أنها أقرب ميناء إيراني إلى منطقة خصب العُمانية، إذ تفصل بينهما مسافة تقدر بنحو 52 ميلاً بحرياً.
ولفهم أسباب استهدافها، ينبغي الانتقال من خريطة الاقتصاد البحري إلى خريطة العمليات العسكرية. فسيريك لا تقع في أضيق نقطة من مضيق هرمز، لكنها تشرف على الممرات الشرقية المؤدية إليه، وهي المنطقة التي تقترب منها السفن بعد عبورها بحر عُمان أو تتجه عبرها نحو المحيط الهندي بعد مغادرة المضيق. ومن ثم فإن أي منظومة مراقبة ساحلية أو اتصالات تتمركز في هذه المنطقة يمكن أن تؤدي دوراً في رصد السفن، واستكمال صورة حركة الملاحة البحرية، ونقل المعلومات إلى مراكز القيادة.
وفي العمليات البحرية، لا يمثل الصاروخ أو الطائرة المسيّرة سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة العمليات. إذ تبدأ العملية باكتشاف الهدف وتحديد هويته، ثم نقل المعلومات عبر شبكات الاتصالات إلى مركز اتخاذ القرار، وبعد ذلك تُزوَّد منظومات الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو القطع البحرية أو غيرها من الوسائط القتالية بالبيانات اللازمة لتنفيذ المهمة. وتعرف هذه المنظومة في الأدبيات العسكرية باسم “سلسلة الاكتشاف حتى الاشتباك”. وإذا تعطلت حلقات المراقبة أو الاتصالات أو القيادة، فإن القدرة على استخدام السلاح بفاعلية تتراجع، حتى وإن بقي السلاح نفسه سليماً.
وتنسجم قائمة الأهداف التي أعلنتها القيادة المركزية الأمريكية مع هذا المنطق. فقد أعلنت القيادة المركزية، في بيان صدر في 27 يونيو، أنها استهدفت بنى تحتية للمراقبة العسكرية، ومنظومات الاتصالات، والدفاعات الجوية، ومراكز تخزين الطائرات المسيّرة، وقدرات زرع الألغام الإيرانية. كما أعلنت، في موجة الهجمات التي وقعت في 7 يوليو، استهداف أكثر من 80 هدفاً، شملت شبكات القيادة والسيطرة، والرادارات الساحلية، والقدرات الصاروخية المضادة للسفن، وأكثر من 60 زورقاً تابعاً للحرس الثوري الإيراني. وأكدت واشنطن أن الهدف من هذه العمليات يتمثل في “تقليص قدرة إيران على تهديد التجارة الدولية في مضيق هرمز”.
وفي الوقت نفسه، أفادت وسائل إعلام إيرانية بسقوط مقذوفات قرب رصيف طاهرويي وأبراج الاتصالات، ثم استهداف الأرصفة التجارية ومرافئ الصيد في سيريك. كما ذكرت وكالة رويترز أن عدة أشخاص أصيبوا بشظايا في الرصيف التجاري لسيريك خلال هجمات يومي 7 و8 يوليو، إضافة إلى تضرر مرافئ الصيد وعدد من القوارب.
وفي وقت لاحق، أعلنت مصادر رسمية إيرانية مقتل ثلاثة صيادين وإصابة 15 آخرين في الهجوم الذي استهدف الرصيف التجاري ومرفأ الصيد في سيريك.
ومن خلال جمع هذه المعطيات، يمكن الاستنتاج أن الولايات المتحدة تعتبر سيريك جزءاً من شبكة المراقبة والدعم البحري الإيرانية المنتشرة على المدخل الشرقي لمضيق هرمز. ومع ذلك، يبقى هذا استنتاجاً مبنياً على نمط الهجمات، ولا ينبغي اعتباره دليلاً قاطعاً على طبيعة جميع المواقع التي تعرضت للاستهداف. كما أن القيادة المركزية الأمريكية لم تنشر بصورة علنية إحداثيات الأهداف في سيريك أو طبيعتها أو الأدلة الاستخباراتية المتعلقة بها، ولذلك لا يمكن الاستنتاج، استناداً إلى بياناتها العامة فقط، أن كل رصيف أو برج اتصالات أو زورق تعرض لأضرار في سيريك كان يستخدم بالضرورة لأغراض عسكرية.



