الصحافة الإيرانية: هل تستطيع بريكس دعم إيران سياسيًا في ظل انقسامات أعضائها؟
رأت صحيفة اطلاعات الإيرانية أن الخلاف بين إيران والإمارات بشأن صياغة البيان الختامي لاجتماع مجموعة بريكس أعاد إلى الواجهة الفجوة بين الصورة المثالية التي تُرسم للمجموعة والواقع العملي.

ميدل ايست نيوز: رأت صحيفة اطلاعات الإيرانية أن الخلاف بين إيران والإمارات بشأن صياغة البيان الختامي لاجتماع مجموعة بريكس أعاد إلى الواجهة الفجوة بين الصورة المثالية التي تُرسم للمجموعة والواقع العملي، متسائلة عما إذا كانت بريكس تمثل بالفعل “الكتلة الشرقية الجديدة” التي يُروَّج لها داخل إيران، أم أنها مجرد تجمع تسعى دوله قبل كل شيء إلى تحقيق مصالحها الوطنية.
وأضافت الصحيفة أن الاجتماع الأخير لوزراء خارجية مجموعة بريكس في نيودلهي اختتم أعماله من دون إصدار بيان مشترك، معتبرة أن ذلك لا يعكس خلافًا دبلوماسيًا عابرًا فحسب، بل يكشف عن انقسامات عميقة داخل هذا التكتل الناشئ.
وذكرت أن التقارير تشير إلى أن خلافًا جوهريًا بين إيران والإمارات بشأن طبيعة التوترات الإقليمية والترتيبات الجيوسياسية الجديدة حال دون التوصل إلى توافق داخل الاجتماع.
واعتبرت أن هذا الإخفاق يطرح سؤالًا أساسيًا أمام السياسة الخارجية الإيرانية، يتمثل في مدى إمكانية الاعتماد على بريكس لتعزيز المصالح الوطنية، ولا سيما في ظل الخطاب الرسمي والإعلامي الذي قدم المجموعة خلال السنوات الأخيرة باعتبارها أكثر من مجرد إطار للتعاون الاقتصادي، بل بوصفها مؤشرًا على “صعود كتلة شرقية جديدة” وبداية تراجع النظام العالمي الذي تقوده الدول الغربية.
وأضافت أن انضمام إيران إلى بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون صُوِّر في بعض الأحيان على أنه “انتصار استراتيجي” قادر على حماية البلاد من الضغوط السياسية والاقتصادية الغربية، إلا أن التطورات الأخيرة تكشف عن وجود فجوة كبيرة بين هذه الصورة المثالية والواقع الذي يحكم العلاقات الدولية.
بريكس… ما هي وما ليست عليه
وأوضحت الصحيفة أن فهم دور بريكس يتطلب أولًا إدراك طبيعة هذه المجموعة، مشيرة إلى أنها، خلافًا لما يُتداول في بعض وسائل الإعلام الإيرانية، ليست تحالفًا عسكريًا ولا تكتلًا استراتيجيًا قائمًا على التزامات أمنية متبادلة، مؤكدة أنها ليست “ناتو شرقيًا”.
وأضافت أن المجموعة تأسست أساسًا على فكرة التقارب الاقتصادي بين القوى الصاعدة، وأن أهدافها تتمثل في إصلاح النظام الاقتصادي العالمي، وتعزيز التعاون بين دول الجنوب، وإعادة النظر في الهياكل المالية الدولية، والانتقال نحو نظام عالمي أكثر تعددية.
وأشارت إلى أن الوثائق الرسمية الصادرة عن اجتماعات بريكس الأخيرة تركز على مفاهيم مثل التعددية، وإصلاح المؤسسات المالية العالمية، وتعزيز دور الاقتصادات الناشئة، أكثر من تركيزها على إنشاء تكتل أمني مناهض للغرب.
ورأت أن نشأة بريكس تمثل ردًا على الاختلال في توزيع القوة داخل الاقتصاد العالمي، أكثر من كونها مشروعًا أيديولوجيًا لمواجهة الغرب، موضحة أن دولًا مثل الصين والهند والبرازيل ترى أن مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لا تزال تعكس موازين القوى القديمة، ولا تمنح الاقتصادات الصاعدة الوزن الذي تستحقه.
واعتبرت أن بريكس تمثل محاولة لإصلاح النظام الدولي القائم، وليس لإسقاطه، مؤكدة أن تصويرها كتحالف مناهض للولايات المتحدة أو كمظلة سياسية وأمنية لأعضائها لا يستند إلى الواقع، رغم الانتقادات التي يوجهها بعض أعضائها للأحادية الغربية، إذ لا تمتلك المجموعة أي آليات ملزمة للتعاون الأمني أو الدفاعي.
بيانات بلا توافق
وأضافت الصحيفة أن آلية اتخاذ القرار داخل بريكس تقوم على الإجماع الكامل، وهو ما يمنح كل عضو حق اعتراض غير رسمي، الأمر الذي يجعل البيانات الختامية تُصاغ عادة وفق الحد الأدنى الممكن من التوافق.
وأوضحت أنه إذا سعت إحدى الدول إلى إصدار موقف حاد ضد الولايات المتحدة، فإن دولًا مثل الهند أو البرازيل أو جنوب إفريقيا، التي تربطها علاقات اقتصادية واسعة مع الغرب، تعرقل ذلك. وحتى الصين وروسيا، رغم تنافسهما الاستراتيجي مع واشنطن، لا ترغبان عادة في تحويل بريكس إلى منصة للمواجهة الشاملة مع الولايات المتحدة، مفضلتين إدارة خلافاتهما عبر القنوات الثنائية.
وأكدت أن بريكس تضم دولًا تتقاطع مصالحها في بعض الملفات، لكن ذلك لا يعني وجود وحدة استراتيجية بينها، إذ لا ترغب أي من الدول الأعضاء في حصر سياستها الخارجية ضمن إطار أيديولوجي واحد، وهو ما يجعل البيانات الختامية تقتصر غالبًا على الدعوة إلى الحوار، وخفض التوتر، ودعم التعددية، مع تجنب تسمية الأطراف أو إصدار إدانات مباشرة.
ورأت أن ما حدث في اجتماع نيودلهي يندرج ضمن هذا السياق، إذ حالت الإمارات، انطلاقًا من أولوياتها واعتباراتها الجيوسياسية، دون صدور البيان الذي كانت طهران تسعى إليه.
ازدياد الوزن العالمي وتراجع الانسجام السياسي
واعتبرت الصحيفة أن معارضة أبوظبي للموقف الإيراني ليست حادثة استثنائية، بل تعكس الانقسامات البنيوية داخل بريكس بعد توسعها، موضحة أن اتساع المجموعة عزز وزنها الاقتصادي والديموغرافي عالميًا، لكنه في المقابل أضعف تماسكها السياسي وقدرتها على التنسيق الاستراتيجي.
وأضافت أن وجود دول ذات عقائد أمنية متباينة، مثل إيران والإمارات، داخل المجموعة جعل التوصل إلى مواقف موحدة أكثر صعوبة، مشيرة إلى أن طهران تعتبر الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة انتهاكًا للقانون الدولي وتتوقع دعمًا سياسيًا من شركائها، في حين تنظر الإمارات، في ظل مسار تطبيعها مع إسرائيل وعلاقاتها الأمنية الوثيقة مع الولايات المتحدة، إلى التهديدات الإقليمية من منظور مختلف.
وأكدت أن هذا التباين يظهر أن أعضاء بريكس لا يضحون بمصالحهم الوطنية أو تنافسهم الإقليمي من أجل التضامن داخل المجموعة، بل يتصرف كل منهم وفق حساباته الجيوسياسية الخاصة.
وأضافت أن المجموعة تواجه أيضًا تناقضات أخرى، أبرزها الخلافات الحدودية والتنافس الإقليمي بين الصين والهند، والتنافس غير المعلن بين الصين وروسيا في آسيا الوسطى وأسواق الطاقة، فضلًا عن توجه البرازيل وجنوب إفريقيا نحو سياسة خارجية متوازنة تبتعد عن الاستقطابات الدولية الحادة.
ورأت أن ازدياد عدد أعضاء بريكس سيجعل الوصول إلى الإجماع أكثر صعوبة، وهو ما يرجح تحولها مستقبلًا إلى منتدى للحوار والتعاون الاقتصادي أكثر من كونها كتلة سياسية متماسكة.
ضرورة خفض سقف التوقعات من بريكس
وأكدت الصحيفة الإيرانية أن تعثر اجتماع نيودلهي يعكس حقيقة النظام الدولي متعدد الأقطاب، حيث لا يؤدي التعاون الاقتصادي بالضرورة إلى تحالفات سياسية أو أمنية.
وأضافت أن انضمام إيران إلى بريكس يمثل خطوة مهمة نحو تنويع علاقاتها الخارجية، لكنه يتطلب قدرًا أكبر من الواقعية والابتعاد عن المبالغة في تقدير الدور السياسي والأمني للمجموعة.
وأوضحت أن بريكس يمكن أن توفر منصة لتوسيع التعاون الاقتصادي وتعزيز العلاقات الدبلوماسية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل استراتيجية شاملة ومتوازنة للسياسة الخارجية الإيرانية.
وأشارت إلى أن أقرب شركاء إيران الشرقيين ليسوا مستعدين للمجازفة بعلاقاتهم مع الاقتصاد العالمي والنظام المالي الدولي من أجل دعم طهران، معتبرة أن عضوية بريكس قد تساعد في توسيع العلاقات الدبلوماسية وتقليل العزلة السياسية نسبيًا، لكنها لا تضمن دعم جميع الأعضاء للمواقف الإيرانية في القضايا الإقليمية الحساسة.
وأضافت أن المجموعة قد تسهم في تسهيل التجارة بالعملات المحلية، وتعزيز التعاون المصرفي، وتقليل الاعتماد على الدولار، إلا أن أعضاءها لا يزالون يأخذون العقوبات الأمريكية على إيران في الحسبان عند التعامل معها، كما أنها لا تمتلك أي آلية للدفاع الجماعي، ولا يمكن التعويل عليها لتقديم دعم عملي في مواجهة التهديدات العسكرية.
أسطورة “التحالف المناهض للغرب”
واختتمت الصحيفة بالقول إن التطورات الأخيرة تؤكد أن تبني رؤية أحادية في السياسة الخارجية لا يضمن تحقيق المصالح الوطنية، بل قد يحد من هامش المناورة الدبلوماسية عبر الإخلال بتوازن العلاقات الخارجية.
وأضافت أن مراجعة تجربة إيران في بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون تظهر أن المكاسب المتحققة، رغم التغطية الإعلامية الواسعة داخل البلاد، بقيت في معظمها ذات طابع رمزي.
وأوضحت أن الصين تنظر في علاقتها مع إيران إلى أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي ومصالحها الاقتصادية طويلة الأمد، بينما تستخدم روسيا إيران كورقة في موازنة علاقاتها مع الغرب، مع حرصها الدائم على عدم إغلاق باب التفاوض والمساومة مع الدول الغربية.
وأكدت أن الدول في النظام الدولي تتحرك انطلاقًا من مصالحها الوطنية قبل أي اعتبارات أيديولوجية أو شعارات سياسية، معتبرة أن نجاح السياسة الخارجية الإيرانية لا يكمن في الانحياز المطلق إلى الشرق أو العودة إلى الاعتماد على الغرب، بل في الحفاظ على التوازن، وتنويع الشراكات، وتقليل التوترات غير الضرورية، وتعزيز القدرة على التفاوض مع جميع الأطراف.


