عقدة الرؤساء الأمريكيين… لماذا قد يترك ترامب ملف إيران للرئيس الأمريكي المقبل؟

لا يبدو أن العقبة الأساسية أمام التوصل إلى اتفاق تكمن فقط في الخلافات بين واشنطن وطهران، بل أيضًا في ارتباط الحرب بالحسابات السياسية والشخصية للرئيس الأمريكي.

ميدل ايست نيوز: عندما أعلن دونالد ترامب التوصل إلى مذكرة التفاهم مع إيران، وعد بأن الاتفاق النهائي سيعيد السلام والاستقرار إلى المنطقة بأسرها. لكن بعد أسابيع قليلة فقط، توقفت المفاوضات وعادت المواجهات وأعادت الخزانة الأميركية فرض العقوبات على النفط الإيراني، فيما عادت البحرية الأمريكية لتطويق إيران من جديد. وبذلك، عاد الصراع عمليًا إلى حالة الجمود التي كان يُعتقد أن مذكرة التفاهم المؤقتة قد وضعت حدًا لها. وهنا لا بد لنا من التساؤل: هل يستطيع ترامب تحقيق السلام الذي وعد به؟

التجارب التاريخية التي رصدها ميدل ايست نيوز لا تبدو مشجعة في هذا الصدد. فمن النادر أن ينجح رئيس أمريكي في إنهاء حرب وصلت إلى طريق مسدود بعدما كان هو من دفع إليها. ولا يعود ذلك فقط إلى تعقيدات العمليات العسكرية أو صعوبة التفاوض، بل إلى طبيعة العلاقة السياسية والنفسية التي تنشأ بين الرئيس والحرب نفسها.

فعادة ما يشعر الرئيس الذي يقود بلاده إلى الحرب بأن رصيده السياسي وإرثه التاريخي أصبحا مرتبطين بنتائجها. وعند هذه المرحلة، تتراجع الحسابات التقليدية التي تقوم على موازنة المكاسب والخسائر، لتحل محلها مخاوف تتعلق بصورة الرئيس واحتمال ظهور الحرب كفشل سياسي، إلى جانب الشعور بأن التكاليف التي دفعت سابقًا يجب أن تُترجم إلى إنجاز ملموس.

ومن هنا، تميل الإدارات الأمريكية إلى السعي وراء نتائج يمكن تصويرها على أنها “انتصار”، بدلًا من الاكتفاء باتفاق واقعي يمكن تحقيقه.

كما تلعب مسألة المصداقية الدولية الدور نفسه؛ إذ يُنظر إلى أي تراجع عن المطالب المعلنة على أنه مؤشر ضعف، وهو ما يدفع الإدارة إلى مواصلة الحرب أو التمسك بشروط قصوى لا يكون الطرف الآخر مستعدًا لقبولها. وعندما يمتلك الخصم، مثل إيران، استعدادًا كبيرًا للاستمرار في المواجهة، فإن النتيجة المعتادة تكون إطالة أمد الجمود حتى انتهاء ولاية الرئيس.

تكرار سيناريو كوريا وفيتنام وأفغانستان

تكرر نمط حرب إيران في معظم الحروب الأمريكية التي وصلت إلى طريق مسدود منذ الحرب العالمية الثانية.

ففي الحرب الكورية، وصلت المعارك إلى حالة جمود صيف عام 1951، إلا أن الرئيس هاري ترومان تمسك بشروط صارمة في مفاوضات وقف إطلاق النار، خشية أن يُنظر إلى أي تنازل على أنه ضعف أمام المعسكر الشيوعي، أو مساس بمكانة الولايات المتحدة، أو اعتراف بأن التضحيات السابقة ذهبت سدى. وفي النهاية، غادر ترومان البيت الأبيض من دون التوصل إلى اتفاق سلام.

وتكرر المشهد في حرب فيتنام. فبعد هجوم “تيت” عام 1968، وجد الرئيس ليندون جونسون نفسه أمام المأزق ذاته، حيث حدّت الاعتبارات السياسية الداخلية، والحرص على سمعة الولايات المتحدة، وحجم الكلفة التي تكبدتها الحرب، من قدرته على تقديم تنازلات خلال المفاوضات. وقد لخّص جونسون هذا الوضع بقوله إنه لم يعد قادرًا على الانسحاب من الحرب، ولا على إنهائها بالإمكانات المتاحة.

أما الرئيس باراك أوباما، فبعد تعثر استراتيجية زيادة القوات في أفغانستان، أوقف عام 2015 خطة الانسحاب الكامل، خشية أن يُعرف في التاريخ بأنه الرئيس الذي خسر أفغانستان، كما كان يخشى تكرار التداعيات السياسية التي أعقبت الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2011، والذي تزامن مع صعود تنظيم داعش.

يواجه ترامب اليوم معضلة مشابهة في الحرب مع إيران. فبعد إغلاق طهران مضيق هرمز، دخل الصراع مرحلة الجمود، في وقت أصبحت فيه كلفة الحرب على الولايات المتحدة أعلى من المكاسب الأمنية المتوقعة، خاصة مع تراجع الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط بالنسبة لواشنطن، مقابل تصاعد تحديات أكثر إلحاحًا، وفي مقدمتها منطقة آسيا.

ومع ذلك، يجد ترامب نفسه، شأنه شأن رؤساء أمريكيين سبقوه، تحت ضغط يدفعه إلى قبول اتفاق يمكن تسويقه باعتباره نجاحًا سياسيًا واستثنائيًا.

حاجة ترامب إلى انتصار سياسي

لا تبدو تسوية الحرب مع إيران بالنسبة إلى دونالد ترامب مجرد ملف دبلوماسي، بل ترتبط أيضًا بحساباته السياسية وشخصيته. فالرئيس الأمريكي يطمح إلى إبرام اتفاق نووي يعتبره أفضل من الاتفاق الذي وقعه باراك أوباما عام 2015، بعدما أمضى سنوات يصف ذلك الاتفاق بأنه “كارثي” و”أحادي الجانب”، مؤكداً أن انسحابه منه عام 2018 واعتماد سياسة “الضغط الأقصى” كانا الخيار الصحيح.

ولا يقتصر الأمر على البرنامج النووي، إذ يسعى ترامب أيضًا إلى تقديم نفسه بوصفه الرئيس الذي نجح في إعادة رسم ملامح الشرق الأوسط بطريقة عجز عنها أسلافه. وقد كرر مرارًا أن ما اتخذه من خطوات تجاه إيران لم يسبق لأي رئيس أمريكي أن أقدم عليه خلال العقود الماضية، وهو ما جعل نتائج هذه المواجهة مرتبطة بصورة مباشرة بمكانته السياسية.

أسوشيتد برس

ولهذا السبب، تعقدت المفاوضات بعد وصول الحرب إلى مرحلة الجمود. فبعد إغلاق إيران مضيق هرمز، تراجعت أوراق الضغط التي كانت تمتلكها واشنطن، وأصبح قبول أي اتفاق لا يمكن تسويقه باعتباره نجاحًا سياسيًا خيارًا بالغ الصعوبة بالنسبة لترامب.

وفي الوقت نفسه، كان يبحث عن مكاسب واضحة يمكن تقديمها للرأي العام الأمريكي بوصفها إنجازات، مثل توسيع اتفاقيات أبراهام أو الحصول على تعهد إيراني بالتخلي عن اليورانيوم عالي التخصيب. وفي هذا السياق، رفض قبل أسبوعين من توقيع مذكرة التفاهم مسودة اتفاق نهائية توصل إليها المفاوضون مع طهران، بعدما رأى أنها لا تختلف كثيرًا عن الاتفاق النووي الذي أبرم في عهد أوباما.

ومع الانتقال من مرحلة التفاهم المؤقت إلى التفاوض حول اتفاق نهائي، أصبحت مساحة المناورة أضيق. فمذكرة التفاهم احتوت على مبادئ عامة أمكن لكل طرف تقديمها بما يخدم روايته السياسية، أما الاتفاق النهائي فسيتضمن التزامات واضحة وقابلة للمقارنة، ما يجعل أي تنازل أو مكسب عرضة للتقييم المباشر، ويزيد من صعوبة تراجع الإدارة الأمريكية عن مطالبها الأساسية.

تراجع الضغوط الاقتصادية… وتشدد أكبر في المفاوضات

في المقابل، أدى الانفراج الاقتصادي المؤقت الذي أعقب توقيع مذكرة التفاهم إلى تخفيف جزء من الضغوط الداخلية على الإدارة الأمريكية، بعد انخفاض أسعار الوقود وتراجع المخاوف من اضطرابات فورية في سوق الطاقة.

ومع تراجع هذا الضغط، أصبحت الاعتبارات السياسية أكثر حضورًا في عملية صنع القرار، وهو ما انعكس على مسار المفاوضات.

فعندما كُشف عن بنود مذكرة التفاهم في 17 يونيو/حزيران، واجه ترامب انتقادات حادة من خصومه الذين اعتبروا أن الاتفاق قدم تنازلات كبيرة لإيران، فيما أعادت بعض الأصوات مقارنته باتفاق أوباما، وهي مقارنة لطالما سعى إلى تجنبها.

وبعد فترة قصيرة، صعّد ترامب لهجته بشكل ملحوظ، مهددًا بـ”تدمير إيران والسيطرة عليها”، الأمر الذي دفع الوفد الإيراني إلى الانسحاب من جولة المفاوضات، لتدخل المحادثات منذ ذلك الحين مرحلة من الجمود.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو العودة إلى الخيار العسكري امتدادًا لصعوبة الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التسوية. فكلما ارتبطت نتائج الصراع بصورة الرئيس السياسية، ازدادت كلفة تقديم التنازلات، حتى لو كانت قد تفتح الطريق أمام اتفاق قابل للاستمرار. ولذلك، تبدو الحسابات المتعلقة بالهيبة السياسية والظهور بمظهر المنتصر من بين أبرز العوامل التي تعقد فرص الوصول إلى تسوية نهائية.

لماذا ينجح الرؤساء اللاحقون في إنهاء الحروب؟

نادراً ما تستمر الحروب التي تصل إلى طريق مسدود إلى ما لا نهاية، لكن التاريخ الأمريكي يكشف نمطًا متكررًا؛ فالرئيس الذي يبدأ الحرب غالبًا لا يكون هو من ينجح في إنهائها، بل يأتي الحل في عهد من يخلفه.

ويعود ذلك إلى أن الرئيس الجديد لا يحمل العبء السياسي والنفسي نفسه. فهو لم يتخذ قرار إشعال الحرب، ولا يرتبط إرثه السياسي بنتائجها، ما يمنحه مساحة أوسع لإعادة تقييم الموقف، وقبول التنازلات، وتعديل شروط التفاوض إذا رأى أن ذلك يخدم المصالح الأمريكية.

وقد برز هذا النمط في أفغانستان، إذ رفع كل من دونالد ترامب وجو بايدن خلال حملتيهما الانتخابيتين شعار إنهاء الحرب، ثم اتخذ كل منهما خطوات عملية في هذا الاتجاه بعد وصوله إلى البيت الأبيض، وهو ما يعكس أن انتقال السلطة قد يفتح الباب أمام مراجعة سياسات عجزت الإدارة السابقة عن تغييرها.

ومع ذلك، يبقى ترامب حالة مختلفة مقارنة بمعظم الرؤساء الأمريكيين. فقد أوقف العام الماضي الحملة الجوية ضد الحوثيين رغم عدم تحقيق أهدافها، كما رفض إرسال قوات برية أمريكية خلال الحرب مع إيران، مفضلاً تجنب كلفة تدخل عسكري أوسع.

لكن تكرار هذا النهج في الملف الإيراني يبدو أقل احتمالًا، لأن المواجهة مع طهران ترتبط بصورة مباشرة بالمكانة السياسية التي يسعى ترامب إلى ترسيخها، كما أن آلية اتخاذ القرار داخل إدارته تمنحه مساحة واسعة لاتخاذ قراراته الشخصية، في ظل محدودية الرقابة المؤسسية وضعف تأثير الآراء المخالفة داخل فريقه.

هل يستطيع الكونغرس كبح التصعيد؟

في المدى القريب، قد يمثل الكونغرس الأمريكي إحدى الأدوات القليلة القادرة على الحد من التصعيد وإعادة فتح باب التفاوض.

ويبدأ ذلك بالطعن في تفسير الإدارة لصلاحيات الحرب، بعدما اعتبر ترامب أن لديه تفويضًا يتيح له مواصلة العمليات العسكرية لمدة ستين يومًا إضافية.

ورغم أن احتمال تمكن الكونغرس من وقف الحرب بالكامل يبقى محدودًا، فإنه يستطيع ممارسة ضغوط مؤثرة عبر جلسات المساءلة، وتقليص التمويل العسكري، وربط أي اعتمادات مالية جديدة بشروط تحد من توسيع العمليات العسكرية، بما قد يدفع الإدارة إلى العودة للمفاوضات وتقليص احتمالات التصعيد.

ولم تكن هذه الأدوات بلا تأثير في السابق؛ فقد لعب الكونغرس دورًا في إنهاء حرب فيتنام، وساهم في الحد من سياسة زيادة القوات في العراق عام 2007، كما حال دون توسيع التدخل الأمريكي في السلفادور خلال ثمانينيات القرن الماضي.

لكن تأثير الكونغرس لا يكون سريعًا في العادة. فالصراع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية قد يطيل أمد النزاعات بدلًا من إنهائها فورًا، كما حدث في حرب فيتنام، حيث بدأت الضغوط البرلمانية قبل سنوات من توقيع اتفاق السلام.

هل يُترك الملف للرئيس القادم؟

يبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا أن يغادر ترامب البيت الأبيض من دون التوصل إلى اتفاق سلام مع إيران، لتنتقل هذه المهمة إلى الإدارة التي ستخلفه.

فالحرب، إذا استمرت في فقدان شعبيتها داخل الولايات المتحدة، إلى جانب الضغوط المتزايدة من الكونغرس، قد تدفع الرئيس المقبل إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية تقوم على خفض سقف المطالب والتوصل إلى تسوية دائمة، حتى لو تطلب ذلك الاعتراف بأن بعض أهداف الحرب لم يعد ممكنًا تحقيقها.

وقد شهد التاريخ الأمريكي مواقف مشابهة، عندما فضلت إدارات لاحقة إنهاء نزاعات طويلة عبر حلول تفاوضية بدلاً من الاستمرار في استنزاف الموارد.

وفي الحالة الإيرانية، قد يعني ذلك القبول ببعض الملفات التي تعتبرها طهران غير قابلة للتفاوض، مثل استمرار تخصيب اليورانيوم داخل إيران، أو الإقرار بواقع جديد يتعلق بدورها في مضيق هرمز، وهو الملف الذي كان من أبرز أسباب تجدد المواجهة بين الطرفين.

ورغم أن مثل هذه التنازلات قد تبدو أقل كلفة في ظل تراجع الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة، فإن قبولها سياسيًا لن يكون سهلًا، لأنها تعني عمليًا الإقرار بأن الأهداف التي رُفعت عند بداية الحرب لم تتحقق بالكامل.

في المحصلة، لا يبدو أن العقبة الأساسية أمام التوصل إلى اتفاق تكمن فقط في الخلافات بين واشنطن وطهران، بل أيضًا في ارتباط الحرب بالحسابات السياسية والشخصية للرئيس الأمريكي. فطالما بقيت الحاجة إلى تقديم أي اتفاق بوصفه “انتصارًا” تتقدم على حسابات الكلفة والمصلحة، فإن فرص الوصول إلى تسوية نهائية ستظل محدودة، وقد يتكرر السيناريو الذي عرفته حروب أمريكية سابقة، حيث يترك الرئيس الذي بدأ الحرب مهمة إنهائها للرئيس الذي يأتي بعده.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة + سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى