طموحات تركيا النووية: رهان على الغموض، وليس على القنبلة

تتأرجح الطموحات النووية التركية منذ فترة طويلة بين الالتزامات الرسمية بعدم انتشار الأسلحة النووية والتحوط الاستراتيجي، لكن التصريحات الأخيرة الصادرة من أنقرة تشير إلى تحول حاسم في طريقة التفكير.

ميدل ايست نيوز: تتأرجح الطموحات النووية التركية منذ فترة طويلة بين الالتزامات الرسمية بعدم انتشار الأسلحة النووية والتحوط الاستراتيجي، لكن التصريحات الأخيرة الصادرة من أنقرة تشير إلى تحول حاسم في طريقة التفكير. فقد أشار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في فبراير/شباط 2026، إلى احتمال أن تضطر تركيا إلى امتلاك أسلحة نووية، في تصريحات جاءت بعد سنوات من المواقف المتزايدة حدة للرئيس رجب طيب أردوغان. ويشير ذلك إلى أن تركيا قد تسعى إلى الحفاظ على خيار التسلح النووي من دون أن تتجه علناً إلى امتلاك قنبلة نووية.

وحسب تقرير لمعهد الشرق الأوسط، أفاد به موقع “ميرو” يعكس هذا التطور تلاقي عدة عوامل، من بينها تراجع الثقة بضمانات الأمن التي يوفرها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتهديد النووي الإيراني، والترسانة النووية الإسرائيلية غير المعلنة، وتآكل ما يُعرف بـ«المعيار الذهبي» في الاتفاق النووي الأمريكي-السعودي. وتتحرك الطموحات النووية التركية اليوم في منطقة رمادية، إذ توفر البنية التحتية النووية المدنية، وتطوير الصواريخ، وعضوية تركيا في مجموعة موردي المواد النووية، قدرات يمكن أن تشكل أساساً لقدرة نووية كامنة.

ويرى المقال أن أنقرة من المرجح أن تتجه نحو التحوط النووي، عبر وضع الأسس التكنولوجية والمؤسسية التي تتيح لها التحول سريعاً إلى التسلح إذا تغيرت الظروف، بدلاً من السعي الفعلي إلى امتلاك القنبلة. وتحافظ هذه الاستراتيجية على الغموض الاستراتيجي، وتبقي على قيمة الردع، وتتجنب العزلة التي قد يسببها التسلح النووي العلني. ويُعد فهم هذه الحسابات ضرورياً بالنسبة إلى واشنطن، التي يتعين عليها إدارة المسار النووي لتركيا من دون دفعها نحو وضع العتبة النووية. وسيتوقف التوازن بين الطمأنة ووضع الخطوط الحمراء على ما إذا كانت تركيا ستبقى دولة غير نووية أم ستتحول إلى مصدر جديد لأزمة انتشار نووي.

تحولات الخطاب النووي التركي

في أوائل فبراير/شباط 2026، أشار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى أن التحولات في الديناميكيات الدولية قد تدفع تركيا إلى امتلاك أسلحة نووية، ما أعاد إشعال نقاش قديم في الغرب بشأن الطموحات النووية لأنقرة.

ولم تكن المخاوف الأمريكية بشأن سعي تركيا المحتمل إلى تطوير أسلحة نووية جديدة. ففي عام 1966، أشارت مذكرة سرية كتبها كلارنس ويندل، الملحق العلمي في السفارة الأمريكية بأنقرة، إلى احتمال أن تكون تركيا تتجه نحو السعي إلى امتلاك أسلحة نووية. واستند ويندل في ذلك إلى عدة تطورات، من بينها «التأكيدات التركية المتكررة بوجود خطة لبناء مفاعل نووي بقدرة 200 ميغاواط في إسطنبول، وتخزين احتياطيات تتراوح بين 300 و600 طن من اليورانيوم منخفض الجودة، إضافة إلى تكتيكات التأخير والمساومة التي اتبعها المفاوضون الأتراك خلال المفاوضات بشأن اتفاقية التعاون النووي السلمي الثنائية، والتي كانت تتعلق بصورة أساسية بنقل مسؤولية الضمانات من الولايات المتحدة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

ولم يكن السفير الأمريكي آنذاك يعتقد أن تركيا مصممة على المضي نحو امتلاك السلاح النووي، لكنه اعتبر أن أنقرة ربما كانت تستعد لخطة طوارئ في حال تسارعت وتيرة سباق التسلح النووي في المنطقة.

ومع ذلك، تحولت تركيا خلال العقود اللاحقة إلى مدافع قوي عن عدم انتشار الأسلحة النووية. فقد انضمت إلى الإطار القانوني الدولي لنظام عدم الانتشار من خلال معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ثم البروتوكول الإضافي. وإلى جانب هذه الالتزامات الرسمية، دافع صانعو السياسات الأتراك عن معايير عدم الانتشار في المحافل الدولية، وروّجوا لفكرة إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية، ودعوا إلى نزع السلاح النووي على المستوى العالمي.

لكن هذا الموقف بدأ يتغير. فتصريحات وزير الخارجية فيدان ليست سوى أحدث حلقة في سلسلة من التصريحات العلنية التي تحدى فيها الرئيس رجب طيب أردوغان ومسؤولون أتراك آخرون، بصورة متزايدة، معايير عدم الانتشار، بل ألمحوا أحياناً إلى اهتمامهم بامتلاك أسلحة نووية.

وقد أثارت هذه التصريحات، إلى جانب برامج الطاقة النووية المدنية والبحثية في تركيا ومشروعات تطوير الصواريخ الباليستية، مخاوف من أن تشكل هذه القدرات في نهاية المطاف العمود الفقري لبرنامج أسلحة نووية تركي.

وعلى الرغم من أن تركيا لا تزال بعيدة عن امتلاك القدرات التقنية اللازمة لتطوير برنامج أسلحة نووية، وأن مصالحها الوطنية لا تزال تميل إلى ضبط النفس النووي، فإن التحول في خطاب صناع السياسة يشير إلى تغير أوسع في طريقة تفكير أنقرة. وقد برز هذا التحول بصورة خاصة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة ضد أردوغان عام 2016.

لكن البيئة الأمنية الإقليمية والدولية المتغيرة تعزز دوافع أنقرة ومنطق انتقالها من دورها التقليدي كمدافع عن عدم انتشار الأسلحة النووية إلى استراتيجية التحوط النووي، وهي استراتيجية تحافظ على خيار تطوير الأسلحة النووية من دون السعي الفعلي إلى إنتاجها، من خلال بناء الأسس التكنولوجية والمؤسسية التي يمكن أن تسهّل عملية التسلح وتسرّعها إذا تغيرت الظروف.

تطور الطموحات النووية لتركيا

على مدى عقود، بعد أن أعلنت تركيا لأول مرة سياستها بشأن الأسلحة النووية عام 1959، أبدت أنقرة اهتماماً محدوداً بتطوير أسلحة نووية خاصة بها. ويمكن تفسير إحجام تركيا عن السعي إلى امتلاك القنبلة بثلاثة عوامل رئيسية: رغبتها في الحفاظ على علاقات قوية مع الغرب وترسيخ صورتها بوصفها «عضواً مسؤولاً في المجتمع الدولي»؛ واعتقادها بأن المظلة النووية لحلف شمال الأطلسي توفر أفضل وسيلة للردع في مواجهة الخصوم ومنع انتشار الأسلحة النووية في المنطقة؛ وإيمانها بأن النظام الدولي لعدم انتشار الأسلحة النووية يمثل وسيلة فعالة لمنع انتشار هذه الأسلحة.

وعلى الرغم من التوترات الدورية والتقلبات المتكررة في علاقتها مع الولايات المتحدة، واصلت تركيا تقدير عضويتها في الناتو، واستضافت أسلحة نووية أمريكية منتشرة في إطار ترتيبات الحلف. ومع اكتساب علاقة أنقرة بالغرب بُعداً إضافياً من خلال مساعيها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، تعزز التزامها بالنظام الدولي لعدم الانتشار. وحتى مع تحول البرنامج النووي الإيراني إلى قضية رئيسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة ودول المنطقة، ظلت أنقرة تعتقد أن الدبلوماسية هي الوسيلة الأفضل للتعامل مع التحدي النووي الإيراني.

وتجلت هذه التوجهات في التزامات تركيا الرسمية تجاه نظام عدم انتشار الأسلحة النووية. فقد صدقت تركيا على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عام 1980، ملتزمة رسمياً بالبقاء دولة غير حائزة للأسلحة النووية. وفي العام التالي، دخل اتفاق الضمانات الشاملة بينها وبين الوكالة الدولية للطاقة الذرية حيز التنفيذ، ما أخضع المواد والأنشطة النووية التركية للتحقق الدولي.

وعززت أنقرة هذه الالتزامات من خلال توقيع البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 2000، والذي منح الوكالة صلاحيات أوسع للتحقق من عدم وجود مواد أو أنشطة نووية غير معلنة. كما انضمت تركيا إلى ركائز أخرى من نظام الأمن النووي الدولي، بما في ذلك معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية واتفاقية الحماية المادية للمواد النووية، ما رسخ مكانتها في منظومة عدم الانتشار والضمانات الدولية.

وبعيداً عن التزاماتها الرسمية تجاه نظام عدم انتشار الأسلحة النووية، لعبت أنقرة دوراً نشطاً في الدفاع عن معايير عدم الانتشار. وكثيراً ما انتقدت تركيا ما اعتبرته ازدواجية في المعايير الغربية، حيث يجري التساهل مع البرامج النووية في الهند وباكستان وإسرائيل، بينما تتخذ مواقف أكثر تشدداً تجاه ليبيا والعراق وإيران وكوريا الشمالية.

كما دافعت أنقرة عن حق الدول الأعضاء في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في تخصيب اليورانيوم، وأشارت إلى إمكانية سعي تركيا نفسها إلى امتلاك قدرة على التخصيب إذا اقتضت احتياجات برنامجها النووي المدني ذلك.

ومع ذلك، وحتى عام 2016، ظل صناع السياسة الأتراك يدافعون باستمرار عن إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، ثم عن نزع السلاح النووي على نطاق عالمي أوسع. وعندما وُجهت إليهم أسئلة حول ذلك، نفوا بصورة قاطعة وجود أي نية أو قدرة لدى تركيا لتطوير أسلحة نووية.

وخلال توليه منصب رئيس الوزراء، عبّر أردوغان عن موقف أنقرة في خطاب عام عام 2009، في وقت كانت فيه الضغوط الغربية على إيران بسبب برنامجها النووي تتزايد. وقال إن تركيا «تعارض تماماً الأسلحة النووية في الشرق الأوسط»، منتقداً ما اعتبرته أنقرة ازدواجية في المعايير: «هناك دول تمتلك أسلحة نووية في الشرق الأوسط، مثل إسرائيل. وهناك فرق: إسرائيل ليست عضواً في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بينما إيران عضو فيها».

وفي عام 2013، أشار وزير الخارجية آنذاك أحمد داود أوغلو إلى النقطة نفسها خلال مؤتمر دولي في إسطنبول حضره وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، قائلاً: «الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل جريمة ضد الإنسانية، أينما وجدت، وأياً كان من يمتلكها، ولأي غرض تستخدم».

ودعا داود أوغلو المجتمع الدولي إلى تبني موقف موحد تجاه الأسلحة النووية، وأكد التزام تركيا بإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، مشدداً على أن أنقرة لن تتبنى أبداً خطاباً يتعارض مع مبدأ عدم الانتشار.

وفي عام 2014، رفض المسؤولون الأتراك بصورة قاطعة الادعاءات بأن أنقرة تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية. ورداً على مقال مثير للجدل نشرته صحيفة «دي فيلت» في 21 سبتمبر/أيلول، وزعم أن أردوغان يشرف على برنامج سري للأسلحة وأن تركيا حصلت بالفعل على أجهزة طرد مركزي لتخصيب اليورانيوم من باكستان، أكد وزير الطاقة التركي أن بلاده لا تملك النية أو القدرة على بناء سلاح نووي.

وبعد عام، كرر وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو أن تركيا لم تسعَ قط إلى امتلاك أسلحة نووية، وأنها تعارض حصول إيران عليها أو حصول أي دولة إقليمية أخرى عليها، بما في ذلك السعودية ومصر وإسرائيل، بصورة ضمنية.

محاولة الانقلاب تعيد تشكيل الحسابات الأمنية

شكلت محاولة الانقلاب عام 2016 نقطة تحول في الخطاب الحكومي التركي بشأن عدم انتشار الأسلحة النووية. وجاءت المحاولة في ظل تدهور البيئة الأمنية في محيط تركيا المباشر وتصاعد التوترات مع حلفائها في الناتو، ولا سيما الولايات المتحدة. كما أدت الحرب في سوريا إلى زيادة حادة في شعور أنقرة بالضعف الأمني.

وأدى تعاون واشنطن مع حزب العمال الكردستاني (PKK) والميليشيات الكردية السورية المرتبطة به ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى إضعاف العلاقات التركية-الأمريكية، بينما زادت ردود الفعل الروسية بعد إسقاط تركيا طائرة روسية في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2015 من المخاوف الأمنية لأنقرة.

وكان الناتو قد نشر بطاريات صواريخ باتريوت في تركيا مطلع عام 2013، بناءً على طلب أنقرة، مع تصاعد الحرب الأهلية السورية. لكن في أغسطس/آب 2015، أعلنت الولايات المتحدة وألمانيا أنهما ستسحبان بطارياتهما، ولم تبقَ في تركيا سوى البطارية الإسبانية التي كانت قد حلت في وقت سابق من العام محل بطارية هولندية.

وبررت برلين قرارها بالقول إن التهديد الإقليمي الرئيسي أصبح تنظيم داعش، الذي لا يمتلك صواريخ باليستية. وكان أردوغان، الذي كان يخشى تداعيات نشر موسكو أنظمة دفاع جوي متقدمة في سوريا، يحث الحلفاء على إبقاء البطاريات في تركيا.

وفي نهاية المطاف، ورغم بقاء البطارية الإسبانية، مضت الولايات المتحدة وألمانيا في الانسحاب، ما عزز الشكوك في أنقرة بشأن مدى قدرتها على الاعتماد على الناتو في حال وقوع أزمة.

وعمقت محاولة الانقلاب الفاشلة هذه الشكوك. فقد اشتكى أردوغان من بطء إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما في إدانة محاولة الانقلاب، وانتقد واشنطن مراراً لاستضافتها رجل الدين فتح الله غولن، الذي اتهمه بأنه العقل المدبر للمحاولة.

وبدأت لغة أردوغان بشأن الأسلحة النووية تتغير. ففي عام 2017، أقر بأن الأسلحة النووية تتعارض مع الإسلام، لكنه أضاف أن «الصراع على القوة في العالم يتطلب منك امتلاك مثل هذه الأسلحة، حتى لو لم تكن ترغب في ذلك».

وبحلول عام 2019، أصبحت تصريحاته أكثر وضوحاً. ففي اجتماع لحزب العدالة والتنمية في مدينة سيواس، أشاد أردوغان بالتقدم الذي أحرزته تركيا في صناعاتها الدفاعية وانخفاض اعتمادها على الأمن الغربي، وقال: «بعض الدول لديها صواريخ برؤوس نووية، وليس صاروخاً أو اثنين فقط. لكنهم يقولون لنا إنه لا يمكننا امتلاكها. هذا أمر لا أستطيع قبوله».

وأضاف: «لا توجد دولة متقدمة في العالم لا تمتلكها. جميعها تمتلكها»، قبل أن يقول لاحقاً: «نحن نعمل على هذا».

عالم متغير يغذي إعادة التفكير النووي في تركيا

يبدو أن ديناميكيات الحرب مع إيران عززت مبررات تغيير الموقف التركي من الأسلحة النووية. ويعتقد المسؤولون الأتراك الذين أجرى الكاتب مقابلات معهم أن القيادة الإيرانية الجديدة التي ظهرت بعد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية في 28 فبراير/شباط 2026، من المرجح أن تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية أكثر من القيادة السابقة، التي كانت أنقرة تعتبرها أكثر حذراً وتقييداً في ما يتعلق بالتسلح.

وعلى الرغم من أن علاقة تركيا بإيران كانت تاريخياً أقل صداماً من علاقاتها مع دول الخليج، فإن أنقرة لا تزال ترى في إيران مسلحة نووياً تهديداً أمنياً خطيراً، وقد يؤدي ذلك إلى سباق تسلح نووي إقليمي.

وفي المقابلات، أشار دبلوماسيون أتراك إلى الصواريخ التي أطلقتها إيران باتجاه تركيا خلال الحرب بوصفها دليلاً على هذا الخطر الجديد. وقد اعترض الناتو هذه الصواريخ، وعلى الرغم من نفي إيران إطلاقها، فإن المسؤولين الأتراك أشاروا مراراً إلى أن طهران كانت وراء الهجمات.

وكان كثيرون في أنقرة يفترضون أن إيران لن تقدم على مثل هذا الخطر ضد دولة عضو في الناتو. لكن الهجمات تحدت هذا الافتراض، وعززت الاعتقاد بأن نظاماً إيرانياً يقاتل من أجل بقائه قد يقدم على مخاطر كانت تعتبر في السابق غير واردة.

ويتمثل التطور الثاني الذي يزيد المخاوف التركية في صعود إسرائيل أكثر عدوانية، وفي نظر أنقرة أكثر تهوراً. فقد حافظت إسرائيل منذ فترة طويلة على سياسة الغموض المتعمد بشأن ترسانتها النووية، وهو نهج دعمته الإدارات الأمريكية المتعاقبة بصورة فعالة.

وبالنسبة إلى النخبة الحاكمة في تركيا، فإن تهديدات وزير إسرائيلي باستخدام الأسلحة النووية في غزة لا تمثل مجرد اعتراف نادر بالقدرة النووية الإسرائيلية، بل تؤكد أيضاً المخاطر المرتبطة باستمرار اختلال التوازن النووي في المنطقة.

ومن وجهة نظر أنقرة، يمكن لمثل هذه التصريحات أن تمنح دولاً أخرى حافزاً أكبر للسعي إلى امتلاك قدرة ردع خاصة بها. ومن خلال مواصلة دعم إسرائيل حتى عندما يلوح مسؤولون فيها بإمكانية استخدام سلاح نووي، عززت الولايات المتحدة الشكوى التي تكررها تركيا منذ عقود، ومفادها أن نظام عدم الانتشار النووي العالمي يطبق معياراً على إسرائيل وآخر على منافسيها الإقليميين.

ومن التطورات الحديثة الأخرى التي تعزز، في نظر النخبة الحاكمة التركية، من أهمية الخطاب المتغير لأنقرة، الاتفاق النووي السعودي الذي أحالته الإدارة الأمريكية إلى الكونغرس في أواخر أغسطس/آب. ومن شأن الاتفاق أن يفتح الباب أمام تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية من دون منحها موافقة صريحة على ذلك، في انتظار نتائج دراسة أمريكية-سعودية مشتركة بشأن الجدوى الاقتصادية لمثل هذا البرنامج.

ويمثل الاتفاق خروجاً عن «المعيار الذهبي» للتعاون النووي المدني الأمريكي، والمتمثل في التزام قانوني ملزم بموجب اتفاقيات القسم 123 بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم محلياً وإعادة معالجة الوقود المستهلك، كما وافقت الإمارات العربية المتحدة على ذلك في اتفاقية التعاون النووي التي وقعتها مع الولايات المتحدة عام 2009.

وترى أنقرة في الاتفاق مؤشراً آخر على أن دول المنطقة أصبحت أكثر جدية في إبقاء خيار امتلاك الأسلحة النووية مفتوحاً. والأهم من ذلك أن حقيقة تسهيل واشنطن لهذا البرنامج تشير، في نظر المسؤولين الأتراك، إلى أن الولايات المتحدة نفسها تخفف موقفها بشأن عدم الانتشار.

ويأتي هذا التحول في وقت تتساءل فيه أنقرة، شأنها شأن العديد من حلفاء الولايات المتحدة، بصورة متزايدة عن مدى موثوقية واشنطن. فقد عززت حرب إيران الانطباع في تركيا بأن الولايات المتحدة أصبحت أكثر استعداداً لتحمل مخاطر عسكرية كبيرة في المنطقة من دون إيلاء مصالح حلفائها الأمنية ما يكفي من الاهتمام.

وتظهر مخاوف مماثلة بصورة متزايدة خارج الشرق الأوسط، ما يعزز شعور أنقرة بأن المشهد النووي نفسه آخذ في التغير.

وقد غذت المخاوف من احتمال تراجع واشنطن عن التزاماتها الأمنية طويلة الأمد النقاشات النووية بين عدد من حلفاء الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، دعا الرئيس البولندي كارول ناوروكي إلى اتباع استراتيجية بولندية «قائمة على القدرة النووية»، بينما دعا سياسيون بارزون في كوريا الجنوبية إلى تطوير «الكمون النووي»، مع التركيز على الحفاظ على خيار امتلاك أسلحة نووية في نهاية المطاف.

وفي الوقت نفسه، عدّل البرلمان الفنلندي مؤخراً تشريعات الطاقة النووية في البلاد لإلغاء الحظر المطلق على الأسلحة النووية. ومن منظور أنقرة، تعزز هذه التطورات استنتاجاً أوسع مفاده أنه مع تآكل الثقة بضمانات الأمن الأمريكية وتزايد تطبيع مفهوم التحوط النووي، بات لدى تركيا مزيد من الأسباب لإعادة النظر في سياسة ضبط النفس النووي التي اتبعتها لفترة طويلة.

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل تركيا النووي

الاعتماد على الناتو وحده

منذ انضمامها إلى الناتو عام 1952، اعتمدت تركيا على الحلف، ولا سيما الولايات المتحدة، لتوفير الردع النووي الممتد. كما أنها واحدة من خمس دول أعضاء في الناتو تستضيف أسلحة نووية تكتيكية أمريكية، مع تخزين قنابل الجاذبية من طراز B61 في قاعدة إنجرليك الجوية.

وتظل هذه الأسلحة خاضعة لحراسة ورقابة أمريكية صارمة، بما في ذلك الرموز اللازمة لتسليحها. وقد جرى تحديث مرافق التخزين في القاعدة بصورة متكررة، لكن التوترات بين أنقرة وواشنطن وحالات عدم الاستقرار الإقليمي المتكررة غذت تكهنات مستمرة باحتمال نقل هذه الأسلحة في نهاية المطاف إلى خارج تركيا.

وبالنسبة إلى أنقرة، كانت عضوية الناتو والمظلة النووية الأمريكية لوقت طويل من ركائز السياسة الأمنية التركية. وخلال الحرب الباردة، أولت تركيا أهمية خاصة للردع الذي توفره الأسلحة النووية الأمريكية في مواجهة الاتحاد السوفيتي. غير أن تجربتها مع الناتو ولّدت أيضاً شكوكاً مستمرة بشأن موثوقية الضمانات الأمنية التي يقدمها الحلفاء.

فقد أثار حظر الأسلحة الأمريكي المفروض عام 1974 بعد التدخل التركي في قبرص، إضافة إلى تردد الناتو في تلبية طلبات أنقرة المتعلقة بأنظمة الدفاع الصاروخي التي يوفرها الحلفاء خلال حرب الخليج الأولى، تساؤلات حول مدى عدم مشروطية الحماية التي توفرها المادة الخامسة من معاهدة الحلف.

وفي الآونة الأخيرة، عززت حرب إيران وقرار الولايات المتحدة إلغاء بيع طائرات F-35 لتركيا، إلى جانب تهديدات الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب من الناتو وعدم الاستقرار الأوسع في الالتزامات الأمريكية، مخاوف أنقرة. ويخشى المسؤولون الأتراك من أنهم لا يستطيعون دائماً افتراض أن أولويات تركيا الأمنية ستتوافق مع أولويات حلفائها أو أنهم سيدافعون عنها.

ولم يؤدِ استبعاد أنقرة من برنامج F-35 إلى توسيع فجوة الثقة فحسب، بل أضاف أيضاً بُعداً عملياً إلى هذه الشكوك. فقد كانت تركيا تخطط للحصول على ما لا يقل عن 100 طائرة من طراز F-35A، التي جرى اعتمادها لحمل القنبلة النووية المطورة B61-12، وكان من المتوقع أن تستخدمها تركيا في حال نشوب حرب نووية ضمن استراتيجية تقاسم الأسلحة النووية التابعة للناتو.

وبعد أن استبعدت واشنطن تركيا من البرنامج بسبب شرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية S-400، أصبحت أنقرة من دون طائرات الجيل الخامس التي كانت تتوقع أن تؤدي هذا الدور، ما جعل تركيا الدولة الوحيدة في الناتو المشاركة في ترتيبات تقاسم الأسلحة النووية التي لم تنتقل إلى طائرات F-35.

وما لم تحصل تركيا على طائرة أخرى معتمدة لحمل الأسلحة النووية، وهي عملية طويلة ومعقدة سياسياً، فإنها تخاطر بالانتقال من دولة مشاركة فعلياً في مهمة تقاسم الأسلحة النووية إلى مجرد دولة مضيفة للأسلحة النووية الأمريكية.

وفي هذه الحالة، سيتعين على تركيا الاعتماد على طائرات أمريكية متمركزة في أماكن أخرى في أوروبا لحمل الأسلحة النووية المخزنة على أراضيها، إذ لا توجد طائرات أمريكية قادرة على أداء هذه المهمة متمركزة بصورة دائمة في قاعدة إنجرليك الجوية.

وتجعل هذه العوامل مجتمعة الاعتماد على الناتو وحده في مجال الردع النووي أقل جاذبية لأنقرة بصورة متزايدة.

السعي إلى امتلاك القنبلة

على الرغم من أن التوسع في الطاقة النووية، وزيادة توافر أنظمة إيصال قادرة على حمل أسلحة نووية، والتقدم في التقنيات ذات الصلة، وتزايد توافر المواد الانشطارية وإنتاجها، جعلت وصول الدول إلى وضع العتبة النووية أسهل وأقل تكلفة، فإن المضي نحو امتلاك السلاح النووي لا يزال خياراً محفوفاً بالمخاطر.

فقد تراجعت معظم الدول التي درست خيار امتلاك أسلحة نووية عن هذا المسار في نهاية المطاف. واختارت دول قليلة، من بينها الهند وجنوب أفريقيا وباكستان وكوريا الشمالية وإسرائيل، عبور العتبة النووية.

وبالنسبة إلى تركيا، ولا سيما في المرحلة الحالية من علاقاتها مع الناتو وجيرانها، قد تكون مخاطر اتباع هذا المسار مرتفعة بصورة خاصة.

فبعد سنوات من التوترات مع حلفائها في الناتو والقوى الإقليمية، اتخذت تركيا خطوات كبيرة لإصلاح هذه العلاقات. وعكس هذا التحول إدراكاً متزايداً في أنقرة بأنها لا تستطيع تحمل العزلة في الشرق الأوسط أو استمرار القطيعة مع حلفائها الغربيين.

وبعد الانتفاضات العربية في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ابتعدت تركيا عن تفضيلها التقليدي للحفاظ على الوضع القائم إقليمياً وتجنب التدخل في الشؤون الداخلية لجيرانها. وبدلاً من ذلك، دعمت أنقرة قوى سعت إلى إسقاط أنظمة استبدادية، وقدمت دعماً دبلوماسياً، وفي بعض الحالات دعماً عسكرياً، لجهات إسلامية فاعلة.

وأدت هذه السياسة إلى رد فعل قوي من الحكومات الإقليمية وأسهمت في زيادة عزلة تركيا. وفي البداية، قدم المسؤولون الأتراك تلك العزلة باعتبارها «وحدة ثمينة»، لكن التكاليف الاقتصادية والاستراتيجية أصبحت في نهاية المطاف صعبة التحمل.

ومع تزايد حاجة الاقتصاد التركي إلى الاستثمارات الأجنبية، ولا سيما من دول الخليج الغنية، ابتعدت أنقرة عن سياسة إقليمية أكثر عسكرية نحو سياسة تركز على الدبلوماسية والروابط الاقتصادية وتكامل البنية التحتية الإقليمية. كما قدم النمو السريع لصناعة الدفاع التركية حافزاً إضافياً لتعميق التعاون مع الشركاء الإقليميين.

ودفعت ضغوط مماثلة أنقرة إلى إصلاح علاقاتها مع حلفائها في الناتو. فقد أدى شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400 إلى فرض عقوبات أمريكية على قطاعها الدفاعي واستبعادها من برنامج F-35، ما أبرز تكاليف الابتعاد عن الغرب.

كما منحت حاجة أنقرة إلى الاستثمارات الغربية والتكنولوجيا وشراكات الصناعات الدفاعية حوافز قوية لإعادة بناء هذه العلاقات.

وتملك تركيا اليوم مصلحة كبيرة في الحفاظ على علاقات قابلة للعمل مع شركائها الغربيين ودول الشرق الأوسط. ومن شأن السعي إلى تطوير برنامج أسلحة نووية، سواء بصورة علنية أو سرية، أن يهدد المكاسب التي تحققت بصعوبة.

وقد يعزل ذلك تركيا مجدداً عن الدول والاستثمارات والتكنولوجيا والأسواق وشراكات التعاون الدفاعي التي أمضت أنقرة سنوات في محاولة تأمينها. ولذلك، من غير المرجح أن تسلك أنقرة هذا الطريق.

الانتقال نحو التحوط النووي

يُعد الانتقال نحو التحوط النووي المسار الأكثر ترجيحاً لأنقرة. والتحوط النووي هو استراتيجية مدروسة تهدف إلى الحفاظ على خيار بناء أسلحة نووية من دون السعي فعلياً إلى تطويرها.

وتضع الدولة التي تتبنى هذه الاستراتيجية الأسس التكنولوجية والمؤسسية التي تجعل تحقيق التسلح النووي أسهل وأسرع إذا تغيرت الظروف الاستراتيجية. ويكون موقفها من امتلاك القنبلة قائماً أساساً على فكرة «ربما»: ليس الآن، ولكن ربما في المستقبل.

وغالباً ما يتضمن ذلك تطوير قدرات تخدم أغراضاً مدنية مشروعة، لكنها يمكن أن تدعم لاحقاً برنامجاً للأسلحة النووية، ولا سيما السيطرة على الأجزاء الحساسة من دورة الوقود النووي.

ويكتسب تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود المستهلك أهمية خاصة، لأنهما يمكن أن يوفرا مسارات للحصول على اليورانيوم أو البلوتونيوم المستخدم في صناعة الأسلحة، ويقللا الوقت اللازم لإنتاج قنبلة.

غير أن التحوط النووي لا يعني بالضرورة امتلاك «كمون نووي». فالكمون يصف القدرة التكنولوجية للدولة، في حين يشير التحوط إلى خيار سياسي يتمثل في تطوير قدرات تحافظ على خيار امتلاك الأسلحة مستقبلاً، مع الامتناع عن التسلح في الوقت الراهن.

ويُعد التركيز على «الخيار السياسي»، بدلاً من القيود التقنية، أمراً مهماً. فنادراً ما تكون استراتيجية الدولة في مجال الانتشار النووي مدفوعة بالقيود التقنية أو الموارد وحدها.

كما أن الخيارات لا تنحصر ببساطة بين امتلاك أسلحة نووية والتخلي عنها. فالدول تملك طيفاً من الخيارات بين الحالتين، يبدأ من التحوط التقني ويمر بالسعي إلى وضع العتبة النووية وينتهي بامتلاك قدرة كاملة على إنتاج الأسلحة.

ولذلك، فإن فهم موقع دولة ما على هذا الطيف يتطلب أولاً دراسة كيفية نظر النخب الحاكمة فيها إلى الانتشار النووي.

ولهذا السبب تحديداً، تكتسب دراسة تطور مواقف أردوغان أهمية خاصة. ومن الصعب بالطبع الوصول إلى استنتاج قاطع بشأن نوايا أنقرة استناداً إلى المعلومات المتاحة علناً فقط.

لكن لهجة أردوغان المتزايدة حدة، إلى جانب اقتراح وزير الخارجية مؤخراً أن التطورات الدولية قد تدفع تركيا إلى امتلاك أسلحة نووية، والتغيرات في بيئتها الأمنية، تشير إلى استراتيجية محتملة للتحوط النووي، تحافظ فيها أنقرة على الغموض الاستراتيجي بشأن نواياها، مع إبقاء الخيار النووي مفتوحاً.

وتتيح هذه الاستراتيجية لتركيا تجنب القطيعة المحتملة مع الولايات المتحدة والناتو التي قد تترتب على السعي إلى امتلاك القنبلة، مع منح أنقرة خياراً مستقلاً إذا واصل شركاؤها في الحلف إحباطها أو تخلوا عنها بصورة كاملة.

ويمتد التحوط النووي على طيف واسع. ففي أحد طرفيه يوجد التحوط التقني، وهو الشكل الأكثر محدودية، وفي الطرف الآخر توجد حالة العتبة النووية، وهي الشكل الأكثر تقدماً، حيث تكون الدولة قد راكمت القدرات اللازمة لإنتاج جهاز نووي واحد على الأقل خلال فترة تتراوح تقريباً بين ثلاثة وستة أشهر من اتخاذ قرار التسلح.

ولفهم موقع تركيا على هذا الطيف بصورة أفضل، من المهم تقييم قدراتها استناداً إلى المعلومات المتاحة علناً.

إلى أي مدى تقترب تركيا من القنبلة؟

يشير القلقون بشأن الطموحات النووية التركية غالباً إلى عدة عوامل بوصفها أدلة على اهتمام أنقرة المحتمل بالأسلحة النووية وعلى قدرتها التقنية المحتملة على السعي إليها.

ومن بين هذه العوامل عضوية تركيا في مجموعة موردي المواد النووية (NSG)، التي تعكس، جزئياً، قدراتها التصنيعية في مجال المواد ذات الاستخدامات المحتملة في الصناعة النووية.

ويشير آخرون إلى خطط تركيا لبناء عدة محطات للطاقة النووية، وعدم استعداد أنقرة للالتزام بقيود على أنشطة تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود (ENR) في إطار اتفاقية التعاون النووي الموقعة مع الولايات المتحدة بموجب القسم 123، إضافة إلى تصريحات أردوغان بأن تركيا يمكن أن تطور قدرات لتخصيب اليورانيوم إذا اقتضى برنامجها النووي المدني ذلك.

ويتمثل عامل آخر في جهود تركيا لتسريع برنامج تطوير الصواريخ بعيدة المدى. وترتبط الصواريخ الباليستية بعيدة المدى عادة بالأسلحة النووية، لأنها تعد وسيلة إيصال مثالية لها.

وفي يناير/كانون الثاني 2025، قال أردوغان إن تركيا «قررت… تسريع برنامج تطوير صواريخنا ذات المدى الذي يبلغ 2000 كيلومتر وما فوق» لمواجهة التهديدات الإقليمية.

كما كشفت تركيا مؤخراً عن صاروخ جديد أطلقت عليه اسم «يلديريم هان»، ومن شأن دخوله الخدمة أن يمنح البلاد قدرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى.

وفي الوقت نفسه، تستثمر أنقرة في منشأة فضائية في الصومال يمكن أن تتيح اختبار الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.

وأخيراً، انضمت تركيا إلى اتفاق دفاع مشترك مع السعودية وباكستان النووية في أوائل أغسطس/آب. وعلى الرغم من أن الاتفاق لم يتطرق إلى الأسلحة النووية، فإنه عزز الغموض الاستراتيجي المحيط بالنوايا النووية التركية.

وفي الواقع، فإن اهتمام تركيا بالتكنولوجيا النووية المدنية، الذي يعود إلى خمسينيات القرن الماضي، منح البلاد بنية تحتية نووية متقدمة نسبياً. فهي تدير منذ فترة طويلة منشآت بحثية نووية، كما وسعت خبراتها العلمية والهندسية.

ومع ذلك، تشير تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية لعام 2025 إلى أن تركيا لا تزال بعيدة عن القدرات التقنية المرتبطة بالكمون النووي. فلا توجد لديها منشآت تجارية لتعدين اليورانيوم أو تحويله، والأهم من ذلك أنها لا تملك أي قدرة معروفة على تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود المستهلك.

وتقتصر أنشطتها الحالية في مراحل دورة الوقود إلى حد كبير على الأبحاث المختبرية، بما في ذلك تنقية مركزات اليورانيوم وتحويلها إلى أكسيد اليورانيوم (UO2) وإنتاج حبيبات الوقود.

وتخطط تركيا لبناء عدة محطات للطاقة النووية في إطار استراتيجيتها لتنويع مزيج الطاقة وتقليل الاعتماد على الموردين الأجانب. وبمجرد تشغيلها، ستعزز هذه المفاعلات بصورة كبيرة خبرة تركيا في التكنولوجيا النووية وستنتج وقوداً نووياً مستهلكاً.

لكنها لا تزال قيد الإنشاء في الوقت الراهن، كما أن النموذج الذي اختارته تركيا لبناء أول محطة نووية لها في أكويو يحد من قدرتها على تطوير بعض القدرات المحلية الرئيسية المرتبطة بالكمون النووي.

ويجري تطوير المحطة وفق نموذج «البناء والتملك والتشغيل» (BOO)، وهو ترتيب غير مسبوق في صناعة الطاقة النووية. وتعود ملكية شركة «أكويو نوكليار» بالكامل إلى شركات تابعة لشركة روساتوم الروسية المملوكة للدولة، التي توفر تمويلاً يبلغ نحو 20 مليار دولار.

وتتولى روسيا تصميم المحطة وبناءها وصيانتها وتشغيلها لمدة 60 عاماً، إضافة إلى توفير الوقود النووي وإدارته، ثم تفكيك المحطة في نهاية عمرها التشغيلي.

ويقلل نموذج BOO من العبء المالي على تركيا، لكنه يخلق درجة كبيرة من الاعتماد. وستعتمد تركيا بدرجة كبيرة على الموظفين الروس لتشغيل المحطة وعلى روسيا لتوفير الوقود النووي.

والأهم من ذلك أن هذا الترتيب يحد من قدرة أكويو على مساعدة تركيا في تطوير قدرات نووية مستقلة، ولا سيما في الأجزاء الحساسة من دورة الوقود التي يمكن أن تكون لها تطبيقات مدنية وعسكرية.

وقد أقرت الحكومة التركية علناً بهذا الاعتماد. وقال وزير الطاقة ألبرسلان بيرقدار أمام لجنة الميزانية في البرلمان في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إن تركيا تعتمد بالكامل على روساتوم الروسية في توفير وقود اليورانيوم اللازم لتشغيل أكويو.

كما أشار إلى رغبة أنقرة في تنويع مصادرها، قائلاً: «للتغلب على هذا الاعتماد، نتحدث عن التعاون في مجال الوقود مع الدولة التي نعمل معها حالياً، ومع دول أخرى نناقش معها مشاريع جديدة».

وتتفاوض تركيا مع شركاء محتملين آخرين، من بينهم الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وكوريا الجنوبية، بشأن بناء محطات نووية إضافية. كما تعمل شركة بايكار التركية لصناعة الطائرات المسيّرة على تطوير تكنولوجيا المفاعلات المعيارية الصغيرة (SMR).

وتكتسب مفاوضات أنقرة مع كندا أهمية خاصة. فتركيا تجري محادثات مع شركة «أتكنز ريليس» الكندية، وقد أشار مسؤولون أتراك إلى اهتمامهم بمشاركة كندا في محطتي الطاقة النووية الثانية والثالثة.

ويتميز تصميم مفاعل CANDU بعدة خصائص يمكن أن توفر مساراً تقنياً مباشراً نسبياً نحو إنتاج سلاح نووي، مع جعل أنشطة الانتشار أكثر صعوبة في الكشف عنها.

فعلى خلاف المفاعلات التقليدية التي تعمل بالماء الخفيف، يمكن لمفاعلات CANDU التي تعمل بالماء الثقيل استخدام اليورانيوم الطبيعي غير المخصب، ما يقلل الاعتماد على خدمات التخصيب الأجنبية ويمنح المشغل قدراً أكبر من الاستقلالية في المرحلة الأولى من دورة الوقود النووي.

والأهم من ذلك أن مفاعلات CANDU يمكن أن تنتج بلوتونيوم مناسباً لأغراض الأسلحة، كما يمكن إعادة تزويدها بالوقود أثناء التشغيل، وهي خصائص يمكن أن تجعل مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكثر تعقيداً.

لكن هذا لا يعني أن الحصول على مفاعل CANDU سيضع تركيا تلقائياً على طريق امتلاك القنبلة. ففصل البلوتونيوم يتطلب القدرة على إعادة معالجة الوقود المستهلك، وهي قدرة لا تمتلكها تركيا حالياً.

وخلال حديثه مع الكاتب، قال دبلوماسي كندي إن الصفقة التي تجري مناقشتها مع أنقرة تتضمن «مشاركة تكنولوجية كبيرة»، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كان ذلك سيشمل أي شيء يتعلق بإعادة المعالجة أو فصل الوقود المستهلك.

والواضح أن أنقرة تريد مزيداً من السيطرة على سلسلة إمداداتها النووية، وتريد على المدى الطويل تطوير قدرات محلية أكبر. غير أن نموذج أكويو يفرض قيوداً على هذه الطموحات.

وكما أشار آرون شتاين، إذا سعت تركيا إلى تحويل أكويو نحو برنامج للأسلحة النووية، فسيتعين عليها أولاً إنهاء دور المشغل الأجنبي، ثم السيطرة على الوقود المستهلك المملوك للأجانب والمخزن في الموقع، قبل أن تتمكن حتى من التفكير في استخراج البلوتونيوم لصناعة سلاح، وهو مشروع صعب ومرئي للغاية.

ولذلك، ستعزز أكويو خبرة تركيا في التكنولوجيا النووية، لكنها لن توفر لأنقرة بمفردها أكثر القدرات حساسية من منظور الانتشار النووي.

وتفتقر تركيا حالياً إلى قدرات محلية لتخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود المستهلك، كما أن هيكل مشروع أكويو لا يغير هذا الواقع كثيراً على المدى القصير.

ويتمثل عائق آخر أمام بناء الخبرة والقدرة النووية المحلية على المدى القصير في نهج تركيا القائم على تعدد الموردين. وقد تأمل أنقرة في استغلال المنافسة بين الموردين للحصول على تنازلات تساعدها في بناء قدرات نووية محلية.

لكن إذا تعاونت تركيا في نهاية المطاف مع عدة موردين يستخدمون ليس فقط تقنيات مختلفة، وإنما أيضاً فلسفات هندسية وأطر تنظيمية مختلفة تماماً، فقد يؤدي هذا النهج إلى تعقيد وإطالة جهودها الرامية إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية النووية.

ومن المرجح حالياً أن تكون تركيا لا تزال على بعد عقد على الأقل من امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي. لكن التهديدات الداخلية والدولية العديدة التي تحيط بالبلاد تشير إلى أن أنقرة قد تتحرك نحو أن تصبح دولة ذات قدرة نووية كامنة، وتتخذ خطوات لاكتساب الخبرة والقدرات التقنية اللازمة للحفاظ على خيار تطوير أسلحة نووية في نهاية المطاف.

ولا يزال مدى تقدم أنقرة على هذا الطيف غير واضح. فقد تسعى إلى تحقيق مستوى متواضع نسبياً من التحوط التقني، أو قد تسعى إلى امتلاك القدرات الأكثر تقدماً المرتبطة بوضع العتبة النووية.

وأياً كان المسار الذي تختاره، فمن المرجح أن تحاول تركيا البقاء ضمن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، والسعي إلى توسيع خياراتها النووية من دون عبور الخط نحو التسلح العلني، مع الحفاظ على غموض استراتيجي بشأن نواياها النهائية.

وحتى المستوى الأكثر تقدماً على مقياس التحوط النووي، أي الوصول إلى حالة العتبة النووية، حيث تكون الدولة، مجازاً، «على بعد دورة واحدة لمفك البراغي» من امتلاك سلاح نووي قابل للاستخدام، يمكن من حيث المبدأ الحفاظ عليه من دون الانسحاب من المعاهدة.

وتحظر المعاهدة امتلاك الأسلحة النووية، لكنها لا تحظر صراحة تطوير قدرة تتيح الوصول إلى العتبة النووية، كما أنها لا تحدد خطاً تقنياً دقيقاً يفصل بين بلوغ العتبة وامتلاك السلاح.

وبالتالي، يمكن للدولة أن تجمع المواد والتقنيات والمكونات والخبرات التي تختصر بصورة كبيرة الطريق إلى إنتاج سلاح نووي، بينما تبقى رسمياً ضمن المعاهدة.

كما أن الحفاظ على الغموض الاستراتيجي بشأن نواياها النووية النهائية سيمنح أنقرة ميزة إضافية تتمثل في الحفاظ على قيمة الردع والمساومة التي توفرها قدراتها المتنامية، مع تقليل بعض التكاليف السياسية والأمنية الناجمة عن الإعلان العلني عن طموح نووي، بما في ذلك خطر تسريع سباق التسلح الإقليمي.

لكن استراتيجية التحوط تحمل مخاطرها الخاصة، ولا سيما في منطقة تعاني من الصراعات مثل الشرق الأوسط. فقد يؤدي انتشار التحوط النووي إلى تغيير طبيعة النظام النووي حتى من دون زيادة عدد الدول المسلحة نووياً.

ومع سعي مزيد من الدول إلى امتلاك القدرة على الاقتراب من العتبة النووية من دون عبورها، يصبح التمييز بين الدول النووية وغير النووية أقل وضوحاً. وقد يؤدي ذلك إلى نشوء تحوط متبادل وديناميكيات سباق تسلح، وتقليص أوقات الاستجابة، وزيادة الحوافز للقيام بعمل عسكري وقائي، وتعقيد عمليات التقييم الاستخباراتي والتحقق والضمانات، وفي نهاية المطاف إضعاف القوة المعيارية لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

وبالنسبة إلى واشنطن، يتمثل التحدي بصورة متزايدة في إدارة المسار النووي لقوى إقليمية مثل تركيا والسعودية، بدلاً من محاولة منعها تماماً من اكتساب قدرات نووية إضافية.

وينبغي أن يتمثل الهدف في منع تحول التحوط النووي إلى قدرات متقدمة تضع الدول على عتبة امتلاك السلاح، مع معالجة المخاوف الأمنية التي تدفع هذه الدول إلى التحوط في المقام الأول.

أما محاولة القضاء على جميع مظاهر الكمون النووي أو حظر التخصيب بصورة كاملة، فهي غير واقعية وغير مستدامة. وبدلاً من ذلك، ينبغي لواشنطن التركيز على منع ظهور برامج تخصيب وطنية مستقلة قابلة للتوسع، مع تعزيز ترتيبات دورة الوقود الخاضعة لإشراف متعدد الأطراف من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وقد يكون أحد الخيارات إنشاء إطار إقليمي لدورة الوقود، تستضيف فيه الدول المشاركة عناصر مختلفة من دورة الوقود النووي، من دون أن تسيطر دولة واحدة على كامل سلسلة الإمداد اللازمة لتحويل برنامج مدني بسرعة إلى قدرة على إنتاج الأسلحة.

ويمكن لهذا الترتيب أن يستوعب المطالب الإقليمية بقدر أكبر من الاستقلالية النووية، مع تقليل الحوافز لإنشاء برامج وطنية متنافسة لتخصيب اليورانيوم.

وفي الوقت نفسه، يتعين على واشنطن معالجة حالة انعدام الأمن التي تدفع إلى سلوك التحوط النووي. وفي حالة تركيا، يعني ذلك تعزيز الردع الممتد واستعادة ثقة أنقرة في مصداقية الضمانات الأمنية الأمريكية.

لكن الطمأنة يجب أن تقترن بخطوط حمراء واضحة لمنع الانتشار النووي. وينبغي لواشنطن أن توضح أن استمرار الضمانات الأمنية الأمريكية مرتبط بالالتزام بالتعهدات المتعلقة بعدم الانتشار، وأن التحركات باتجاه تطوير قدرات مرتبطة بالأسلحة النووية ستترتب عليها عواقب بالنسبة إلى العلاقة الأمنية الثنائية.

وتوجد تعريفات وتطبيقات مختلفة لمفهوم التحوط النووي في الأدبيات المتخصصة. ويتبنى هذا المقال تعريف فيبين نارنج، كما عرضه في كتابه «البحث عن القنبلة». وتستند هذه الفقرة إلى الإطار الذي وضعه نارنج.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
MERO

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 + أربعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى