اتفاق هرمز يقترب.. هل تنهي واشنطن حصار الموانئ الإيرانية؟

أظهرت تجربة الأشهر الماضية أنه كلما اقتربت طهران وواشنطن من تفاهم، عادت الخلافات بشأن آلية تنفيذه لتشعل الأزمة من جديد.

ميدل ايست نيوز: اقتربت إيران والولايات المتحدة من التوصل إلى اتفاق مؤقت بشأن مضيق هرمز، قد يؤدي، في حال إتمامه، إلى استئناف حركة الملاحة التجارية ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، لكن التطورات الأمنية في المنطقة تشير في الوقت نفسه إلى أن الأزمة لم تنتهِ بعد.

تشير التطورات الأخيرة إلى اقتراب طهران وواشنطن من اتفاق مؤقت بشأن مضيق هرمز، قد يفضي، في حال إتمامه، إلى استئناف حركة الملاحة التجارية ورفع الولايات المتحدة الحصار عن الموانئ الإيرانية. لكن بالتزامن مع هذه المؤشرات الدبلوماسية، لا تزال التوترات الإقليمية مرتفعة، فيما يشير الاتفاق الدفاعي الجديد بين السعودية وباكستان وتركيا، إلى جانب تحذيرات الرياض، إلى أن الشرق الأوسط لا يزال يواجه أزمة أمنية خطيرة.

ضوء أخضر من واشنطن لإنهاء الحصار

كان أبرز تطور خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية تصريحات مسؤول أمريكي لوكالة «رويترز»، قال فيها إن المفاوضات بين إيران وعُمان بشأن ترتيبات مضيق هرمز أحرزت تقدمًا، وإن واشنطن تتوقع الإعلان عن اتفاق قريبًا. وبحسب هذه الرواية، يتمثل هدف الاتفاق في استئناف حركة الملاحة التجارية دون عوائق عبر مضيق هرمز، وفي حال تنفيذ الاتفاق، سترفع الولايات المتحدة الحصار عن الموانئ الإيرانية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية كبيرة، لأن حصار الموانئ الإيرانية كان أحد أهم أدوات الضغط التي استخدمتها واشنطن خلال الأسابيع الأخيرة. وكانت الولايات المتحدة قد بدأت في 14 يوليو تنفيذ حصار بحري على الموانئ الإيرانية ومحطات النفط والمناطق الساحلية، في خطوة فرضت قيودًا كبيرة على صادرات إيران ووارداتها البحرية.

والآن، يتحول المسار الذي أدى في السابق إلى تصعيد المواجهة العسكرية إلى محور رئيسي للمفاوضات الرامية إلى خفض التوتر: هرمز مقابل رفع الحصار.

اتفاق لم يُدوَّن بعد على الورق

خلال الأيام الماضية، صدرت تقارير عدة بشأن تفاصيل الاتفاق المحتمل. وكانت «أكسيوس» قد أفادت في وقت سابق بأن طهران وواشنطن ومسقط اقتربت من اتفاق مؤقت، يستمر نحو 60 يومًا، ويمكن أن يمهد لإعادة فتح المضيق واستئناف محادثات أوسع بشأن الملف النووي الإيراني.

من جانبها، أفادت «رويترز» بأن إيران وعُمان توصلتا إلى تفاهم بشأن إحداثيات مسار للملاحة في المضيق. كما أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن الإحداثيات الجغرافية لمسار العبور قد حُددت، وأن بيانًا مشتركًا في مراحله النهائية، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الاتفاق بين طهران ومسقط وحده لا يضمن أمن المضيق.

وبالتالي، فإن ما يبدو مؤكدًا في الوقت الراهن هو تقدم المفاوضات بين إيران وعُمان، والمساعي الرامية إلى إنشاء مسار ملاحي محدد وآمن، لكن لا يزال من المبكر الحديث عن اتفاق نهائي ونافذ بين إيران والولايات المتحدة.

الخلاف الرئيسي يتمحور حول إدارة هرمز

القضية لا تتعلق بمجرد إعادة فتح المضيق، بل يتمثل الخلاف الرئيسي في الآلية التي ستنظم حركة السفن بعد التوصل إلى الاتفاق.

فقد شددت طهران خلال الأشهر الماضية على دورها ودور عُمان في إدارة أمن المضيق. في المقابل، تعترض واشنطن على أي ترتيب يمنح إيران صلاحية أحادية لتحديد مسارات السفن أو تحصيل رسوم منها.

وكانت «رويترز» قد أفادت سابقًا بأن الخطط المطروحة للتفاوض تتضمن مطالبة إيران بدور أكبر في السيطرة على حركة الدخول إلى المضيق. كما طرحت طهران في وقت سابق مسألة فرض رسوم على السفن، وهو ما عارضته واشنطن.

وفي الوقت نفسه، أشار تقرير لـ«أكسيوس» إلى احتمال التوصل إلى اتفاق مؤقت بين إيران وعُمان بشأن الإشراف المشترك على المضيق ومرور السفن من دون فرض رسوم. لكن هذا الجزء لا يزال في إطار ما تنقله مصادر دبلوماسية، ولم يُنشر بعد نص رسمي للاتفاق.

ومن جهة أخرى، يدرس البرلمان الإيراني مشروعًا يحظر مرور السفن الأمريكية والإسرائيلية وغيرها من السفن التي تصفها طهران بـ«المعادية» عبر مضيق هرمز، في خطوة تظهر أن الخلاف بشأن حدود صلاحيات إيران في المضيق سيظل قائمًا حتى في حال إحراز تقدم في المفاوضات.

رسالة الحرس الثوري.. رواية مختلفة لاتفاق محتمل

وفي الداخل الإيراني أيضًا، تظهر مؤشرات على محاولة صياغة رواية سياسية للاتفاق المحتمل. فقد وصف الحرس الثوري الإيراني، في بيان، «مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها» بأنها دليل على خضوع الولايات المتحدة للحقائق الميدانية.

لكن ثمة نقطة مهمة تتمثل في أن البيان لم يحدد على وجه الدقة مذكرة التفاهم المقصودة. وتكتسب هذه المسألة أهمية في ظل استمرار المفاوضات بين إيران وعُمان بشأن هرمز، إلى جانب استمرار الخلاف بين طهران وواشنطن بشأن تنفيذ التفاهمات السابقة.

ويبدو في الواقع أن روايتين تتشكلان بالتزامن؛ ففي واشنطن، يُقدَّم الاتفاق المحتمل باعتباره نتيجة للضغط من أجل استئناف حرية الملاحة وإنهاء التهديدات التي تواجه السفن، بينما يمكن تقديم المسار نفسه في طهران باعتباره تراجعًا أمريكيًا عن حصار إيران وقبولًا بدور طهران في مضيق هرمز.

المنطقة لا تزال تحت وطأة الأزمة

رغم انفتاح المسار الدبلوماسي، فإن الوضع الإقليمي لا يبدو هادئًا على الإطلاق. فقد أعلنت السعودية، الجمعة، أنها تتوقع هجمات منسقة تشنها جماعات مسلحة موالية لإيران من شمال البلاد وجنوبها. وجاء هذا التحذير في وقت وقعت فيه الرياض وأنقرة وإسلام آباد اتفاقًا دفاعيًا مشتركًا في مكة.

ولا يمكن النظر إلى هذا الاتفاق الثلاثي باعتباره تطورًا جانبيًا فحسب. فإقامة إطار دفاعي بين ثلاث دول إقليمية مهمة، في خضم الحرب بين إيران والولايات المتحدة، تشير إلى أن دول المنطقة تستعد لفترة أطول من عدم الاستقرار.

وأفادت «رويترز» بأن هذا الاتفاق تشكل بهدف الردع في مواجهة التهديدات الإقليمية، رغم تأكيد أطرافه أنه لا يستهدف دولة بعينها.

وفي المقابل، حذرت طهران من أن دول الخليج قد تصبح أهدافًا لرد إيراني في حال شنت الولايات المتحدة هجومًا جديدًا. وبذلك، حتى مع استمرار المفاوضات بشأن هرمز، لا يزال خطر اتساع نطاق الحرب ليشمل دولًا أخرى في المنطقة قائمًا.

لماذا أصبح هرمز نقطة النهاية للحرب؟

تحول مضيق هرمز خلال الأشهر الماضية من ممر للملاحة إلى أهم أداة تفاوضية بيد الطرفين. فمن وجهة نظر إيران، يمثل التحكم في أمن هذا الممر المائي أداة استراتيجية للضغط على الولايات المتحدة وتأمين مصالح طهران. أما من وجهة نظر واشنطن، فإن عرقلة حركة السفن وناقلات النفط تمثل تهديدًا للاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.

ولا تقتصر أهمية المضيق على إيران والولايات المتحدة. إذ يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي وحجم كبير من شحنات الغاز الطبيعي المسال، وأي اضطراب في حركة الملاحة عبره يؤثر مباشرة في أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

ولهذا السبب، مارست الولايات المتحدة من جهة ضغوطًا عسكرية لإعادة فتح هرمز، وهي مستعدة من جهة أخرى لرفع الحصار عن الموانئ الإيرانية في حال التزام طهران بتعهداتها.

هل يصمد الاتفاق هذه المرة؟

هذا هو السؤال الأهم. فقد أظهرت تجربة الأشهر الماضية أنه كلما اقتربت طهران وواشنطن من تفاهم، عادت الخلافات بشأن آلية تنفيذه لتشعل الأزمة من جديد. وفي يوليو أيضًا، تم التوصل إلى تفاهم لإنهاء الحرب وإعادة فتح هرمز، لكن استئناف الهجمات والخلاف حول حركة السفن أدى إلى توقف مسار الاتفاق.

والفرق المهم هذه المرة هو أن لدى الطرفين حافزًا أكبر للخروج من دائرة الحرب. فالولايات المتحدة تواجه حربًا طويلة ومكلفة، كما يواجه ترامب معضلة إيجاد مخرج من الصراع. ووصفت «رويترز»، في تحليل لها للوضع الراهن لترامب، الحرب المستمرة منذ ستة أشهر مع إيران بأنها مشكلة متفاقمة بالنسبة إلى الرئيس الأمريكي.

وفي طهران أيضًا، تفرض الحرب المستمرة تكاليف اقتصادية وأمنية باهظة، فيما تواصل حكومة مسعود بزشكيان التأكيد على أهمية الدبلوماسية. وأفادت «رويترز» بأن بزشكيان دافع خلال الأيام الأخيرة عن مواصلة الحوار مع الولايات المتحدة، معتبرًا أن الدبلوماسية أكثر فاعلية من الحرب.

هرمز.. بداية نهاية الحرب أم هدنة مؤقتة؟

في المحصلة، تشير المؤشرات الحالية أكثر من أي وقت مضى إلى الاقتراب من اتفاق محدود لإدارة مضيق هرمز، وهو اتفاق قد يمثل الخطوة الأولى نحو خفض التوتر بين إيران والولايات المتحدة، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية الخلافات بين البلدين.

وفي حال تنفيذ الاتفاق، فإن استئناف الملاحة التجارية ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية قد يشكلان أول مؤشر ملموس على تراجع التوتر. لكن الملفات الأكبر، بدءًا من العقوبات والبرنامج النووي، وصولًا إلى الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة ومستقبل أمن الخليج، ستظل مطروحة على الطاولة.

لذلك، لم يعد السؤال الرئيسي يقتصر على ما إذا كان «هرمز سيفتح أم لا»، بل يتمثل في ما إذا كانت طهران وواشنطن قادرتين على تحويل هذا الاتفاق المحدود إلى نقطة انطلاق نحو وقف إطلاق نار مستدام، ثم إلى مفاوضات أوسع، أم أن الخلاف بشأن تنفيذ الاتفاق سيعيد المنطقة مرة أخرى إلى دائرة الهجوم والرد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 + ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى