نفط، مياه، وغرامة مليارية: هل ينجح الزيدي في فرض «معادلة جديدة» مع أنقرة؟
يحط رئيس الحكومة علي الزيدي، اليوم الثلاثاء، في أنقرة بإطار زيارة يصفها مراقبون بأنها اختبار حقيقي لقدرة العراق على تحويل الملفات العالقة إلى تفاهمات استراتيجية.

ميدل ايست نيوز: يحط رئيس الحكومة علي الزيدي، اليوم الثلاثاء، في أنقرة بإطار زيارة يصفها مراقبون بأنها اختبار حقيقي لقدرة العراق على تحويل الملفات العالقة إلى تفاهمات استراتيجية، وفيما تتقاطع مصالح البلدين عند طريق التنمية والطاقة والتبادل التجاري، تبقى ملفات المياه والوجود العسكري التركي وخط كركوك – جيهان ومكافحة حزب العمال الكردستاني أبرز رهانات الزيارة، وسط توقعات بأن ترسم نتائجها ملامح مرحلة جديدة في العلاقات العراقية التركية.
تسوية الغرامية
وفي قراءة لموقف أنقرة، يقول المحلل السياسي التركي جواد غوك، إن “زيارة الزيدي إلى أنقرة تحظى باهتمام كبير لدى الجانب التركي، في ظل وجود ملفات عالقة يتصدرها ملف الغرامة البالغة ملياراً و400 مليون دولار، التي ألزمت محكمة التحكيم في باريس تركيا بدفعها لصالح العراق”، معتبراً أن التوصل إلى تسوية لهذا الملف قد يمهد لإعادة تشغيل خط أنابيب كركوك-جيهان.
ويضيف، أن أنقرة تفضل معالجة ملف الغرامة ضمن اتفاقية جديدة، عبر جدول زمني لتسديد المبلغ، بما يحقق مكاسب للطرفين ويفتح الباب أمام توسيع التعاون في قطاع الطاقة، ولا سيما ما يتعلق باستئناف تصدير النفط عبر الأراضي التركية.
ملف المياه
وفي ملف المياه، يوضح غوك، أن بغداد وأنقرة توصلتا إلى تفاهمات أولية، وإن كانت لا تلبي بالكامل تطلعات العراق، لافتاً إلى أن تركيا هي الأخرى تواجه تحديات مرتبطة بالجفاف، لكنه يرجح أن تواصل اللجان الفنية المشتركة العمل للوصول إلى حلول أكثر استدامة لهذا الملف.
ويؤكد، أن الزيارة ينبغي ألا تقتصر على الطابع البروتوكولي، بل أن تفضي إلى خطوات عملية في عدد من القضايا المشتركة، من بينها العلاقات العراقية السورية، مرجحاً أن تلعب تركيا دوراً في تقريب وجهات النظر بين بغداد ودمشق، خصوصاً في ما يتعلق بأمن الحدود.
الوجود العسكري
ويردف غوك، أن ملف الوجود العسكري التركي داخل الأراضي العراقية يبقى من القضايا المطروحة على طاولة المباحثات، معرباً عن اعتقاده بإمكانية التوصل إلى تفاهمات بشأنه، إلى جانب تحقيق تقدم في بقية الملفات، بما يعزز العلاقات بين البلدين خلال المرحلة المقبلة.
ومن المقرر أن يجري رئيس الوزراء علي الزيدي زيارة رسمية إلى العاصمة التركية أنقرة، يوم غد الثلاثاء، وهي زيارة ستشهد مباحثات واتفاقيات تعاون أمنية واقتصادية واستثمارية، فضلاً عن تنسيق التعاون بخصوص النفط والطاقة، وزيادة التبادل التجاري بين البلدين، إضافة إلى ملفات أخرى تتعلق بالأوضاع الإقليمية والدولية، بحسب مصدر حكومي.
زيارة استثنائية
من جهته، يقول أستاذ العلوم السياسية خالد العرداوي، إن زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى تركيا تكتسب أهمية استثنائية في ظل التحولات الإقليمية الراهنة، لما تحمله من ملفات أمنية واقتصادية واستراتيجية تمس مصالح البلدين، وتفرض تنسيقاً أوسع لمواجهة التحديات المشتركة.
ويشير إلى أن الملف الأمني يتصدر جدول المباحثات، إذ يحتاج العراق إلى تعزيز التعاون مع أنقرة في إدارة أمن الحدود ومعالجة الهواجس التركية، بما يتيح لبغداد تعزيز انتشار قواتها على الشريط الحدودي، ويمهد للمطالبة بسحب القواعد العسكرية التركية من شمال العراق، باعتبارها تمثل خرقاً للسيادة العراقية، فضلاً عن طمأنة أنقرة بشأن أوضاع المكون التركماني داخل العراق.
وفي الجانب الاقتصادي، يرى العرداوي أن العلاقات التجارية بين البلدين تشكل قاعدة مهمة لتوسيع التعاون، من خلال الاستفادة من الخبرات والإمكانات التركية في تنفيذ المشاريع الاستثمارية، بما يخدم مصالح القطاعين العام والخاص في العراق وتركيا.
طريق التنمية
وينبه أستاذ العلوم السياسية إلى أن “مشروع طريق التنمية يمثل أحد أبرز الملفات الاستراتيجية المطروحة، كونه يحقق مكاسب متبادلة للطرفين، إذ يعزز موقع تركيا كممر إقليمي للطاقة والتجارة، فيما يمنح العراق فرصة للتحول إلى حلقة رئيسية في سلاسل الإمداد العالمية، بما ينعكس على الاقتصاد الوطني ويحد من معدلات البطالة والفقر”.
الحصة المائية
ويؤكد العرداوي، أن ملف المياه يظل من أكثر القضايا إلحاحاً بالنسبة للعراق، في ظل تداعيات الجفاف والتصحر، ما يستدعي التوصل إلى تفاهمات واتفاقيات تضمن الحصة المائية العراقية وتحقق مصالح مشتركة، مستفيداً في ذلك من أوراق القوة التي يمتلكها العراق في علاقته مع أنقرة”.
ويشير إلى أن “الزيارة قد تشهد التوصل إلى اتفاق جديد بشأن تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي، بعد انتهاء العمل بالاتفاقية السابقة”، معتبراً أن “العراق بحاجة إلى صيغة جديدة تعالج الخلافات السابقة وتؤسس لتعاون يخدم مصالح الطرفين”.
بين أنقرة وطهران
ويخلص إلى أن زيارة الزيدي إلى تركيا تحمل، من حيث الملفات المطروحة وفرص تحقيق نتائج عملية، أهمية أكبر من زيارته السابقة إلى إيران، في ظل محدودية المكاسب التي تحققت من تلك الزيارة، مقابل قدرة أنقرة على لعب دور أكبر في الملفات الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية التي تهم العراق.
وتعد اتفاقية تصدير النفط عبر جيهان أحد أبرز الأزمات التي يأمل العراق تصفيرها خلال رحلة الزيدي، وذلك بعدما انتهت صلاحية الاتفاقية الموقعة منذ 1973 ورفض أنقرة تجديدها، بعد خلاف مع بغداد إثر الدعوى التي أقامتها الأخيرة في محكمة باريس وكسبتها.
وكانت محكمة باريس حسمت النزاع النفطي بين العراق وتركيا برفضها القاطع لطعون أنقرة، وألزمت السلطات التركية بدفع تعويضات مالية صافية للعراق تبلغ 1.471 مليار دولار أمريكي.
أولويات مختلفة
من جانبه، يرى أستاذ العلاقات الدولية علي أغوان، أن “ملفات متعددة ستتناولها الزيارة، في ظل امتلاك كل من بغداد وأنقرة أولويات مختلفة”، موضحاً أن تركيا تركز على ملف مكافحة الإرهاب وإنهاء نشاط حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي العراقية، وهو ما يتطلب قراراً سياسياً عراقياً واضحاً.
ويلفت إلى أن العراق يضع في مقدمة أولوياته ملفي المياه واستئناف تصدير النفط، معتبراً أن التوصل إلى تفاهمات بشأن هذه القضايا سيمنح العلاقات الثنائية دفعة كبيرة، في ظل حجم التبادل التجاري بين البلدين الذي يتجاوز 12 مليار دولار سنوياً.
ويؤكد، أن بغداد بحاجة إلى زيادة الإطلاقات المائية، وتفعيل الاتفاقيات السابقة الخاصة بإدارة المشاريع المشتركة، ومنها مشروع ري الجزيرة في محافظة نينوى، إلى جانب توسيع التعاون في قطاعات الزراعة والكهرباء والصناعة، بما يحقق مصالح الطرفين.
كركوك – جيهان
ويعتقد أغوان، أن العراق يستطيع تعزيز فرص التفاهم مع أنقرة من خلال اتخاذ خطوات عملية في ملف حزب العمال الكردستاني، بما يهيئ الأرضية لإعادة صياغة اتفاقية تصدير النفط عبر خط أنابيب كركوك-جيهان، الذي يعد من أبرز البدائل الاستراتيجية للعراق في ظل المساعي الرامية إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
ويخلص إلى أن نجاح الزيارة يتطلب قرارات جريئة من الجانبين، تفضي إلى معالجة الملفات العالقة وتطوير العلاقات العراقية التركية على أسس أكثر استقراراً وتوازناً.
ويسبب الملف الأمني المتعلق بحزب العمال الكردستاني المناوئ لأنقرة وتواجده شمالي العراق، صداعا مزمنا لتركيا، إذ لا تخلو أي طاولة مفاوضات بين الحكومتين من هذا المحور، فيما يقابله الملف المائي ومطالبات بغداد المستمرة بزيادة حصة دجلة والفرات من المياه بعد مواسم جفاف قاسية.
وقبل يومين، قررت الحكومة العراقية تفعيل الاتفاق الإطاري العراقي التركي بشأن المياه ودخول آلية تمويل المشاريع الخاصة بهذا الاتفاق حيز التنفيذ اعتباراً من الأول من شهر أيلول سبتمبر المقبل.
الاتفاق الإطاري
وفي هذا الشأن، يوضح الخبير الاقتصادي جليل اللامي، أن دخول الاتفاق الإطاري العراقي- التركي الخاص بالمياه حيز التنفيذ يمثل خطوة استراتيجية لمعالجة أحد أخطر التحديات التي تواجه العراق، في ظل اعتماده على نهري دجلة والفرات لتأمين أكثر من 98 بالمئة من موارده المائية السطحية، فيما يأتي نحو 70 بالمئة من هذه الموارد من خارج حدوده، ما يجعل أي تفاهم مع تركيا ذا أهمية مباشرة للأمنين المائي والغذائي.
ويشير إلى أن “العراق يحتاج سنوياً إلى نحو 53 مليار متر مكعب من المياه لتلبية احتياجاته، في حين تراجعت الإيرادات المائية خلال السنوات الأخيرة إلى نحو 30 مليار متر مكعب، ما أوجد عجزاً يقدر بنحو 23 مليار متر مكعب سنوياً، انعكس على تقلص الخطط الزراعية وانخفاض الخزين المائي في السدود”.
ويلفت إلى أن موسم الأمطار 2025–2026 أسهم في رفع الخزين المائي إلى أكثر من 11 مليار متر مكعب، مقارنة بأقل من 8 مليارات متر مكعب في العام السابق، إلا أن هذه الزيادة تبقى غير كافية لتغطية الاحتياجات الفعلية، في وقت تسببت فيه شحة المياه بخروج أكثر من نصف الأراضي الزراعية المخططة عن الخدمة، وتراجع المساحات المزروعة من أكثر من 12 مليون دونم إلى أقل من 6 ملايين دونم، فضلاً عن تقليص زراعة عدد من المحاصيل الاستراتيجية”.
ويؤكد، أن الاتفاق الجديد ينص على ضمان إطلاق كميات متفق عليها من المياه من الجانب التركي، مقابل تنفيذ العراق إصلاحات واسعة في إدارة موارده المائية، تشمل تحديث شبكات الري، وإنشاء السدود والخزانات، وتقليل نسب الهدر، إلى جانب إتاحة الفرصة للشركات التركية للمشاركة في تنفيذ مشاريع البنى التحتية المائية، ضمن اتفاق يمتد لعشر سنوات قابلة للتجديد.
دعم الزراعة
ويشدد اللامي على أن الاتفاق من شأنه دعم الإنتاج الزراعي، وتقليل الاعتماد على استيراد المحاصيل، والحد من التصحر الذي يهدد نحو 39 بالمئة من مساحة العراق، فضلاً عن تعزيز الأمنين الغذائي والمائي، معتبراً أنه يمثل تحولاً من إدارة الأزمات إلى بناء شراكة استراتيجية بين بغداد وأنقرة، من شأنها أن تدعم الاستقرار الاقتصادي والبيئي خلال السنوات المقبلة.
وكانت الحكومة السابقة برئاسة محمد شياع السوداني وقعت أواخر العام الماضي اتفاقية المياه مع تركيا لتحقيق المنفعة المتبادلة بين البلدين في مياه نهري دجلة والفرات.



