الصحافة الإيرانية: قراءة في السياسات التركية في المنطقة

ترغب تركيا في أن تعمل سوريا على تعزيز هياكلها الداخلية وتوسيع التعاون الاقتصادي مع الدول المجاورة. وفي هذا الإطار، يمكن أن تتحول سوريا إلى ممر للطاقة والتجارة والاستثمار.

ميدل ايست نيوز: صرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 10 يونيو/حزيران 2026، خلال كلمة ألقاها أمام نواب حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي، بأن أمن تركيا لا يبدأ من ولاية هاتاي (جنوب تركيا)، بل يبدأ من حلب ودمشق وبيروت.

يكتب حسين موسوي، رئيس مركز البحوث العلمية والدراسات الاستراتيجية للشرق الأوسط، لصحيفة شرق الإيرانية، أنه منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، انخرطت السياسة الخارجية التركية في العديد من القضايا العابرة للحدود. إذ تمثل منطقة الشرق الأوسط عمقاً استراتيجياً لتركيا، التي ترى نفسها طرفاً مباشراً في ملفات متعددة تشمل سوريا، وشمال العراق، والخليج، ومنطقة البحر الأحمر، وجنوب القوقاز، وآسيا الوسطى، وشمال أفريقيا، وشرق البحر المتوسط.

وفرض الموقع الجيوسياسي لتركيا، باعتبارها نقطة التقاء بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، عليها إقامة نوع من التوازن بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي من جهة، وروسيا والولايات المتحدة من جهة أخرى، إضافة إلى موازنة علاقاتها مع جيرانها براً وبحراً.

كما تسعى أنقرة إلى لعب دور دبلوماسي باعتبارها وسيطاً في النزاعات الإقليمية والدولية، وقد لعبت مؤخراً دوراً نشطاً في تشكيل نوع من التحالف بين أربع دول هي السعودية وباكستان وتركيا في مواجهة إسرائيل، وربما إيران أيضاً.

ولا يخفي وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة أجراها في 3 يوليو/تموز 2016، أن تركيا تسعى إلى إنشاء نظام أمني إقليمي قائم على أربع دول إسلامية كبرى. ورغم أن تركيا تبدو راغبة بشكل غير مباشر في انضمام إيران إلى هذا التكتل، فإن الشركاء الآخرين في هذا التحالف لا يبدون حماساً كبيراً لهذه الخطوة.

وتعتقد إسرائيل أن هذا التحالف يسعى إلى تشكيل محور سني لملء الفراغ الذي تركه المحور الشيعي بقيادة إيران، وأن هدف هذه المجموعة هو محاصرة إسرائيل. ومن الواضح أن تعاون دول هذا التحالف، بسبب الخلافات البنيوية بينها، لا يبدو أنه يتجه إلى تشكيل كتلة قوة متماسكة بقدر ما يعكس المخاوف المتزايدة من الصراعات والتوترات الإقليمية.

وفي الوقت نفسه، تسعى الدول الأعضاء في التحالف إلى الحصول على حصة من المصالح عبر دعم السعودية ودول الخليج الجنوبية الأخرى في المجالات الأمنية والعسكرية.

وقد علّمت تجربة الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران هذه الدول أن ضمان أمنها يتطلب، في ظل غياب القيود الاستراتيجية الأمريكية وعدم قدرة واشنطن أو رغبتها في تقديم ضمانات دفاع شاملة لإسرائيل، تعزيز التقارب فيما بينها.

ورغم أن دولتين من هذا التكتل، وهما مصر وتركيا، تعترفان بإسرائيل، فإنهما تحتاجان إلى إقامة توازن مع هذا الكيان في مواجهة ما تعتبرانه رغبة إسرائيلية مستمرة في إشعال الحروب.

كما أن الطابع السني لهذا التحالف قد يثير مخاوف لدى إيران وحلفائها. وفي هذا السياق، فإن العلاقة بين تركيا وإسرائيل قد تتجاوز المنافسة لتصل أحياناً إلى حالة من العداء.

وتتجلى هذه التوترات بين تركيا وإسرائيل في سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة وشرق البحر المتوسط والبحر الأحمر، وحتى في أذربيجان ومنطقة القوقاز.

وتعد سوريا حالياً مركز هذا الصراع، إذ تشعر إسرائيل بالقلق من إعادة تركيا بناء الجيش السوري، كما أن الموقع الجيوسياسي لسوريا يمنحها دوراً يجعل استقرارها أو عدم استقرارها عاملاً حاسماً في المنطقة.

وترى تركيا في الوقت الراهن أن تراجع نفوذ إيران في سوريا يمثل فرصة لتوسيع نفوذها داخل هذا البلد، وتسعى إلى إعادة الاستقرار والحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

كما ترغب أنقرة في استخدام علاقاتها الجيدة التي أقامتها مع الرئيس الأمريكي للضغط على إسرائيل من أجل تقليص تدخلاتها داخل سوريا.

ورغم أن مسار الاستقرار في سوريا يسير ببطء، يبدو أن الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية ترغب في رفع مكانة سوريا الإقليمية بأسرع وقت ممكن، مع وجود بعض الاختلافات في الرؤى مع تركيا بشأن هذا الملف.

وتنظر الولايات المتحدة إلى سوريا من زاوية قدرتها على الحد من النفوذ الإقليمي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومنع نقل الأسلحة إلى حزب الله عبر ضبط الحدود، والمشاركة في معالجة ملف حزب الله، ومنع عودة تنظيم داعش، إضافة إلى لعب دور ضمن الترتيبات الإقليمية التي يطرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من خلال الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

وتُظهر تركيا علناً أنها تؤيد تفاوض النظام السوري مع إسرائيل، لكن يبدو أن المواقف التي أعلنها أحمد الشرع بشأن الموافقة على المفاوضات تأتي بتنسيق مع أنقرة بهدف امتصاص الضغوط الأمريكية.

كما أن الولايات المتحدة تتوقع، نظراً إلى معرفة القوى التي تشكل الحكومة السورية الحالية بالتنوعات القومية والطائفية في منطقة بلاد الشام، أن تلعب سوريا دوراً في إدارة العشائر والأكراد والطوائف والمذاهب، بما في ذلك المساهمة في ضبط حزب الله.

ويمكن لسوريا أن تتعاون في ضبط عمليات نقل الأسلحة، وتبادل المعلومات، وملاحقة شبكات التهريب بالتنسيق مع الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية اللبنانية، بما يساعد على محاصرة حزب الله، أو أن تتدخل في حال اندلاع حرب أهلية في لبنان إلى جانب السنة أو طوائف أخرى ضد الحزب.

لكن يبدو أن الحكومة السورية الحالية، بناء على توصيات أنقرة، لا ترغب في تنفيذ مثل هذه المهام.

وترغب تركيا في أن تعمل سوريا على تعزيز هياكلها الداخلية وتوسيع التعاون الاقتصادي مع الدول المجاورة. وفي هذا الإطار، يمكن أن تتحول سوريا إلى ممر للطاقة والتجارة والاستثمار.

ومن وجهة النظر التركية، يمكن للممر السوري أن يصبح طريقاً لخروج نفط وغاز الخليج، وأن تنضم دول مثل السعودية وقطر والكويت والعراق والأردن إلى هذه الممرات الإقليمية للنقل، بما يوفر خيارات بديلة أمام التوترات في مضيقي هرمز وباب المندب.

ومؤخراً، وعلى هامش زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن، تم توقيع اتفاقية مع سوريا تهدف إلى إعادة بناء خط أنابيب يتيح للعراق الوصول إلى الأسواق الأوروبية عبر نقل نفطه.

كما عاد مشروع إعادة تشغيل خط أنابيب كركوك–بانياس ليُطرح مجدداً كمسار بديل في حال استمرار التوتر في مضيق هرمز، على أن تصل طاقته النهائية إلى مليوني برميل يومياً خلال 30 شهراً.

إضافة إلى ذلك، تجري دراسات لربط الغاز القطري بسوريا عبر مسار بري يمر من السعودية والأردن، فيما بدأت شركة النفط الكويتية خطوات للانضمام إلى المسار السوري.

ورغم ذلك، لا يبدو أن هذه الممرات ستكون بديلاً نهائياً لمضيق هرمز، لأن أمن الطاقة وتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط سيبقيان عاملين حاسمين، خصوصاً أن تدهور الأوضاع في سوريا قد يدفع الحكومة السورية الجديدة إلى الدخول في صراعات طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور إسرائيل. فالتصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين بشأن تغيير خريطة بلاد الشام (سوريا ولبنان) لا تزال تثير قلق تركيا وسوريا.

ويرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل تسير في مسار واضح نحو فرض هيمنة استراتيجية على جيرانها، وأنها تسعى بشكل معلن إلى تغيير خريطة النفوذ في بلاد الشام.

ورغم نجاح تركيا في إقناع الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل لوقف القصف، فإن سوريا تعرضت خلال العام الأول من وصول مجموعة أحمد الشرع إلى السلطة لأكثر من ألف غارة، في حين لم تتمكن الضغوط التركية على واشنطن من إنهاء استمرار احتلال أجزاء من الأراضي السورية.

وفي الوقت الحالي، لا تزال إسرائيل تسيطر على أكثر من 350 كيلومتراً مربعاً من الأراضي السورية بمحاذاة مناطق الجولان المحتلة في درعا والقنيطرة.

وحافظت إسرائيل على سيطرتها على هذه المناطق عبر إنشاء تسع قواعد دائمة ومؤقتة وإقامة نقاط تفتيش.

ورغم توافق الولايات المتحدة وتركيا على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ودعم حكومة أحمد الشرع، فإن إسرائيل لا تزال تسعى إلى تقسيم سوريا وتحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى”.

وبشكل عام، لا يبدو أن المنافسات والصراعات الإقليمية في سوريا ولبنان ستنتهي في وقت قريب، وربما ينبغي انتظار المزيد من المفاجآت في المرحلة المقبلة.

اقرأ ابضا

الصحافة الإيرانية: مستقبل التجارة الخارجية يمر عبر العراق وتركيا وباكستان لا الإمارات وحدها

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرة + ستة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى