الصحافة الإيرانية: كيف يغير «ثالوث العقوبات والحصار والحرب» مستقبل الاقتصاد الإيراني؟
إذا استمر هذا المسار، فإن الاقتصاد الإيراني سيدخل مرحلة مختلفة من الضغوط الخارجية، تصبح فيها العقوبات والحصار البحري والمواجهات العسكرية ثلاثة أضلاع لاستراتيجية واحدة.

ميدل ايست نيوز: لم تصمد مذكرة التفاهم السياسي بين إيران والولايات المتحدة أكثر من أسبوعين، رغم أنها كانت من الممكن أن تمهد، على الأقل على المدى القصير، لتخفيف التوتر ووقف المواجهات العسكرية والعودة التدريجية إلى المسار الدبلوماسي.
يقول محلل الشؤون الاقتصادية، علي رضا سلطاني، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد: دخل هذا التفاهم عمليًا مرحلة التعليق نتيجة غياب التوافق السياسي الداخلي، وعدم وجود استراتيجية أمنية ودبلوماسية متماسكة للاستفادة من هذه الفرصة بما يخدم المصالح الوطنية، إضافة إلى استمرار انعدام الثقة العميق بين الطرفين. وأدى ذلك إلى عودة طهران وواشنطن تدريجيًا إلى نمط الصراع السابق، إلا أن هذا النمط لم يعد يقتصر على العقوبات الاقتصادية، بل أصبح يجمع بين ثلاثة عناصر متكاملة هي: العقوبات، والحصار، والحرب، في مواجهة الاقتصاد الإيراني.
ورغم أن المواجهات العسكرية لا تزال محدودة وتخضع لقدر من السيطرة والإدارة، وتتركز في إطار أمن مضيق هرمز وخطوط الملاحة البحرية، فإن مؤشرات عودة سياسة الضغط الاقتصادي أصبحت واضحة، بدءًا من إلغاء الإعفاءات المتعلقة بصادرات النفط الإيرانية، وصولًا إلى تشديد الضغوط على شبكات النقل البحري، ومحاولات تقليص القدرات التجارية للبلاد.
وإذا استمر هذا المسار، فإن الاقتصاد الإيراني سيدخل مرحلة مختلفة من الضغوط الخارجية، تصبح فيها العقوبات والحصار البحري والمواجهات العسكرية ثلاثة أضلاع لاستراتيجية واحدة تستهدف زيادة الكلفة الاقتصادية والأمنية على إيران، وليس مجرد أدوات منفصلة.
ومن منظور الاقتصاد السياسي، يحمل هذا التحول أهمية خاصة، إذ واجه الاقتصاد الإيراني خلال أكثر من عقدين عاملًا رئيسيًا تمثل في العقوبات. ورغم ما خلفته من آثار عميقة على النمو الاقتصادي والاستثمار والإنتاجية والتجارة الخارجية والإيرادات النفطية ومستوى الرفاه، فإن إيران تمكنت من احتواء جزء من الضغوط عبر مسارات بديلة، والتجارة الإقليمية، والاعتماد على الإمكانات الداخلية.
أما اليوم، فإن الاقتصاد الإيراني يواجه ظروفًا مختلفة، إذ لم تعد العقوبات سوى أحد عناصر الضغط، بينما تحولت التهديدات البحرية والمخاطر العسكرية إلى عوامل حاسمة في البيئة الاقتصادية الكلية.
وبحسب التقرير، فإن الاقتصاد الإيراني يتجه نحو مرحلة يمكن وصفها بـ”ثالوث العقوبات والحصار والحرب”، وهي عناصر لا تعمل بصورة متوازية فحسب، بل يعزز كل منها تأثير الآخر. فالعقوبات تقيد الموارد المالية والاحتياطيات من النقد الأجنبي، بينما يؤدي الحصار البحري إلى رفع تكاليف التجارة، وصادرات النفط، وواردات السلع الوسيطة، والوصول إلى الأسواق العالمية، في حين تؤدي الحروب المحدودة والمتواصلة إلى رفع مستوى عدم اليقين داخل الاقتصاد.
ومن شأن هذا الواقع أن يقلل الحوافز على الاستثمار، ويرفع تكاليف المعاملات الاقتصادية، ويضعف الإنتاج، ويزيد الضغوط على سوق الصرف، ويجعل التخطيط طويل الأجل أكثر صعوبة بالنسبة للفاعلين الاقتصاديين.
ويتمثل الخطر الأكبر يتمثل في احتمال تكرار ما حدث مع العقوبات، ولكن هذه المرة مع الحرب. فالعقوبات بدأت في الأصل كأداة مؤقتة لتغيير سلوك إيران، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى عنصر دائم في العلاقات بين إيران والغرب. وبالمثل، قد تتحول الحروب المحدودة، والتوترات البحرية، والعمليات العسكرية المحدودة، ووقف إطلاق النار الهش، من أدوات تكتيكية إلى واقع دائم في البيئة الأمنية الإقليمية.
وفي هذه الحالة، سيجد الاقتصاد الإيراني نفسه مضطرًا للتكيف، ليس مع أزمة مؤقتة، وإنما مع بنية دائمة من عدم اليقين، ستكون آثارها أعمق بكثير من آثار الصدمات قصيرة الأجل.
ويعد الاستثمار أول المتضررين من هذه البيئة، إذ يعتمد رأس المال في المقام الأول على الأمن والاستقرار وإمكانية التنبؤ بالمستقبل. وكلما ارتفعت احتمالات تعطل مسارات التصدير، أو تشديد القيود البحرية، أو توسيع العقوبات، أو اندلاع مواجهات جديدة، ارتفع ما يعرف بـ”علاوة مخاطر الدولة”، وهو مفهوم في الاقتصاد الدولي يشير إلى زيادة تكلفة ممارسة النشاط الاقتصادي نتيجة المخاطر السياسية والأمنية.
ولا يؤدي ارتفاع هذه المخاطر إلى إحجام المستثمرين الأجانب عن دخول السوق الإيرانية فحسب، بل يدفع أيضًا رؤوس الأموال المحلية نحو الأنشطة غير الإنتاجية، والأصول غير المنتجة، وحتى إلى خروج رؤوس الأموال من البلاد.
كما يؤدي ثالوث العقوبات والحصار والحرب إلى رفع تكاليف المعاملات في جميع قطاعات الاقتصاد، إذ تؤدي زيادة تكاليف النقل والتأمين والتحويلات المالية وتأمين المواد الأولية وتصدير السلع إلى إضعاف القدرة التنافسية للشركات الإيرانية، وينعكس ذلك في نهاية المطاف على تراجع النمو الاقتصادي.
وفي ظل هذه الظروف، تضطر الشركات إلى توجيه مواردها نحو إدارة المخاطر وتأمين استمرارية أعمالها اليومية، بدلًا من التركيز على رفع الإنتاجية والابتكار وتوسيع الأسواق، وهي حالة تُعد، وفق أدبيات الاقتصاد المؤسسي، من أبرز العوائق أمام تحقيق التنمية المستدامة.
وعلى المستوى الكلي، فإن استمرار هذه الأوضاع يعني تصاعد حالة عدم اليقين في رسم السياسات الاقتصادية، الأمر الذي يقصر أفق اتخاذ القرار لدى الحكومة والقطاع الخاص والأسر، ويعرقل التخطيط طويل الأجل.
وينتج عن ذلك تراجع الاستثمارات الإنتاجية، وانخفاض الإنتاجية، وازدياد تقلبات سوق الصرف، وارتفاع توقعات التضخم، وتراجع قدرة الاقتصاد الكلي على الصمود. وفي مثل هذه البيئة، تصبح حتى أفضل السياسات النقدية والمالية محدودة الفاعلية، لأن مصدر عدم الاستقرار لا يكمن في المتغيرات الاقتصادية بقدر ما يرتبط بالمخاطر الجيوسياسية.
ومن ناحية أخرى، فإن استمرار هذه الأوضاع لا يمثل مشكلة تخص إيران وحدها، إذ إن أمن الطاقة، والممرات التجارية، والنقل البحري، وتدفقات الاستثمار تمس المصالح المشتركة لجميع دول المنطقة. ولذلك فإن خفض التوتر لا يمثل ضرورة أمنية فحسب، بل يعد شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار الاقتصادي في منطقة الخليج وغرب آسيا.
ومع ذلك، لا يمكن أن يستمر الوضع الحالي طويلًا، فالحروب المحدودة والمدارة قد تُستخدم على المدى القصير كوسيلة لممارسة الضغوط المتبادلة، لكنها تنطوي بطبيعتها على مخاطر كبيرة تتمثل في سوء التقدير، وسوء الفهم الأمني، واحتمال خروج الأحداث عن السيطرة.
وكلما طال أمد دورة التصعيد والردود المتبادلة، ارتفعت احتمالات تحول مواجهة محدودة إلى أزمة شاملة، وعندها لن يقتصر الخطر على النمو الاقتصادي أو التجارة الخارجية، بل سيمتد إلى البنية التحتية الاقتصادية، والأمن الوطني، وحتى وحدة أراضي البلاد، وهو سيناريو ستكون كلفته على إيران والمنطقة أكبر بكثير من كلفة المواجهات المحدودة الجارية حاليًا.



