الصحافة الإيرانية: دور القوى الصاعدة في إعادة صياغة قواعد النظام العالمي
إن النظام الدولي متعدد الأقطاب لن يكون نتاج المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وحدها، بل سيُبنى أيضًا بفعل الدور المتصاعد للقوى الصاعدة، التي أصبحت تمارس تأثيرًا متزايدًا في محيطها الإقليمي.
ميدل ايست نيوز: لم تعد القوى المتوسطة، مثل الهند وتركيا وأستراليا وبعض دول الخليج، أطرافًا هامشية في النظام الدولي، بل باتت تعيد رسم معادلات القوة العالمية عبر سياسات قائمة على التوازن الدبلوماسي وتعزيز استقلالية القرار الخارجي.
يقول نیما شجاعیان، الخبير في العلاقات الدولية، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، إنه خلال معظم تاريخ العلاقات الدولية، استند النظام العالمي إلى التنافس بين القوى الكبرى. ففي فترة الحرب الباردة كانت واشنطن وموسكو تحددان مسار معظم الأزمات الدولية، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي احتفظت الولايات المتحدة لسنوات طويلة بموقع القوة المهيمنة على النظام الدولي. غير أن تطورات العقد الأخير تشير إلى تحول تدريجي في هذا النموذج؛ فمع أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين لا يزال يمثل المحور الأبرز في السياسة العالمية، فإن الدور المتنامي للقوى الصاعدة في تشكيل النظام الدولي الجديد أصبح أمرًا لا يمكن تجاهله.
ولم تعد القوى المتوسطة مجرد دول تضطر إلى الاصطفاف خلف أحد المعسكرين، بل تسعى إلى توظيف قدراتها الاقتصادية وموقعها الجيوسياسي ودبلوماسيتها متعددة الأطراف لخلق مساحة مستقلة نسبيًا تضمن مصالحها الوطنية. فهي لا تطمح إلى قيادة العالم، ولا ترغب في الانخراط ضمن تحالفات جامدة ودائمة، بل تعتمد استراتيجية تقوم على المرونة وتحقيق التوازن وتنويع العلاقات الخارجية، وهو ما أصبح أحد أبرز سمات النظام الدولي الناشئ.
الهند… نحو دور عالمي
تُعد الهند أبرز مثال على التحول في مكانة القوى المتوسطة، إذ عملت خلال السنوات الأخيرة على توسيع علاقاتها بالتوازي مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والدول العربية وشرق آسيا، من دون الانخراط في سياسة الاستقطاب بين المعسكرات، وهو ما أتاح لها لعب دور مستقل في العديد من الأزمات الدولية.
وفي الوقت الذي عززت فيه نيودلهي شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة في مجالات التكنولوجيا والدفاع والأمن البحري، حافظت أيضًا على تعاونها في مجالي الطاقة والدفاع مع روسيا. كما تعكس مفاوضاتها الواسعة مع الاتحاد الأوروبي لإبرام اتفاقية تجارة حرة سعيها إلى التحول إلى حلقة وصل اقتصادية رئيسية بين الشرق والغرب.
وبذلك لم تعد الهند مجرد قوة آسيوية، بل تتجه لتصبح أحد الأعمدة الأساسية للنظام الدولي متعدد الأقطاب، مستفيدة من حجم سكانها وقدراتها الصناعية وسوقها الداخلية وإمكاناتها التكنولوجية وموقعها الجيوسياسي، بما يجعلها لاعبًا لا يمكن للقوى الكبرى تجاهله.
تركيا… السعي إلى الاستقلال الاستراتيجي
تُعد تركيا نموذجًا آخر لهذا التحول، إذ أظهرت خلال السنوات الأخيرة أنها لا ترغب في حصر سياستها الخارجية ضمن أولويات حلفائها الغربيين. فإلى جانب عضويتها في حلف شمال الأطلسي، واصلت توسيع تعاونها مع روسيا ودول آسيا الوسطى والعالم العربي وأفريقيا، في إطار مساعيها للحفاظ على هامش واسع من الاستقلال الاستراتيجي.
وفي قطاع الطاقة، تسعى أنقرة إلى ترسيخ مكانتها كممر رئيسي لنقل الطاقة بين آسيا وأوروبا، كما تعمل على تعزيز صناعاتها الدفاعية المحلية، وتوسيع صادراتها من الطائرات المسيّرة، وزيادة حضورها الاقتصادي في أفريقيا، وتعزيز نفوذها في شرق البحر المتوسط، بهدف بناء سياسة خارجية ترتكز على استقلالية القرار.
ويعكس هذا النهج تحول القوى المتوسطة من مجرد مستهلك للأمن إلى أطراف تسعى لإنتاج الأمن وتعزيز نفوذها الإقليمي.
أستراليا… دور متنامٍ في المحيطين الهندي والهادئ
ورغم أن أستراليا تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن بؤر الأزمات العالمية، فإن تصاعد التنافس الأمريكي الصيني منحها أهمية استراتيجية متزايدة، إذ باتت كانبيرا ترى نفسها في صدارة التحولات الجيوسياسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ما دفعها إلى زيادة استثماراتها في مجالات الدفاع وصناعة الغواصات والأمن السيبراني والتعاون الاستخباراتي.
ويأتي تحالف “أوكوس” في هذا السياق، إذ لا يقتصر على كونه مشروعًا عسكريًا، بل يمثل محاولة لترسيخ مكانة أستراليا كأحد أبرز الفاعلين في المنظومة الأمنية الإقليمية. وبالتوازي مع ذلك، وسعت كانبيرا حضورها الدبلوماسي في أفريقيا والمنظمات الدولية، في مؤشر على أن القوى المتوسطة لم تعد تركز فقط على أمنها الإقليمي، بل تسعى أيضًا إلى توسيع نفوذها العالمي.
تحول في سياسات بعض دول الخليج
ومن أبرز التحولات في السنوات الأخيرة ما شهدته سياسات بعض دول الخليج، التي اعتمدت لعقود على المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها بدأت تتبنى استراتيجية تقوم على تنويع شركائها الدوليين.
فقد عملت السعودية والإمارات وقطر على تطوير علاقاتها في الوقت نفسه مع الولايات المتحدة والصين والهند وأوروبا وقوى آسيوية أخرى، مستفيدة من التنافس بين القوى الكبرى لجذب الاستثمارات والتكنولوجيا وتعزيز الفرص الاقتصادية.
ويعكس هذا التحول رغبة حتى الحلفاء التقليديين لواشنطن في تقليص الاعتماد الأحادي على الولايات المتحدة، إذ أصبحت المرونة الدبلوماسية والقدرة على التعامل المتوازن مع عدة قوى من أهم مصادر النفوذ في النظام الدولي الجديد.
النظام الدولي المقبل لن تصنعه القوى الكبرى وحدها
ومن أبرز سمات النظام الدولي الناشئ أنه لم يعد حكرًا على القوى الكبرى في رسم قواعد اللعبة، إذ تواصل القوى الصاعدة تعزيز وزنها الاستراتيجي من خلال توظيف الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والموقع الجغرافي والدبلوماسية النشطة.
وخلافًا لما كان عليه الحال خلال الحرب الباردة، لم تعد هذه الدول ترى نفسها مضطرة للاختيار بين الشرق والغرب، بل تعتمد سياسات خارجية متعددة الاتجاهات، تحقق التوازن بين القوى المتنافسة، وتوسع هامش حركتها عبر المشاركة الفاعلة في المؤسسات الإقليمية والدولية.
من هذا المنطلق، فإن النظام الدولي متعدد الأقطاب لن يكون نتاج المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وحدها، بل سيُبنى أيضًا بفعل الدور المتصاعد للقوى الصاعدة، التي أصبحت تمارس تأثيرًا متزايدًا في محيطها الإقليمي.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن مركز الثقل في السياسة العالمية لم يعد محصورًا بعواصم القوى الكبرى، بل إن دولًا مثل إيران والهند وتركيا وأستراليا وبعض دول الخليج تعمل، كلٌ وفق نهجه الخاص، على تعزيز استقلالها الاستراتيجي وتوسيع نفوذها الدولي.
ولا تسعى هذه الدول إلى تقويض النظام العالمي، بقدر ما تعمل على إعادة صياغة قواعده بما يوفر مساحة أوسع لحماية مصالحها الوطنية. ولذلك، فإن فهم النظام الدولي الجديد لم يعد ممكنًا من خلال تحليل العلاقات بين واشنطن وبكين وموسكو فقط، بل يتطلب أيضًا إدراك الدور المتنامي للقوى الصاعدة التي أصبحت، عبر سياسات التوازن والمرونة والاستقلالية في اتخاذ القرار، من أبرز الفاعلين في عالم القرن الحادي والعشرين متعدد الأقطاب.



