صحيفة إيرانية تحذر من رفع أسعار البنزين وتقترح حلولًا بديلة

رأت صحيفة اعتماد الإيرانية أن إدارة استهلاك البنزين في البلاد أصبحت ضرورة ملحة، لكنها اعتبرت أن رفع الأسعار ليس الحل المناسب في الظروف الحالية.

ميدل ايست نيوز: رأت صحيفة اعتماد الإيرانية أن إدارة استهلاك البنزين في البلاد أصبحت ضرورة ملحة، لكنها اعتبرت أن رفع الأسعار ليس الحل المناسب في الظروف الحالية، محذرة من أن مثل هذا القرار قد يفرض تكاليف اجتماعية واقتصادية باهظة.

وقالت الصحيفة المحسوبة على التيار الإصلاحي إن حديث الحكومة الإيرانية عن احتمال رفع أسعار البنزين بهدف ترشيد الاستهلاك تحول خلال الأيام الأخيرة إلى محور نقاش بين الخبراء والمسؤولين ووسائل الإعلام، مشيرة إلى أن البنزين كان في كل مرة تقريبًا يشهد فيها زيادة في الأسعار سببًا في أزمات كبيرة، وأحيانًا دامية، في إيران.

وأضافت أن البنزين، في ظل الظروف الراهنة التي تشهدها المنطقة من تهديدات أمنية متواصلة، إلى جانب الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد الإيراني نتيجة الحرب والعقوبات والقيود المالية، لم يعد مجرد مشتق نفطي أو سلعة استهلاكية، بل أصبح موردًا استراتيجيًا وجزءًا من الأمن القومي، ما يجعل إدارة استهلاكه أمرًا منطقيًا وضروريًا.

وأوضحت اعتماد أن استهلاك البنزين في إيران يبلغ حاليًا نحو 140 مليون لتر يوميًا، ومن المتوقع أن يرتفع خلال الأشهر المقبلة إلى 162 مليون لتر يوميًا، مع عجز يقدر بنحو 33 مليون لتر يوميًا بسبب عدم كفاية الإنتاج المحلي، وهو ما يستدعي استيراد هذه الكميات بتكلفة مرتفعة.

وأضافت أن كل لتر يجري توفيره اليوم لا يقلل فقط من الأعباء الاقتصادية، بل يتيح موارد إضافية لدعم الإنتاج والنقل والخدمات العامة وإدارة الأزمات، معتبرة أن خفض الاستهلاك اليومي بمقدار 13 مليون لتر، أي ما يعادل نحو 11% من إجمالي الاستهلاك، يمثل ضرورة وطنية وليس مجرد هدف اقتصادي.

وأشارت إلى أن رفع أسعار الوقود كان في السابق الوسيلة الأسرع للحد من الاستهلاك، إلا أن الظروف الحالية لا تسمح بذلك، موضحة أن كثيرًا من الخبراء يرون أن أي زيادة في أسعار البنزين في ظل أجواء الحرب والضغوط المعيشية قد تترك آثارًا اجتماعية ونفسية واسعة، وتؤدي إلى خسائر تفوق المكاسب الاقتصادية المتوقعة.

ودعت الصحيفة الإيرانية إلى تبني سياسة تقوم على إدارة الاستهلاك دون رفع الأسعار، معتبرة أن هذا الهدف، رغم صعوبته، قابل للتحقيق عبر حزمة من الإجراءات الإدارية والفنية والثقافية.

ورأت أن المحور الأول يتمثل في تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة، مؤكدة أن أي دولة لم تنجح في خفض استهلاك الوقود من خلال الدعوات التوعوية فقط، بل عبر توفير بدائل فعالة، وعلى رأسها تطوير وسائل النقل العام، ولا سيما شبكات السكك الحديدية داخل المدن وضواحيها.

وأشارت إلى أن خطوط السكك الحديدية القائمة، مثل خطوط طهران–كرج، وطهران–برند، وطهران–ورامين وغيرها، لا تزال تعمل دون استغلال كامل لقدراتها، وأن زيادة عدد العربات وتقليص الفواصل الزمنية بين الرحلات وتحسين الوصول إلى المحطات يمكن أن يسهم في تقليل أعداد السيارات ذات الراكب الواحد.

وأضافت أن تحديث أسطول الحافلات وتعزيزه يجب أن يكون من أولويات الحكومة، معتبرة أن الاستعانة المؤقتة بحافلات مستعملة مطابقة للمواصفات أفضل من انتظار سنوات لشراء أساطيل جديدة، إذ يمكن لكل حافلة أن تحل محل عشرات السيارات الخاصة وتوفر مئات اللترات من البنزين يوميًا.

كما شددت على ضرورة توسيع استخدام الوقود البديل، وفي مقدمته الغاز الطبيعي المضغوط (CNG)، الذي تعرض، بحسب الصحيفة، لإهمال كبير خلال السنوات الماضية، رغم أنه أقل تكلفة وأكثر توفرًا من البنزين، وأن تشجيع استخدامه عبر حوافز مالية يمثل وسيلة سريعة لتقليل الاستهلاك.

وأوضحت أن سعر الكيلوغرام الواحد من الغاز الطبيعي المضغوط يبلغ حاليًا 650 تومانًا، وأن تعبئة خزان سيارة تعمل بالغاز لا تتجاوز كلفتها 10 آلاف و400 تومان، في حين تبلغ كلفة تعبئة خزان وقود بسعة 60 لترًا من البنزين المدعوم بسعر 1500 تومان للتر نحو 8.6 أضعاف هذا المبلغ، وترتفع إلى 28.8 ضعفًا إذا كان سعر البنزين 5000 تومان للتر.

وأضافت أن وجود نحو 2300 محطة لتزويد المركبات بالغاز الطبيعي المضغوط، إلى جانب نحو 4.5 ملايين مركبة تعمل بالوقود المزدوج وتحصل في الوقت نفسه على حصص من البنزين، يشكل فرصة مناسبة لخفض الاستهلاك بسرعة.

ودعت الحكومة إلى تعميم خطة وزارة النفط الخاصة بتوفير الغاز الطبيعي المضغوط مجانًا في ألف محطة لتشمل جميع المحطات في البلاد، إضافة إلى تحمل تكاليف تحويل جميع أنواع السيارات للعمل بالوقود المزدوج وتسريع تنفيذ هذه العملية.

ورأت أن المحور الثاني يتمثل في إدارة الطلب على التنقل، مشيرة إلى أن جزءًا كبيرًا من التنقلات في المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى ليس ضروريًا، وأن تجربة الأعوام الماضية أثبتت إمكانية تنفيذ نسبة كبيرة من الأعمال الإدارية والتعليمية والخدمية عن بُعد أو بنظام العمل الهجين.

وأضافت أن اعتماد العمل عن بُعد ليومين أسبوعيًا حتى لجزء من موظفي الدولة يمكن أن يؤدي إلى إلغاء ملايين الرحلات داخل المدن، كما أن توفير وسائل نقل جماعية للعاملين في المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى من شأنه تقليل استخدام السيارات الخاصة، وخفض استهلاك الوقود والازدحام والتلوث.

أما المحور الثالث، فيتمثل في إصلاح إدارة شبكة توزيع الوقود، حيث أشارت الصحيفة إلى أن البنية التحتية للبطاقة الذكية للوقود يمكن أن تتحول من مجرد وسيلة للتوزيع إلى أداة لإدارة الاستهلاك، عبر الحد من استخدام بطاقات المحطات وتشجيع استخدام البطاقات الشخصية، بما يسمح برصد أنماط الاستهلاك واكتشاف البطاقات المؤجرة وعمليات التهريب باستخدام تحليل البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأضافت أن المحور الرابع يتمثل في رفع كفاءة أسطول المركبات، إذ إن عددًا كبيرًا من السيارات يستهلك وقودًا يفوق المعدلات الطبيعية بسبب تقادمها أو ضعف صيانتها، داعية إلى تنفيذ برنامج وطني لتشديد الفحص الفني وضبط المحركات واستبدال القطع المستهلكة ومراقبة أنظمة الانبعاثات، بما يؤدي إلى خفض استهلاك ملايين السيارات دون استثمارات كبيرة.

وأكدت كذلك أهمية تسريع إخراج المركبات القديمة جدًا من الخدمة، ولا سيما سيارات الأجرة والشاحنات الصغيرة والمركبات الخدمية.

وشددت على ضرورة تطوير الإدارة الذكية لحركة المرور، موضحة أن جزءًا كبيرًا من البنزين يهدر بسبب الاختناقات المرورية والتوقف الطويل للمركبات، وأن تحسين تنسيق إشارات المرور، وإعادة تصميم التقاطعات، وتوجيه السائقين إلى الطرق البديلة، وتقييد حركة الشاحنات خلال ساعات الذروة، كلها إجراءات من شأنها تقليل زمن الرحلات وخفض استهلاك الوقود.

ورأت الصحيفة أن العنصر الأهم في هذه الاستراتيجية هو مشاركة المواطنين، مشيرة إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن رأس المال الاجتماعي وروح التضامن الوطني يشكلان أكبر عوامل النجاح في الأزمات.

ودعت إلى إطلاق مبادرات مثل “الثلاثاء بلا سيارات”، و”التنقل المشترك مع الزملاء”، و”سيارة واحدة لكل أسرة في أيام العمل”، وزيادة استخدام وسائل النقل العام، معتبرة أن هذه المبادرات يمكن أن تتحول إلى حملة مجتمعية واسعة إذا حظيت بدعم إعلامي مناسب.

وأضافت أن ملاحظة حركة السير داخل المدن تظهر أن عددًا كبيرًا من السيارات يسير براكب واحد فقط، وهو ما يستدعي وضع حلول عملية، مؤكدة أن نجاح أي سياسة يتطلب شعور المواطنين بأن الحكومة بدورها تعمل على ترشيد استهلاك الوقود داخل مؤسساتها، وتقليص تنقلات المسؤولين غير الضرورية، وضبط المهمات الإدارية، وتعزيز الشفافية في إدارة الطاقة، ومكافحة تهريب الوقود.

واختتمت الصحيفة بالقول إن خفض الاستهلاك اليومي للبنزين لا يمكن أن يتحقق بقرار واحد أو بتعميم إداري، بل يتطلب حزمة متكاملة من السياسات تشمل تعزيز النقل العام، وتقليل الاستهلاك غير الضروري، ورفع كفاءة المركبات، وتطبيق إدارة ذكية للوقود، وإشراك المواطنين بوصفهم الشريك الأساسي في هذه العملية، مؤكدة أن التجارب السابقة تثبت أن اللجوء إلى رفع أسعار البنزين هو أسوأ وسيلة لإدارة الاستهلاك.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر + اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى