طموح المليارات في مواجهة الواقع: هل تتجاوز اتفاقيات واشنطن عقبة «حبر على ورق»؟

بينما يرى مراقبون أن مذكرات التفاهم قد تمهد لتحول اقتصادي واستراتيجي إذا تُرجمت إلى مشاريع فعلية، يحذر آخرون من أن العقبات الداخلية والإجراءات الدستورية قد تجعل جزءاً منها يواجه مصير اتفاقيات سابقة بقيت حبراً على ورق.

ميدل ايست نيوز: بين طموح استقطاب استثمارات أمريكية بعشرات مليارات الدولارات، وتعقيدات الواقع السياسي والإداري في العراق، تتباين التقديرات بشأن مصير مذكرات التفاهم التي وُقعت خلال زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن، فبينما يرى مراقبون أنها قد تمهد لتحول اقتصادي واستراتيجي إذا تُرجمت إلى مشاريع فعلية، يحذر آخرون من أن العقبات الداخلية والإجراءات الدستورية قد تجعل جزءاً منها يواجه مصير اتفاقيات سابقة بقيت حبراً على ورق.

ووقع العراق، خلال زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن، اتفاقيات غير ملزمة ومذكرات تفاهم مع شركات أمريكية تشمل قطاعات الطاقة والرعاية الصحية والتكنولوجيا، وذلك بمناسبة انعقاد ⁠⁠قمة الأعمال الأمريكية العراقية التي استضافتها غرفة التجارة الأمريكية في واشنطن.

مذكرات نوايا

ويقول الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي، إن “معظم الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي أُبرمت مع الجانب الأمريكي تحمل طابعاً استراتيجياً، وتمس قطاعات حيوية يحتاجها العراق، من بينها الطاقة والكهرباء ونقل التكنولوجيا والاستكشاف والاتصالات الفضائية، إلا أنها لا تزال في إطار مذكرات تفاهم تعبر عن نوايا للتعاون، وليست عقوداً تنفيذية ملزمة، ما يعني أن تحويلها إلى مشاريع فعلية يحتاج إلى وقت وإجراءات لاحقة”.

ويشير إلى أن “التجارب السابقة لا تبعث على التفاؤل، إذ وقع العراق مئات مذكرات التفاهم التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ بسبب تعقيدات داخلية، أبرزها العراقيل التي تفرضها المنظومة السياسية، والتوازنات المرتبطة بالعلاقة بين الغرب وإيران، فضلاً عن وجود مصالح حالت دون إبرام عقود مع شركات أمريكية ترفض التعامل بأساليب الرشاوى والعمولات، الأمر الذي فتح المجال أمام شركات أخرى”.

تحديات كبيرة

ويضيف الهاشمي، أن “البيئة الاستثمارية في العراق ما تزال تواجه تحديات كبيرة، تتعلق بالوضع الأمني، وضعف الأنظمة الإدارية والتشريعية، فضلاً عن هشاشة القطاع المصرفي”، معتبراً أن “هذه العوامل أسهمت في تعطيل تنفيذ العديد من الاتفاقيات خلال السنوات الماضية، ولا تزال تمثل عائقاً أمام تحويل مذكرات التفاهم الجديدة إلى مشاريع على أرض الواقع”.

ولا يستبعد أن عدداً من المذكرات الموقعة قد يواجه المصير ذاته، إلا أنه يستثني بعض الملفات التي يتوقع أن تحظى باهتمام أكبر، وفي مقدمتها مشاريع تطوير الحقول النفطية، واستثمار الغاز المصاحب، وإنشاء وتوسعة خطوط أنابيب تصدير النفط، مرجحاً أن تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً سياسية ودبلوماسية لدفع هذه المشاريع إلى التنفيذ.

7 اتفاقيات نفطية

وكشف وزير النفط باسم العبادي، في مقابلة تلفزيونية، الثلاثاء، عن “توقيع 7 اتفاقيات مهمة مع شركات عالمية معروفة في زيارتنا للولايات المتحدة، وقعنا اتفاقات مع شركة شيفرون وأتش كي أن وبي بي، وغيرها من الشركات، والاتفاقية الأولى كانت مع شركة أتش كي أن، لتطوير حقول حمرين. وقعنا مع شيفرون اتفاقيات تخص تشغيل وتطوير حقل غرب القرنة 2، الذي كان تحت مظلة شركة لوك أويل الروسية”، مضيفاً: “وقعنا أيضاً مع شركة شيفرون، مشروع الرقع الأربعة في حقل الناصرية وحقل بلد أيضاً، إضافة إلى اتفاقية مع ائتلاف مكون من شركتين أميركيتين (شيفرون وتي أي كابيتال) ويو سي سي القطرية، وأيضاً كان هناك تفعيل لعقد مهم مع شركة هاليبرتون الأميركية في الإدارة الكاملة لحقلين نفطيين مهمين وهما حقل نهر بن عمر والسندباد، وأيضاً كانت هناك اتفاقية مع الإخوة في الجمهورية السورية، من أجل مرور أنبوب حديثة – بانياس”، مؤكداً أن “القيمة المالية لهذه الاتفاقيات، تتجاوز 200 مليار دولار”.

ويعنقد الخبير الهاشمي، أن “الاهتمام الأمريكي بتطوير شبكة أنابيب النفط العراقية يرتبط برغبة واشنطن في تقليل اعتماد صادرات النفط على مضيق هرمز، بما يحد من قدرة إيران على استخدامه كورقة ضغط، إلى جانب تمكين العراق من إيصال نفطه إلى البحر المتوسط، وهو ما يسهم في دعم مشروع صندوق الطاقة للتنمية، الذي يقوم على تخصيص جزء من صادرات النفط لتمويل مشاريع تنموية داخل العراق، ومثل هذه الملفات تمتلك فرصاً أكبر للتنفيذ مقارنة بغيرها من مذكرات التفاهم”.

وذكر المكتب الإعلامي للزيدي في بيان أعقب توقيع الاتفاقيات نهاية الأسبوع الماضي: “تم توقيع ما مجموعه 48 اتفاقية ومذكرة تفاهم واتفاقية تعاون وإعلان شراكة بين جهات من القطاعين العام والخاص في العراق والولايات المتحدة”، لافتاً إلى أن هذه الاتفاقيات تشمل “تعاوناً وشراكات لوزارتي النفط والكهرباء مع شركات “إكسون موبيل”، و”كي بي آر”، و”جي إي فيرنوفا”، و”شل”، و”هاليبرتون”، بالإضافة إلى عدة صفقات تتعلق بإنشاء خط أنابيب للنفط الخام بين العراق وسوريا.

فرص والتزامات

من جهته، يعتقد الباحث في الشأن الاقتصادي قاسم بلشان، إن فرص تنفيذ الاتفاقيات الموقعة خلال زيارة الزيدي إلى واشنطن ترتبط بدرجة كبيرة بجدية الجانب الأمريكي، لا سيما أن الولايات المتحدة تمتلك تأثيراً واسعاً في المشهد العراقي، ما يجعل التزامها بتنفيذ هذه التفاهمات عاملاً حاسماً في تحويلها إلى مشاريع فعلية.

ويرى أن “العراق، في المقابل، مطالب بتوفير متطلبات التمويل أو طرح صيغ استثمارية بديلة، قد تشمل منح امتيازات في بعض القطاعات أو استثمار موارد طبيعية مثل النفط والغاز والكبريت، في ظل التحديات المالية التي تواجهها البلاد، بدلاً من الاعتماد على التمويل النقدي المباشر”.

ويشير بلشان إلى أن “الاتفاقيات، التي تقارب 60 مذكرة وتفاهماً في مجالات متعددة، تمتلك فرصاً كبيرة للدخول حيز التنفيذ”، مرجحاً أن “تمارس واشنطن ضغوطاً باتجاه تفعيلها، انطلاقاً من حرصها على تعزيز حضورها الاقتصادي والاستثماري في العراق”.

قانونية أم لا؟

وبشأن قانونية إبرام مثل هذه الاتفاقيات، يؤكد بلشان، أن “رئيس الوزراء يمتلك الصلاحية الدستورية لتوقيع هذه الاتفاقيات، استناداً إلى أحكام المادة (78) من الدستور العراقي”، معتبراً أن “المرحلة المقبلة ستكون مرتبطة بمدى قدرة الطرفين على ترجمة هذه التفاهمات إلى خطوات تنفيذية على أرض الواقع”.

 لكن الباحث في الشأن الاقتصادي دريد العنزي، يؤكد من جهته، أن “إبرام اتفاقيات بهذا الحجم المالي والاستثماري يتطلب عرضها على مجلس النواب، لضمان استكمال الإجراءات الدستورية والقانونية، لأن أي اتفاق يجب أن يستند إلى مبدأ تكافؤ المصالح والاستثمارات بما يحقق منفعة حقيقية للعراق ويحفظ حقوقه الاقتصادية”.

مراجعة جدوى الاتفاقيات

ويضيف العنزي، أن من الضروري مراجعة جدوى الاتفاقيات الجديدة، ولا سيما تلك المتعلقة بشركات سبق أن أبرمت عقوداً مع العراق، مثل شركة “جنرال إلكتريك”، لتقييم ما حققته من نتائج خلال السنوات الماضية ومدى التزامها بتنفيذ تعهداتها، قبل المضي في توقيع تفاهمات أو عقود إضافية.

ويعتقد، أن الاتفاقيات الجديدة ينبغي ألا تدخل حيز التنفيذ قبل مناقشتها داخل مجلس النواب، باعتباره الجهة المخولة بدراستها ومنحها الشرعية أو رفضها، بما يضمن حماية المال العام، وصون المصالح الاقتصادية والسيادية للعراق، والتأكد من تحقيقها قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

وأجرى الزيدي، الأسبوع الماضي، زيارة رسمية إلى العاصمة الأمريكية واشنطن على رأس وفد رفيع المستوى يضم عدداً من الوزراء والمسؤولين والمستثمرين وأصحاب الشركات، استمرت خمسة أيام، وتضمنت لقاءات سياسية واقتصادية وأمنية تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية ومناقشة ملفات التعاون المشترك.

وفي محطة بارزة بمدينة هيوستن، ترأس الزيدي ملتقى الحوار الاقتصادي، معلناً خطط “مدينة الطاقة” في شبه جزيرة الفاو، كما شهد توقيع مذكرة تفاهم مع الجانب السوري لإنشاء أنبوب تصدير نفطي عبر المتوسط.

وعلى الصعيد المالي، رعى الزيدي اتفاقاً أعاد 7 مصارف عراقية للعمل ضمن المراسلة المصرفية الخارجية، وبحث مع رئيسي البنك الدولي وصندوق النقد آفاق دعم الاقتصاد الرقمي وتنويع الموارد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى