ما وراء الكواليس… لماذا تحركت الرياض لكبح مواجهة واشنطن وطهران؟

يرى محلل في الشؤون الدولية أن الرياض تدرك جيدًا أن أي توسع في نطاق المواجهة قد يؤدي إلى زيادة تحركات جماعة أنصار الله، وهو ما سيؤثر بدوره على أمن البحر الأحمر والبنية التحتية للطاقة في السعودية.

ميدل ايست نيوز: يرى محلل في الشؤون الدولية أن الرياض تدرك جيدًا أن أي توسع في نطاق المواجهة قد يؤدي إلى زيادة تحركات جماعة أنصار الله، وهو ما سيؤثر بدوره على أمن البحر الأحمر والبنية التحتية للطاقة في السعودية. لذلك، من الطبيعي أن يسعى بن سلمان من خلال المشاورات مع واشنطن إلى منع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة.

ولا يمثل التراجع المفاجئ لدونالد ترامب عن التهديد بضرب البنى التحتية للمياه والكهرباء والطاقة في إيران مجرد تحول تكتيكي في السياسة الخارجية الأمريكية، بل قد يعكس تغيرات أعمق في موازين الأمن في الشرق الأوسط.

وخلال الأشهر الماضية، وبالتزامن مع تصاعد الأزمات الإقليمية وتبادل التهديدات المتكررة، تبنت دول الخليج نهجًا مختلفًا عن العقود السابقة. فهي تعرب الآن بشكل واضح عن قلقها من توسع نطاق التوترات بين طهران وواشنطن وتل أبيب.

ويطرح هذا التغير في السلوك والتحذيرات المتكررة الصادرة عن العواصم العربية سؤالًا أساسيًا: هل دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من الدبلوماسية والردع المتبادل، أم أن البيت الأبيض يسعى فقط إلى كسب الوقت لإعادة تصميم جولة جديدة من المواجهة مع طهران؟

وقال حسن هاني زاده، المحلل في شؤون الشرق الأوسط والسياسة الخارجية، في مقابلة مع موقع فرارو، إن المخاوف المتزايدة لدى الدول العربية من التداعيات المدمرة لأي حرب شاملة تحولت حاليًا إلى أحد العوامل الرئيسية في وقف آلة الحرب والتراجعات الأمريكية الأخيرة.

العرب لم يعودوا يريدون الحرب

وقال هاني زاده، في تحليله لتغير موقف الدول العربية تجاه التوترات الأخيرة: “بعد التهديد الأخير لدونالد ترامب بشن هجوم واسع على البنى التحتية للمياه والكهرباء، ولا سيما منشآت الطاقة في إيران، شهدت المنطقة سلسلة من التحركات الدبلوماسية غير المسبوقة. وقد ردت دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب العراق وباكستان، على الفور على هذا التهديد”.

وأضاف: “هذا الرد السريع يظهر أنهم يدركون جيدًا أن أي مواجهة عسكرية جديدة لن تبقى محصورة بين حدود إيران والولايات المتحدة، بل إن نيرانها ستغرق المنطقة بأكملها في أزمة أمنية عميقة”.

وأكد محلل الشؤون الدولية، مشددًا على الاختلافات الجوهرية بين الظروف الحالية والماضي: “تختلف أوضاع الشرق الأوسط اليوم بشكل أساسي عن السنوات السابقة. فإذا كانت بعض العواصم العربية في الماضي تعتقد أن ممارسة أقصى الضغوط على إيران ستصب في مصلحة أمنها، فإنها وصلت اليوم إلى إدراك استراتيجي مفاده أن شظايا أي حرب واسعة ستستهدف قبل كل شيء مصالحها الاقتصادية”.

وأشار إلى أن “اقتصادات الدول العربية في المرحلة الحالية أصبحت مرتبطة بالاستقرار الإقليمي أكثر من أي وقت مضى. وأي حالة من انعدام الأمن في الخليج أو البحر الأحمر أو طرق نقل الطاقة الرئيسية قد تلحق أضرارًا لا يمكن تعويضها بمليارات الدولارات بالشرايين الاقتصادية لهذه الدول”.

وأضاف الخبير الإيراني: “لهذا السبب تحديدًا رأينا هذه المرة أن دول المنطقة بذلت كل ما بوسعها، عبر مشاورات سياسية مكثفة، لمنع تنفيذ التهديدات العسكرية. هذا النهج يثبت بوضوح أن زاوية نظر الدول العربية تجاه التطورات الأمنية تغيرت، وأنها لم تعد ترغب في دفع تكلفة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة من أموالها”.

قلق الرياض يتجاوز القضية الإيرانية

وأشار هاني زاده إلى الاتصال الهاتفي الأخير بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قائلًا: “لا ينبغي تقييم هذا الاتصال فقط في إطار العلاقات التقليدية والدائمة بين الرياض وواشنطن. فالقلق الأساسي للسعودية في الظروف الحالية يتمثل في التداعيات الاقتصادية والأمنية الهائلة الناجمة عن حرب شاملة”.

وحذر قائلًا: “إذا تعرضت البنية التحتية للطاقة في إيران لهجمات عسكرية، فلا يمكن لأي مؤسسة دولية أن تضمن عدم امتداد نطاق هذه الأزمة إلى بقية الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط”.

وأوضح المحلل أن “أحد أخطر كوابيس السعودية يتمثل في تعرض أمن خطوط نقل الطاقة للخطر. فصناع القرار في الرياض يدركون جيدًا أنه في حال اتساع رقعة الحرب، فإن ممرات مائية استراتيجية مثل مضيق هرمز وباب المندب، وحتى طرق الملاحة الحيوية في البحر الأحمر، ستواجه تهديدات وجودية”.

وأكد أن “إغلاق هذه الطرق أو فقدان أمنها لا يعني فقط ارتفاع أسعار النفط عالميًا، بل يعني شلل التجارة العالمية وظهور أزمة اقتصادية جديدة ومدمرة على مستوى المنطقة”.

وتطرق هاني زاده إلى الملف اليمني، قائلًا: “مصدر قلق مهم آخر للسعودية يرتبط بالتطورات في اليمن. فالرياض تدرك أن أي تصعيد للأزمة قد يؤدي إلى زيادة كبيرة في مستوى عمليات وتحركات أنصار الله، وهو أمر يؤثر بشكل مباشر على أمن البحر الأحمر والمنشآت النفطية السعودية”.

وأضاف: “لذلك، من الطبيعي تمامًا أن يسعى بن سلمان عبر الضغط والمشاورات مع واشنطن إلى كبح انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة”.

هل تراجع ترامب أم اشترى الوقت؟

وحذر هاني زاده، في تقييمه لتغير لهجة الرئيس الأمريكي، من عدم اعتبار هذا التطور تحولًا جوهريًا في استراتيجية واشنطن.

وأوضح: “أثبت ترامب طوال مسيرته السياسية أنه يستخدم سلاح التهديد كأداة قوية للتفاوض وانتزاع التنازلات. فقد اتخذ في السابق مواقف شديدة اللهجة مرات عديدة، لكنه في اللحظة الحاسمة لاتخاذ القرار النهائي تراجع عن تنفيذ جزء كبير من تهديداته بسبب حسابات التكلفة الباهظة للمواجهة”.

وأضاف الخبير: “لذلك فإن ما شهدناه خلال الأيام الأخيرة ليس تغييرًا استراتيجيًا، بل مجرد تكتيك مؤقت”.

وأشار إلى استمرار ظلال الحرب قائلًا: “الولايات المتحدة لم ترفع الخيار العسكري بالكامل من على الطاولة، لكن الواقع الميداني هو أن الظروف المتوترة في المنطقة لا تسمح لواشنطن بمغامرة مكلفة”.

وأكد هاني زاده: “أي عمل عسكري مباشر ضد إيران قد يؤدي إلى رد فعل متسلسل تمتد نيرانه إلى الشرق الأوسط بأكمله، وهي حقيقة حذر منها حتى أقرب حلفاء واشنطن بشدة”.

استراتيجية واشنطن؛ استنزاف إيران

ويرى هذا المحلل أن التوقف المؤقت عن الخطاب العسكري الأمريكي لا يعني بأي حال من الأحوال تخفيف الضغوط الهيكلية على إيران، معتبرًا أن واشنطن غيرت أدواتها فقط لتحقيق الأهداف الكبرى نفسها.

وقال: “في المرحلة الحساسة الحالية، لا تسعى الولايات المتحدة إلى خوض حرب كلاسيكية وشاملة بقدر ما تحاول إدخال إيران في دورة استنزاف طويلة الأمد”.

ونوّه: “يجب أن ندرك أن الحرب ليست مجرد هجوم عسكري، فهناك أبعاد أكثر أهمية لهذا الصراع تجري في المجالات الاقتصادية والحرب النفسية والمعارك الإعلامية والضغوط السياسية”.

وأوضح: “البيت الأبيض أجرى حسابات دقيقة مفادها أن المواجهة العسكرية المباشرة ستترتب عليها تكاليف غير متوقعة ليس فقط لإيران، بل للولايات المتحدة نفسها. ولهذا يفضل الاستراتيجيون الأمريكيون إبقاء أجواء التهديد قائمة، ومواصلة الضغوط، مع تجنب الدخول في حرب شاملة”.

وقال المحلل: “أدركت واشنطن خلال الأشهر الأخيرة بوضوح أن أي توتر عسكري سيهدد بسرعة أسواق الطاقة والتجارة العالمية ومكانة حلفائها الإقليميين. لذلك تحاول الآن استخدام أداة الردع النفسي، أي إبقاء الطرف الآخر في حالة تأهب دائم دون إطلاق رصاصة واحدة”.

على طهران ألا تعتبر خفض التوتر نهاية للأزمة

وحذر هاني زاده الجهاز الدبلوماسي الإيراني من اعتبار التطورات الأخيرة نهاية للعداء، مؤكدًا أن طهران لا ينبغي أن تنظر إليها بهذه الطريقة.

وقال: “إن تراجع دونالد ترامب مؤقتًا عن مواقفه السابقة لا يعني إطلاقًا تغير النظرة الهيكلية للولايات المتحدة تجاه إيران. فالخلافات الاستراتيجية بين البلدين لا تزال قائمة”.

وحذر من أن “أي خطأ بسيط في الحسابات أو حادث أمني غير متوقع قد يؤدي في أي لحظة إلى تصعيد مستوى التوترات مجددًا”.

وأضاف بشأن الخيارات المتاحة أمام إيران: “في مثل هذه الظروف، يجب على إيران، مع الحفاظ على قدراتها الردعية، الاستفادة القصوى من أي نافذة دبلوماسية يمكن أن تقلل تكاليف المواجهة”.

وتابع: “حتى بعض الحلفاء التقليديين لواشنطن توصلوا اليوم إلى قناعة بأن استمرار الأزمة ليس في مصلحة أي طرف. ويمكن لهذا الوضع أن يخلق فرصًا ذهبية لخفض التوترات”.

وأكد المحلل في شؤون الشرق الأوسط والسياسة الخارجية: “إن تأكيد الدول العربية اليوم على الدبلوماسية يمثل تحولًا مهمًا للغاية في المعادلات الإقليمية. ويمكن لطهران الاستفادة من هذه القدرة لتعزيز علاقاتها مع دول الجوار وتقليل الضغوط السياسية، بشرط إدارة هذه الفرصة بشكل صحيح”.

الدور الجديد للدول العربية

وتحدث هاني زاده في جانب آخر من تصريحاته عن الدور الجديد للدول العربية، وقال: “في الماضي كانت العديد من الدول العربية تنتظر بشكل أكبر قرارات واشنطن، لكنها أصبحت اليوم جزءًا من المعادلة الأمنية الإقليمية”.

وأوضح سبب هذا التحول قائلًا: “السبب في هذا التغيير واضح؛ فهي أكثر الأطراف تضررًا من عدم استقرار المنطقة”.

وأضاف: “توصلت العواصم العربية إلى استنتاج مفاده أنه في حال اندلاع حرب بين إيران والولايات المتحدة، فلا توجد ضمانات تمكنها من الابتعاد عن تداعياتها. وحتى إذا لم تدخل بشكل مباشر في المواجهة، فإن اقتصاداتها وصادرات الطاقة والاستثمارات الأجنبية وأمنها الداخلي ستتأثر”.

وأكد: “ولهذا السبب أصبحت اليوم أكثر من أي وقت مضى تؤكد على خفض التوتر والحلول السياسية”.

آفاق توازن القوى

وتشير دراسة مسار التطورات الحالية إلى أن البنية الأمنية في الشرق الأوسط تمر بمرحلة انتقالية وتشهد تغيرًا تدريجيًا في موازين القوى. ورغم أن الولايات المتحدة، رغم كل التقلبات، لا تزال تُعد اللاعب الخارجي الأكثر نفوذًا في المنطقة، فإن الديناميكيات الجديدة تظهر أن واشنطن لم تعد قادرة على اتخاذ خطوات أحادية الجانب دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح واعتبارات حلفائها العرب.

وفي ختام حديثه، قال هاني زاده: “لم تعد الدول العربية مستعدة لدفع تكلفة السياسات التصادمية لواشنطن فقط. وقد يؤثر هذا الأمر مستقبلًا على طريقة إدارة الأزمات الإقليمية”.

وحذر في خلاصة حديثه: “رغم أن دور الدول العربية في خفض التوتر مهم، فإنه لا توجد ضمانات لاستمرار هذا المسار. فأي تطور ميداني أو قرار خاطئ من أي طرف يمكن أن يعيد المنطقة مرة أخرى نحو الأزمة”.

وقال هاني زاده: “لذلك فإن الحاجة الأهم للشرق الأوسط اليوم هي الحفاظ على قنوات دبلوماسية ومنع تحول التوترات السياسية إلى مواجهة عسكرية”.

اقرأ ايضا

الصحافة الإيرانية: التعاون النووي بين واشنطن والرياض.. مشروع طاقة أم إعادة ترتيب للنفوذ؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى