الصحافة الإيرانية: العراق في قلب الاستراتيجية الغربية.. هل يتسلم الناتو راية واشنطن؟

يثير الاتفاق الأخير بين الحكومة العراقية ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) لافتتاح مكتب رسمي للحلف في بغداد، تساؤلات جوهرية حول مستقبل التواجد الغربي في العراق.

ميدل ايست نيوز: شكل العراق، منذ سقوط نظام صدام حسين في عام 2003، إحدى أهم ركائز الاستراتيجية الأمنية والسياسية ومجال الطاقة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فموقعه الجغرافي، وموارده الهائلة من الطاقة، ومجاورته لمناطق تعج بالأزمات، فضلاً عن دوره في المعادلات الأمنية، جعلت منه نقطة استراتيجية لا يمكن لواشنطن تجاوزها في سياستها الإقليمية. ولهذا، فإن أي تغيير في مستوى التواجد العسكري والأمني الغربي في العراق يحمل رسائل سياسية واسعة تتجاوز مجرد الإجراء الإداري أو العسكري المحدود.

وحسب تقرير لصحيفة “توسعه إيراني“، خلال السنوات الماضية، واجه التواجد العسكري الأمريكي معارضة مستمرة من قبل شرائح واسعة من التيارات السياسية وفصائل المقاومة في العراق. وعقب التطورات الأمنية الأخيرة، طالبت العديد من الأحزاب بإنهاء الوجود العسكري الأمريكي والأجنبي على الأراضي العراقية. ورغم أن هذا المطلب تكرر في ظل حكومات متعاقبة وشهد تقليصاً جزئياً للقوات الأجنبية، إلا أن الإطار العام للعلاقات بين بغداد وواشنطن لم يسمح بإغلاق هذا الملف بشكل نهائي.

في ظل هذه التجاذبات، يثير الاتفاق الأخير بين الحكومة العراقية ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) لافتتاح مكتب رسمي للحلف في بغداد، تساؤلات جوهرية حول مستقبل التواجد الغربي في البلاد. وتأتي هذه الخطوة في وقت يطالب فيه جزء من المشهد السياسي بخروج كامل للقوات الأجنبية، بينما تسعى الولايات المتحدة للحفاظ على دورها الأمني بقوالب وأشكال جديدة.

وبموجب الاتفاق الذي أُبرم بين مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم العبودي، وقائد بعثة الناتو في العراق، الفريق رامون أرمادا، سيتولى المكتب الجديد مهام التنسيق الإداري، وتبادل المعلومات، وتنفيذ البرامج التدريبية، ومتابعة التعاون الأمني. وقد شدد المسؤولون العراقيون وقادة الناتو على أن هذا المكتب “لا يحمل طابعاً قتالياً”، ولن يشهد نشر أي قوات مقاتلة في العراق.

ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى تأسيس مركز رسمي للناتو في العاصمة العراقية كإجراء فني بحت؛ فالتواجد الهيكلي لمنظمة عسكرية دولية في وقت يُطرح فيه بشدة خيار الانسحاب الأمريكي، يؤكد مساعي الغرب لإرساء إطار أمني طويل الأمد في العراق.

الناتو.. بديل لأمريكا أم أداة لاستمرار نفوذها؟

يأتي قرار تفعيل دور الناتو في العراق بعد فترة من تقليص تواجده الميداني. ففي مارس/آذار 2026، وعلى خلفية تصاعد التوترات الإقليمية والمخاوف الأمنية، انسحبت قوات بعثة الناتو من قاعدة “فيكتوريا” قرب مطار بغداد، ونُقلت أنشطتها مؤقتاً إلى مقر القيادة المشتركة في نابولي بإيطاليا. لكن، بعد إعادة تقييم الوضع الأمني والحصول على ضمانات من الحكومة العراقية، تم تمهيد الطريق لعودة العمليات المباشرة للحلف.

ويرى محللون أن عودة الناتو إلى بغداد في هذا التوقيت تأتي ضمن مسار أوسع يهدف إلى “إعادة هيكلة” التواجد الغربي في العراق. فالولايات المتحدة، وتحت وطأة الضغوط السياسية الداخلية واحتجاجات الفصائل، لم تعد ترغب في حصر تواجدها تحت راية “القوات الأمريكية” فقط. في المقابل، توفر مظلة الناتو فرصة لاستمرار التعاون الأمني الغربي مع بغداد في إطار متعدد الأطراف.

ورغم أن واشنطن تُعد العضو الأبرز والأكثر نفوذاً في هيكل صنع القرار داخل الناتو، إلا أن تواجد الحلف يُعد أقل تكلفة سياسية بالنسبة لها مقارنة بالوجود الأمريكي المباشر. لهذا السبب، قد تنظر بعض التيارات السياسية العراقية إلى هذه الخطوة على أنها مجرد “تغيير في المسمى وشكل التواجد”، وليس انسحاباً فعلياً.

بالنسبة لواشنطن، لا يزال العراق يمثل حجر زاوية لمنع عودة التنظيمات الإرهابية، وضبط التهديدات الأمنية، والحفاظ على التوازن الإقليمي. وضمن هذا السياق، تُعتبر عمليات تدريب القوات العراقية، وتطوير قدرات الأمن السيبراني، وتعزيز الرقابة الحدودية، واستخدام تقنيات حديثة كالذكاء الاصطناعي، أدوات فعالة للحفاظ على الارتباط الاستراتيجي مع بغداد.

ارتباط مكتب الناتو بملف “الحشد الشعبي”

يتزامن افتتاح مكتب الناتو في بغداد مع واحد من أعقد الملفات الأمنية في العراق: مستقبل “الحشد الشعبي” وموقع الفصائل المسلحة خارج الهيكل التقليدي للقوات الحكومية. ففي حين تؤكد الحكومة سعيها لاحتكار السلاح بيد الدولة، مارست واشنطن ضغوطاً متزايدة في الأشهر الأخيرة لتحجيم القدرات العسكرية للفصائل المتحالفة مع محور المقاومة.

وفي هذا الصدد، أكد الأمين العام لكتائب حزب الله في العراق، أبو حسين الحميداوي، تمسك الفصيل بسلاح المقاومة ومواصلة السعي لتطوير قدراته العسكرية. ويعكس هذا الموقف عمق الهوة بين بعض الفصائل المسلحة من جهة، والسياسات المدعومة أمريكياً والتي تتبناها بغداد حول هيكلية الأمن القومي من جهة أخرى.

في خضم هذا المشهد، قد تُفسر بعض الفصائل توسيع دور الناتو على أنه جزء من مشروع يهدف إلى إعادة هندسة الهيكل الأمني العراقي لتقليص نفوذ الجهات المسلحة المستقلة عن الدولة. ورغم تأكيدات الناتو بأن مهمته “استشارية وتدريبية” فقط، إلا أن مسارات التدريب، والتنظيم، ونقل التكنولوجيا، وتقديم الاستشارات الاستراتيجية ستترك بلا شك بصمتها على بنية القوة الأمنية في البلاد.

هذا التزامن بين الضغوط لتحجيم الحشد الشعبي وتوسيع دور الناتو دفع بعض الأطراف للربط بين الملفين؛ متهمين الغرب بمحاولة إضعاف اللاعبين المسلحين غير الحكوميين عبر تقوية الأجهزة الرسمية. في المقابل، تصر الحكومة العراقية على أن الهدف الأسمى يتمثل في تعزيز المؤسسات الرسمية لمنع تكرار كابوس “داعش”.

تعاون أمني أم عودة أمريكية مبطنة؟

يظل السؤال الأبرز: هل يمثل مكتب الناتو في بغداد مجرد مظلة لتعاون تدريبي محدود، أم أنه غطاء جديد لاستمرار التواجد الأمريكي؟ تعتمد الإجابة بشكل كبير على أداء هذا المكتب، وصلاحياته الفعلية، وردود أفعال القوى السياسية العراقية:

  • المؤيدون للتواجد الغربي: من المرجح أن ترحب التيارات المقربة من واشنطن بالخطوة كرافعة لتعزيز الدفاعات العراقية وصد التهديدات الإرهابية، مستندين إلى حاجة الجيش العراقي الماسة للتدريب والتكنولوجيا المتقدمة التي يمتلكها الحلف.

  • المعارضون والرافضون: في المقابل، سترى الفصائل المطالبة بالانسحاب الأجنبي في هذه الخطوة استمراراً للنفوذ الغربي. فبالنسبة لهم، لا يوجد فارق استراتيجي بين الوجود الأمريكي المباشر والوجود عبر بوابة الناتو، طالما أن واشنطن هي من يمسك بخيوط القرار الأمني الغربي.

في المحصلة، يرتهن نجاح مكتب الناتو في بغداد بقدرة الحكومة العراقية على إدارة الانقسامات الداخلية، وحفظ السيادة الوطنية، وخلق توازن بين شركائها الدوليين. فإذا انحصر نشاط المكتب في إطار التدريب المؤسسي، قد يشكل إضافة نوعية لأمن العراق؛ أما إذا تحول إلى واجهة بديلة للوجود الأمريكي المباشر، فإنه سيصطدم حتماً بمقاومة شرسة من قطاعات واسعة في المشهدين السياسي والأمني العراقي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − أربعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى