لماذا أصبح جبل الفأس خطًا أحمر جديدًا في معادلة الردع الإيرانية؟
يرى محللون أن إيواء المعدات الحساسة داخل جبل الفأس وفي منشآت شديدة التحصين يقلل بدرجة كبيرة من فعالية التهديدات العسكرية أو عمليات التخريب المحدودة، ويمنح إيران القدرة على الحفاظ على بنيتها التحتية وقدراتها الردعية.
ميدل ايست نيوز: تحول جبل الفأس، الواقع على بعد كيلومترين من منشأة نطنز النووية الإيرانية وعلى عمق 100 متر تحت الأرض، ببنيته الجرانيتية غير القابلة للاختراق، إلى بؤرة جديدة للتوتر بين إيران والولايات المتحدة. وفي أعقاب تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتحرك عسكريًا، والتقارير التي تحدثت عن نقل أجهزة الطرد المركزي إليه، حوّل التحذير الشديد الصادر عن مقر خاتم الأنبياء هذا الموقع إلى خط أحمر جديد في معادلة الردع.
ومع تصاعد التوترات السياسية والعسكرية مجددًا بين طهران وواشنطن، تصدر اسم منطقة جغرافية كانت شبه مجهولة سابقًا عناوين وسائل الإعلام الدولية والتحليلات الاستراتيجية، وهي جبل الفأس. فبعد التطورات العسكرية الكبيرة خلال الأشهر الماضية والهجمات المشتركة التي استهدفت بعض البنى التحتية، أظهرت صور حديثة مداخل أنفاق عميقة داخل الجبل، بالتزامن مع مواقف أمريكية حادة وغير مسبوقة، ما يشير إلى تشكل ساحة جديدة للمواجهة الاستخباراتية والردع، يرى كثيرون أنها تمثل مفتاح المرحلة المقبلة من البرنامج النووي الإيراني والخط الأحمر الأبرز في الحسابات الأمنية الإقليمية.
حصن في قلب الغرانيت… أكثر المواقع تحت الأرض تحصينًا
يقع جبل الفأس في محافظة أصفهان، على بعد نحو كيلومترين جنوب منشأة نطنز النووية، وعلى مسافة تقارب 220 كيلومترًا جنوب طهران. ويبلغ ارتفاع قمته نحو 1608 أمتار، ويحتضن أحد أكثر مشاريع الهندسة الدفاعية تعقيدًا في إيران.
وبدأ إنشاء هذا الموقع تحت الأرض عقب حادثة التخريب التي استهدفت مركز تجميع أجهزة الطرد المركزي في نطنز عام 2020، في خطوة قالت السلطات الإيرانية إنها تهدف إلى استبدال المعدات الحساسة ونقل الأجيال الجديدة من أجهزة الطرد المركزي إلى موقع أكثر أمنًا.
وتظهر صور الأقمار الصناعية وتحليلات صادرة عن مراكز أبحاث غربية، منها معهد العلوم والأمن الدولي ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن الموقع يضم شبكتين عميقتين من الأنفاق حفرتا على عمق يقارب 100 متر داخل طبقات كثيفة من الصخور الجرانيتية.
وصُممت المنشأة، بما تتضمنه من تحصينات خرسانية خاصة، بحيث توفر قدرة عالية على مقاومة أقوى القنابل التقليدية الخارقة للتحصينات، بما فيها القنبلة الأمريكية الخارقة للتحصينات (MOP)، وهو ما دفع خبراء عسكريين إلى وصفها بأنها واحدة من أكثر المواقع تحت الأرض مناعة في العالم.
لماذا تصدر جبل الفأس العناوين؟
يرجع الاهتمام المفاجئ بالموقع إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أكد أن الولايات المتحدة تراقب التحركات في جبل الفأس، محذرًا من أن الموقع سيكون قريبًا “هدفًا لهجوم كبير وعنيف”.
وأضاف ترامب أن الهدف الرئيسي يتمثل في تعقب المواد النووية وتدميرها ومنع إيران من إعادة بناء قدراتها على تخصيب اليورانيوم، مدعيًا أن قدراتها تعرضت لتراجع كبير.
وبالتزامن مع هذه التهديدات، زعمت تقارير غربية، بينها تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال نقلًا عن مصادر أمريكية وإسرائيلية، أن آلاف أجهزة الطرد المركزي الخاصة بتخصيب اليورانيوم نُقلت إلى أعماق هذا الموقع بعد تطورات خريف عام 2025.
كما أثارت الأسئلة التي طُرحت داخل مجلس الشيوخ الأمريكي على وزير الدفاع بيت هيغسيث بشأن قدرة واشنطن على تدمير منشآت تقع على هذا العمق، مؤشرات إضافية على حجم الاهتمام الذي توليه دوائر صنع القرار الأمريكية لهذا الموقع.
تبادل التهديدات العسكرية ورد طهران
قوبلت التصريحات الأمريكية برد سريع وحاد من القيادة العسكرية الإيرانية.
ففي أعقاب تصريحات ترامب بشأن تدمير جبل الفأس، أصدر مقر خاتم الأنبياء بيانًا حذر فيه من أن أي مغامرة أو عمل عسكري ضد هذا الموقع سيُعد “توسيعًا رسميًا للحرب في المنطقة”.
وأكد البيان أن أي هجوم من هذا النوع سيقابله استهداف مباشر وقوي لجميع المصالح الأمريكية، وكذلك مصالح حلفائها وداعميها في المنطقة، من قبل القوات المسلحة الإيرانية.
وفي المقابل، شدد المسؤولون الإيرانيون على أن جميع الأنشطة النووية الإيرانية ذات طبيعة سلمية، نافين الاتهامات المتعلقة بوجود منشآت غير معلنة، ومؤكدين أن جبل الفأس ليس سوى موقع بديل ومطابق للمعايير مخصص لتجميع المعدات.
الأهمية الاستراتيجية للموقع في معادلة إيران والولايات المتحدة
أصبح جبل الفأس عنصرًا محوريًا في معادلة الردع بين طهران وواشنطن.
ويرى محللون أن إيواء المعدات الحساسة داخل الجبل وفي منشآت شديدة التحصين يقلل بدرجة كبيرة من فعالية التهديدات العسكرية أو عمليات التخريب المحدودة، ويمنح إيران القدرة على الحفاظ على بنيتها التحتية وقدراتها الردعية.
في المقابل، تخشى الولايات المتحدة وحلفاؤها من أن يؤدي نقل أجهزة الطرد المركزي والمواد الحساسة إلى هذه الأعماق إلى تقويض فعالية أدوات الضغط العسكري وعمليات التخريب الصناعي.
ومن ثم، فإن تصاعد التهديدات العسكرية ضد جبل الفأس، في وقت تتحدث فيه تقارير عن جهود وساطة للتوصل إلى اتفاق أو وقف لإطلاق النار، يعكس اعتماد واشنطن استراتيجية “الضغط الأقصى والتهديد الموثوق” قبيل أي مفاوضات محتملة.
وبات جبل الفأس اليوم يتجاوز كونه منشأة خرسانية أو معلمًا جغرافيًا، ليصبح رمزًا للتنافس حول الردع النووي وتحديد حدود التفاعل أو المواجهة في مستقبل المنطقة.



