معادلة «السلاح بيد الدولة والنفط إلى البحر»: بغداد وبيروت تتفاوضان على الشراكة الجديدة

يبدو أن العلاقة بين العراق ولبنان اليوم تتحول من مجرد “فزعة” ودعم بالوقود لتشغيل الكهرباء وسداد الديون، إلى شراكة حقيقية أعمق.

ميدل ايست نيوز: يبدو أن العلاقة بين العراق ولبنان اليوم تتحول من مجرد “فزعة” ودعم بالوقود لتشغيل الكهرباء وسداد الديون، إلى شراكة حقيقية أعمق. حيث إن التركيز الحالي يتجه نحو خطوات عملية تجمع بين ضبط السلاح واستقرار الدولة، إلى جانب فتح آفاق اقتصادية جديدة تستغل الموانئ والأنابيب لتأمين منفذ تجاري ونفطي للعراق على البحر المتوسط.

توقيت مهم

ويقول القيادي في تيار الحكمة فهد الجبوري، إن “زيارة رئيس الوزراء اللبناني إلى العراق ولقاءه الحكومة العراقية جاءت في إطار الوضع العام، إذ جرى خلال الاجتماع مع رئيس الوزراء والوفد المرافق له بحث الدعم المتبادل بين البلدين، إلى جانب الاتفاقيات المزمع توقيعها، وهو ما أشار إليه أيضاً مكتب رئيس الوزراء ضمن إطار التعاون الثنائي”.

ويضيف، أن “توقيت الزيارة يستدعي التوقف عنده، ولا سيما أنها جاءت بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن، وأعقبتها زيارة رئيس الجمهورية اللبناني إلى واشنطن، لذا الربط بين الزيارتين وتوقيتهما، إلى جانب ملف حصر السلاح بيد الدولة في كلا البلدين، يشير إلى وجود ملفات لم يجر الإعلان عنها حتى الآن”.

موانئ المتوسط

ويشير الجبوري إلى أن “الجانب الاقتصادي سيكون حاضراً أيضاً، فالولايات المتحدة كانت ترعى مشروع الأنبوب السوري العراقي الذي سيجري إنشاؤه بإدارة أو بدعم أميركي، فضلاً عن استثمار الأنبوب الذي توقف العمل به في زمن حافظ الأسد باتجاه لبنان، والذي يتيح مرور النفط العراقي إلى البحر المتوسط”.

ويتابع، أن “ملف التعامل مع الوضع اللبناني، سواء وفق النهج السابق أو الحالي، يقوم على اتفاق بشأن الدعم المتبادل، إلا أن آليات هذا الدعم ستخضع لالتزامات العراق المالية، لكن لا نعتقد أن بغداد ستتجه إلى مستوى الدعم الذي كان قائماً في الحكومات السابقة، سواء من ناحية تقديم الأموال أو غيرها من أشكال الدعم، نظراً للظروف التي يمر بها العراق”.

ويؤكد الجبوري، أن “الوضع الحالي يختلف عن السابق، حيث إن العراق يواجه أزمة مالية وأزمة نقدية، وأن الكثير من تداعيات هذه الملفات ستتضح خلال الأيام المقبلة”.

الوقود العراقي

ووقع العراق ولبنان في تموز 2021 اتفاقاً يقضي بتزويد الجانب اللبناني بمليون طن من وقود الفيول (النفط الأسود) لتشغيل محطات الكهرباء، في خطوة هدفت إلى تخفيف أزمة الطاقة التي كان يعاني منها لبنان. ونص الاتفاق على أن يحصل العراق، مقابل زيت الوقود الثقيل، على “خدمات وسلع” من الجانب اللبناني، إلا أن هذا البند لم يدخل حيز التنفيذ.

ومع استمرار حاجة لبنان إلى الوقود، وافقت الحكومة العراقية في نهاية عام 2023 على تمديد عقد تزويد الوقود، مع رفع الكمية السنوية إلى مليوني طن بدلاً من 1.5 مليون طن، في إطار استمرار دعم تشغيل محطات الكهرباء اللبنانية.

مستحقات متراكمة

وعلى الرغم من تجديد الاتفاقات، لم يسدد لبنان المستحقات المالية المترتبة عليه منذ سنوات، والناجمة عن عقود بيع وتوريد الوقود الثقيل، إذ بلغت الديون المستحقة لصالح العراق نحو 2.7 مليار دولار أمريكي، فيما أعلن وزير المالية اللبناني ياسين جابر خلال تموز الجاري أن هذه الأموال أصبحت جاهزة، بانتظار إطلاق المنصة الخاصة بالبنك المركزي العراقي لإتمام إجراءات التسوية.

وقبيل وصول الوفد اللبناني، كشف المستشار المالي والاقتصادي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، في تصريح صحفي أن زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام تستهدف تجديد عقد تزويد لبنان بالوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، إلى جانب بحث مشروع تصدير النفط العراقي إلى البحر المتوسط عبر الأراضي اللبنانية.

