كيف يبدو المزاج العام في إيران؟ تقرير رسمي يكشف أبرز المؤشرات الاجتماعية

لا تعكس أي من هذه المؤشرات، منفردة، صورة المجتمع الإيراني بأكمله. فالاستطلاع قاس مشاعر الغضب لا السلوك العنيف، ورصد الإحساس بالاكتئاب لا التشخيص الطبي المؤكد.

ميدل ايست نيوز: أظهرت البيانات أن 63.6% من الإيرانيين يشعرون بالغضب، و50.2% بالإحباط، و47.7% بالاكتئاب، و45.4% بالقلق، وهي أرقام لا تعكس مجرد نتائج تقرير، بل تشير إلى مجتمع أنهكته الضغوط المعيشية، وتضرر من تبعات الحرب، وتحمل كلفة القرارات السياسية.

وقد برزت هذه الأرقام خلال الأيام الأخيرة ضمن تقرير بعنوان “ما الذي تريده إيران؟”، أعده المساعد الاجتماعي للرئيس الإيراني علي ربيعي لرصد الأوضاع الاجتماعية في إيران، واستند في أجزاء منه إلى استطلاع أجراه مركز “آرا” لاستطلاعات الرأي في مايو 2026. وأظهرت نتائج الاستطلاع أن أكثر من نصف المشاركين أكدوا أن دخولهم لم تعد تكفي لتغطية تكاليف المعيشة، فيما أفاد أكثر من 81% منهم بأنهم يواجهون صعوبة في تأمين المواد الغذائية.

ولم تُنشر حتى الآن النسخة الكاملة من استطلاع مايو 2026، كما لم تُعلن تفاصيل تتعلق بالأسئلة المطروحة، أو حجم العينة، أو آلية اختيار المشاركين، أو توزيعهم العمري والجغرافي والنوعي. وأوضح ربيعي أن تقرير “ما الذي تريده إيران؟” لا يستند إلى استطلاع واحد، بل أُعد بالاعتماد على مجموعة من الاستطلاعات والدراسات والملاحظات الاجتماعية، إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية الرسائل التحذيرية التي يتضمنها.

العلاج يتحول إلى تكلفة يمكن الاستغناء عنها

وأظهرت البيانات المنشورة من استطلاع مايو أن 45.4% من المشاركين يعانون من القلق، فيما أفاد 47.7% بأنهم يشعرون بالاكتئاب. ورغم أن هذه النسب لا تمثل تشخيصًا طبيًا مباشرًا، فإن آخر بيانات صادرة عن مساعد وزير الصحة الإيراني للشؤون الصحية تشير إلى أن نحو 25% من سكان البلاد يعانون اضطرابات الاكتئاب والقلق.

وسجل الغضب أعلى نسبة بين المشاعر التي رصدها الاستطلاع، إذ بلغ 63.6%. ولا يوضح هذا الرقم وحده كيفية تجلي هذا الغضب في الواقع، كما لا يمكن إرجاع كل حالات العنف أو النزاعات مباشرة إلى الضغوط الاقتصادية، لكن الإحصاءات الصادرة عن المؤسسات الاجتماعية ومنظمة الطب الشرعي تشير إلى أن المجتمع يواجه حجمًا كبيرًا من التوترات اليومية.

وخلال الربع الأول من عام 2025، راجع 146 ألفًا و262 شخصًا مراكز الطب الشرعي بسبب نزاعات ومشاجرات، بينهم نحو 50 ألف امرأة وأكثر من 96 ألف رجل.

كما أعلنت منظمة الرعاية الاجتماعية الإيرانية أن خط الطوارئ الاجتماعية “123” تلقى أكثر من 260 ألف اتصال خلال الأشهر السبعة الأولى من العام نفسه، وتناولت هذه الاتصالات قضايا أبرزها الخلافات الأسرية الحادة، وإساءة معاملة الأطفال، والعنف ضد الزوجات، والأفكار أو محاولات الانتحار، وإساءة معاملة كبار السن.

ورغم أن هذه الأرقام لا تثبت بصورة قاطعة أن جميع تلك النزاعات أو الاتصالات جاءت نتيجة التضخم أو الإحباط، فإنها تشير إلى أن مشاعر الغضب التي كشفها الاستطلاع لم تنشأ في فراغ.

الثقة العامة عند حدود 25 إلى 30%

وقدر تقرير “ما الذي تريده إيران؟” مستوى الثقة العامة بين المواطنين، وكذلك الثقة بالمؤسسات الحكومية، بما يتراوح بين 25% و30%.

وتكتسب هذه النسبة أهمية خاصة إلى جانب مؤشري الغضب والإحباط، إذ إن تجاوز أي أزمة اجتماعية يتطلب حدًا أدنى من الثقة؛ سواء بالبيانات الرسمية، أو بالوعود الحكومية، أو ببرامج الدعم، أو بالاعتقاد بأن تحمل الأعباء الحالية سيقود إلى أوضاع أفضل في المستقبل. وعندما تكون الثقة منخفضة، فإن حتى السياسات الصحيحة قد تواجه تشكيكًا واسعًا من الرأي العام.

ولا تعكس أي من هذه المؤشرات، منفردة، صورة المجتمع الإيراني بأكمله. فالاستطلاع قاس مشاعر الغضب لا السلوك العنيف، ورصد الإحساس بالاكتئاب لا التشخيص الطبي المؤكد، وأشار إلى صعوبة تأمين الغذاء، وليس بالضرورة إلى تعرض جميع المشاركين للجوع. إلا أن مجمل هذه المؤشرات تلتقي عند حقيقة واحدة، وهي أن شريحة واسعة من المجتمع الإيراني تعيش فجوة مستمرة بين الدخل وتكاليف المعيشة.

وعندما يغطي الحد الأدنى لأجور العامل المتزوج أقل من 60% من الحد الأدنى لسلة المعيشة، فيما تتضاعف أسعار المواد الغذائية خلال عام واحد، فإن الغضب والقلق يتحولان إلى جزء من التجربة اليومية المشتركة للمجتمع.

ورغم أن نشر النسخة الكاملة من استطلاع مايو 2026 ومنهجيته سيوفر صورة أوضح لدلالات هذه الأرقام، فإن القضية لا تتعلق فقط بالشفافية الإحصائية، بل إن المجتمع الإيراني، بعد تجربة الحرب وتحت وطأة الضغوط المعيشية والنفسية، بات بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى خفض التوتر واتخاذ قرارات مسؤولة، بدلًا من التصريحات والسياسات التي تزيد من حالة عدم اليقين والقلق.

ويرى التقرير أن على صناع القرار وضع خطة عاجلة وقابلة للقياس لخفض تكاليف الاحتياجات الأساسية، وتعزيز برامج الدعم الغذائي، وتوسيع مظلة التأمين على خدمات الصحة النفسية، وإعادة بناء الثقة العامة، مؤكدًا أن مجتمعًا تعلن نسبة كبيرة من أفراده شعورها بالغضب والإحباط والعجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية يحتاج، قبل أي دعوات إلى الصبر أو الصمود، إلى مؤشرات حقيقية على حدوث تغيير.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة + 19 =

زر الذهاب إلى الأعلى