إعلان إيران استهداف “التنف” والنفي السوري يثيران تساؤلات حول الرسائل السياسية والعسكرية
يرى باحثون أن أهمية التطور لا تكمن في إثبات وقوع الهجوم من عدمه، بقدر ما ترتبط بالرسائل السياسية التي سعت طهران إلى توجيهها، في ظل التحولات التي تشهدها علاقاتها مع دمشق وإعادة تموضع سورية إقليمياً.

ميدل ايست نيوز: أثار إعلان الحرس الثوري الإيراني، أول من أمس الجمعة، تنفيذ هجوم استهدف ما وصفه بـ”مركز قيادة للعمليات الخاصة” التابع للجيش الأميركي في منطقة التنف جنوب شرقي سورية، مقابل النفي السوري الرسمي لأي استهداف أو وجود قوات أميركية داخل القاعدة، تساؤلات بشأن الدلالات السياسية والعسكرية لهذا الإعلان، لا سيما أنه جاء بعد يوم واحد من إعلان دمشق إحباط شحنة أسلحة وصواريخ كانت في طريقها إلى حزب الله اللبناني عبر الأراضي السورية.
ويرى باحثون أن أهمية التطور لا تكمن في إثبات وقوع الهجوم من عدمه، بقدر ما ترتبط بالرسائل السياسية التي سعت طهران إلى توجيهها، في ظل التحولات التي تشهدها علاقاتها مع دمشق وإعادة تموضع سورية إقليمياً.
ويشي المشهد الحالي بأن الجدل الدائر حول إعلان الحرس الثوري الإيراني لا ينحصر في التحقق من وقوع هجوم على قاعدة التنف، بقدر ما يعكس مرحلة جديدة من التوتر السياسي بين طهران ودمشق، في ظل تبدل موازين القوى الإقليمية، ومحاولة إيران توجيه رسائل ردع تتصل بملفي النفوذ في لبنان وإعادة تموضع سورية خارج محور النفوذ الإيراني، بينما تتمسك دمشق بروايتها الرسمية التي تنفي وقوع أي استهداف أو وجود عسكري أميركي داخل القاعدة.
“التنف” رسالة سياسية
ويرى الباحث في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن توقيت الإعلان الإيراني لا يرتبط فقط بإحباط شحنة الأسلحة، وإنما أيضاً بما يتردد حول الدور الذي قد تضطلع به سورية في لبنان خلال المرحلة المقبلة. ويوضح أن هذا الدور “لن يكون بالضرورة دوراً عسكرياً تقليدياً، لكنه يرتبط بالمساهمة في تفكيك سلاح حزب الله وإنهاء منظومات ما دون الدولة في لبنان، بما يعني عملياً إنهاء النفوذ الإيراني هناك كما انتهى في سورية”.
ويضيف علوان أن هذا المعطى دفع طهران إلى توجيه رسالة سياسية مباشرة إلى دمشق، قائلاً: “لا يمكن القول إن الاستهداف وقع بمجرد الادعاء الإيراني، لكن الرسالة السياسية واضحة تماماً، وهي إعلان من طهران عن أنها قد تتحرك ضد سورية إذا أقدمت على التدخل خارج حدودها، وخصوصاً في الملف اللبناني”. ويشير الباحث إلى أن إيران لم تستوعب بعد، أو ربما لا تزال تحاول تجاوز، حقيقة خروجها الفعلي من سورية، ولذلك تسعى إلى المناورة سياسياً، إلا أن خسارة نفوذها في لبنان ستكون، وفق تقديره، “ضربة قاسية لمصالحها في المنطقة”.
وبحسب علوان، فإن الإعلان الإيراني يرتبط بصورة مباشرة بملف حزب الله وسلاحه، موضحاً أن الحديث المتزايد عن سحب سلاح الحزب وتفكيكه ضمن دور سوري يقوم على إقناع الحزب بذلك “يشكّل سيناريو مقلقاً للمصالح الإيرانية على المستوى الإقليمي”. ويؤكد أن هذا التطور يأتي أيضاً في سياق القطيعة الكاملة بين دمشق وطهران، بعد التحول السياسي الذي شهدته سورية وانتقالها إلى تموضع إقليمي مختلف، مضيفاً أن دمشق أصبحت اليوم أقرب إلى الشراكة مع الدول الغربية التي تعمل على الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة.
ويشدد الباحث في مركز “جسور للدراسات” على أن النقاش حول وجود أدلة ميدانية على وقوع الهجوم يبقى أقل أهمية من فهم أبعاد الإعلان الإيراني نفسه، معتبراً أنه “سواء وقع القصف أم لم يقع، فإن الإعلان بحد ذاته هو الهدف”. ويتابع: “حتى لو لم يحدث أي استهداف، فإن الرسالة السياسية واضحة، وتحاول إيران من خلالها تهديد سورية أولاً، ثم تهديد الولايات المتحدة وحلفائها، والإيحاء بأنها مستعدة للانتقال إلى مرحلة استهداف مشروع الاستقرار في سورية”.
تشكيك عسكري في الرواية الإيرانية
على الصعيد العسكري، يشكك العميد الركن الدكتور عبد الله الأسعد، الخبير الأمني والاستراتيجي، في الرواية الإيرانية، مؤكداً لـ”العربي الجديد” أن “ما ورد بشأن تدمير رادارات أو مروحيات داخل قاعدة التنف غير صحيح، لأن القاعدة سُلّمت من القوات الأميركية إلى الحكومة السورية مباشرة بعد الانسحاب الأميركي، ولم تعد تضم قوات أو تجهيزات أميركية من هذا النوع”.
ويضيف الأسعد أن الجيش السوري هو الجهة التي تسيطر حالياً على القاعدة، ولذلك فإن الرواية السورية التي نفت وقوع أي استهداف تنسجم مع الواقع الميداني، معتبراً أن الإعلان الإيراني جاء في سياق تحويل الأنظار عن ملفات أخرى، وفي مقدمتها التحقيقات المتعلقة بشحنة الأسلحة والصواريخ التي ضُبطت أخيراً وكانت متجهة إلى حزب الله.
ويرى الأسعد أن طهران تسعى إلى تقديم نفسها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وإظهار أن سورية لا تزال تضم قواعد أميركية “كما تفعل في دول الخليج عندما تبرر استهدافها بحجة وجود قواعد أميركية، رغم أن الهجمات تصيب في كثير من الأحيان منشآت مدنية”.
ويلفت الخبير الأمني والاستراتيجي إلى أن قاعدة التنف تحتفظ بأهمية استراتيجية كبيرة نظراً إلى موقعها على المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني، موضحاً أنها تشكل نقطة مهمة للتأمين القتالي واللوجستي، ويمكن استخدامها مقراً للأنشطة العسكرية والأمنية والاستخبارية، إلا أن ذلك لا يجعلها هدفاً مرتبطاً مباشرة بالأمن القومي الإيراني. ويؤكد أن الربط بين الإعلان الإيراني واستهداف التنف وبين عملية ضبط شحنة الأسلحة المتجهة إلى حزب الله يبدو منطقياً، مضيفاً أن إيران لا تزال متمسكة بالحفاظ على نفوذها داخل الحزب، وتعمل على إبقائه قوة فاعلة في لبنان، وهو ما يفسّر، بحسب رأيه، محاولات الضغط الإعلامي والسياسي التي تمارسها في هذه المرحلة.
ويعتبر الأسعد أن ما تقوم به طهران يندرج ضمن “حرب دعائية” تهدف إلى الإيحاء باستمرار المواجهة مع الولايات المتحدة، وإلى تبرير أي تحركات مستقبلية داخل الأراضي السورية، مضيفاً أنّ “إيران تحاول تصوير المشهد وكأن سورية لا تزال ساحة للقواعد الأميركية، بينما الواقع تغيّر بعد الانسحاب الأميركي الكامل، كما أن السياسة السورية الحالية لن تسمح بعودة هذا النوع من النفوذ أو بتوظيف أراضيها في صراعات تخدم المصالح الإيرانية”.
وكانت وزارة الداخلية السورية أعلنت، الخميس الماضي، إحباط محاولة إدخال شحنة أسلحة وصواريخ “نوعية” عبر الحدود السورية العراقية، مؤكدة أن التحقيقات الأولية أظهرت أن الشحنة كانت معدة للعبور عبر الأراضي السورية لصالح حزب الله. وقال مصدر في وزارة الداخلية، في تصريح لوكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”، إن الوحدات المختصة تمكنت من إحباط محاولة إدخال شحنة أسلحة وصواريخ عبر الحدود السورية العراقية، مشيراً إلى أن التحقيقات الأولية أثبتت أن وجهتها النهائية كانت حزب الله في لبنان.
وأنهت القوات الأميركية وجودها العسكري في سورية بالكامل مع نهاية فبراير/شباط 2026، بعدما انسحبت من آخر قواعدها الثلاث في محافظتي الحسكة، وهي قسرك ورميلان وهيمو، وذلك بعد انسحابها، في 11 فبراير، من قاعدة التنف ومنطقة العمليات 55 التي كانت تُعد إحدى أبرز القواعد الاستراتيجية للتحالف الدولي في المثلث الحدودي بين سورية والعراق والأردن. وبذلك انتهى الوجود العسكري الأميركي الذي كان قد بلغ في منتصف عام 2024 نحو 31 قاعدة ونقطة عسكرية داخل الأراضي السورية، بعد عملية انسحاب تدريجية بدأت خلال عام 2025 واكتملت بانسحاب آخر القوات الأميركية نهاية فبراير من العام الحالي.