وأوضح صالح، أن الزيارة لا تقتصر على بعدها السياسي، وإنما تمثل محاولة لإعادة صياغة العلاقة الاقتصادية بين البلدين، مبيناً أن ملف الطاقة يشكل محوراً رئيساً في المباحثات، مع بحث تطوير اتفاق تزويد لبنان بالوقود، فضلاً عن مشاريع النقل والربط الإقليمي، ومن بينها استخدام الأراضي اللبنانية منفذاً إضافياً للعراق نحو البحر المتوسط، بما يمنح لبنان دورا لوجستيا ويتيح للعراق نافذة تجارية جديدة.

ووصل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى العاصمة بغداد، في وقت سابق من اليوم الأحد، على رأس وفد وزاري ضم وزير المالية ياسين جابر، ووزير الطاقة والمياه جو صدي، ووزير الاتصالات شارل الحاج، في زيارة ركزت على ملفات الطاقة والاقتصاد والتعاون الثنائي، وسط ترقب لمخرجاتها، ولا سيما ما يتعلق بتجديد اتفاق الفيول، واليات تسوية المستحقات المالية، وإمكانية توسيع التعاون في قطاعات أخرى.

شراكة شاملة

من جهته، يقول المحلل السياسي مجاشع التميمي، إن “زيارة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى العراق، برفقة وزراء المالية والطاقة والاتصالات، تتجاوز مسألة تجديد عقد تزويد لبنان بالوقود الأسود، وتمثل محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين البلدين على أسس اقتصادية أكثر تكافؤا”.

ويضيف أن “الجانبين يسعيان إلى الانتقال من مرحلة الدعم الأحادي إلى تحريك ملف المستحقات المالية البالغة 2.7 مليار دولار عبر خدمات استثمارية ومنصة البنك المركزي”، مبيناً أن “طبيعة الوفد اللبناني تعكس رغبة بغداد وبيروت في بناء شراكة مؤسساتية شاملة تمتد إلى قطاعات الاتصالات والخدمات والمناطق الحرة، ولا تقتصر على تزويد محطات الكهرباء بالوقود”.

تعزيز الدولة

ويشير التميمي إلى أن “لبنان بعد وصول نواف سلام وجوزيف عون إلى السلطة في عام 2025 يختلف عن المرحلة السابقة، حيث إنهما يعدان خارج محور المقاومة، في حين يقود العراق الإطار التنسيقي، القريب من إيران، وهو ما يضفي بعداً سياسياً على مسار العلاقات بين البلدين”.

ويوضح، أن “التوافق على تعزيز سيادة الدولة ومؤسساتها الرسمية يفتح المجال أمام تقارب سياسي يتجاوز الملفات الاقتصادية، حيث إن التقاطع بين توجه حكومة سلام لحصر السلاح بيد الدولة، والنهج العراقي لضبط السلاح المنفلت، يحد من نفوذ الفاعلين غير الحكوميين في البلدين، ويوفر أرضية لتنسيق أمني ودبلوماسي يعزز مفهوم الدولة الوطنية، ولا سيما أن العراق ولبنان يواجهان تحديات متشابهة تتعلق بملف السلاح والضغوط الأمريكية”.

ترتيبات جديدة

ويرى التميمي، أن “طرح استخدام الأراضي اللبنانية وميناء طرابلس منفذاً للنفط العراقي يمثل سيناريو استراتيجياً واقعياً يخدم مصالح الطرفين، رغم التحديات الفنية، وربط تجديد عقد الفيول بهذا البعد اللوجستي يمنح العراق منفذاً تجارياً جديداً على البحر المتوسط لتصدير النفط، ويعيد للبنان دوره الإقليمي كمركز للطاقة والخدمات”.

ويؤكد، أن “تحقيق هذا المشروع يتطلب إرادة سياسية، وتخطيطاً استراتيجياً، وتنسيقاً بين العراق ولبنان وسوريا، كما أن التحرك اللبناني العراقي يمكن قراءته بوصفه جزءاً من ترتيبات إقليمية جديدة تهدف إلى ملء الفراغ الجيوسياسي الناتج عن انحسار النفوذ الإيراني في البلدين، عبر إحياء محاور عربية أكثر تماسكاً، وترسيخ مفهوم الدولة الوطنية من خلال مشاريع اقتصادية واستراتيجية مشتركة، بينها الأنبوب النفطي والشراكات الخدمية، بما يعزز استقلالية القرار ويخدم الاستقرار الإقليمي”.

وتأتي هذه الزيارة في وقت لم تعد فيه العلاقة بين بغداد وبيروت محصورة بملف تزويد الوقود، بل باتت ترتبط بحزمة من المشاريع الاقتصادية واللوجستية والمالية، لتضع الطرفين أمام اختبار تحويل سنوات من الدعم والالتزامات المتراكمة إلى شراكة أكثر استدامة تقوم على تبادل المصالح، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى