بعد 8 أعوام من الانتظار.. هل تهدد اتفاقية بحر قزوين حصة إيران المائية؟

يرى منتقدو الحكومة الإيرانية أن إرسال مشروع القانون في الظروف الحالية، ولا سيما بصفة عاجلة، ليس ضروريًا، بل قد يؤدي إلى إضعاف القدرة التفاوضية لإيران.

ميدل ايست نيوز: أعاد إرسال مشروع قانون انضمام إيران إلى اتفاقية النظام القانوني لبحر قزوين إلى البرلمان الإيراني، بعد ثمانية أعوام من الانتظار، أعاد ملفًا جيوسياسيًا قديمًا وحساسًا إلى صدارة المشهد السياسي والإعلامي، بالتزامن مع تجدد الادعاءات بشأن تراجع حصة إيران، ما أعاد إلى الواجهة الجدل حول حقوقها التاريخية ومصالحها في بحر قزوين.

وكان ملف النظام القانوني لبحر قزوين قد ابتعد عن صدارة الأخبار لسنوات، لكن الإرسال المفاجئ لمشروع قانون انضمام إيران إلى اتفاقية النظام القانوني لبحر قزوين، بصفة عاجلة، أعاد واحدًا من أكثر ملفات السياسة الخارجية تعقيدًا في إيران إلى واجهة المشهد السياسي والإعلامي في البلاد.

وما ضاعف حساسية الموضوع هذه المرة ليس مجرد إرسال مشروع قانون، وإنما تزامن ذلك مع الظروف الاستثنائية التي تشهدها المنطقة، ونشر روايات حول مفاوضات عام 2018، وتصريحات بعض أعضاء البرلمان الإيراني والخبراء، إلى جانب عودة قضية «حصة إيران من بحر قزوين» إلى الرأي العام، وهي قضية ظلت لسنوات تتأرجح بين روايات قانونية وسياسية وعاطفية.

مشروع قانون انتظر ثمانية أعوام

وُقعت اتفاقية النظام القانوني لبحر قزوين في أغسطس 2018 بمدينة أكتاو الكازاخستانية، من جانب رؤساء الدول الساحلية الخمس، وهي إيران وروسيا وأذربيجان وتركمانستان وكازاخستان. لكن خلافًا للدول الأربع الأخرى التي صادقت على الاتفاقية في برلماناتها خلال فترة قصيرة، لم تكن إيران قد أحالت هذه الوثيقة إلى مجلس الشورى الإيراني للتصديق عليها حتى الآن.

والآن، أرسلت حكومة بزشكيان، بعد ثمانية أعوام، مشروع قانون الانضمام إلى هذه الاتفاقية إلى مجلس الشورى بصفة عاجلة، وهي خطوة أثارت فورًا موجة من التساؤلات حول أسباب توقيتها وتداعياتها المحتملة على المصالح الوطنية الإيرانية.

هل تحدد الاتفاقية حصة إيران؟

يتشكل جزء مهم من النقاشات الدائرة هذه الأيام على أساس سوء فهم قديم، مفاده أن اتفاقية أكتاو حددت بشكل مباشر حصة كل دولة من بحر قزوين.

لكن نص الاتفاقية لم يفعل ذلك في الواقع. فالوثيقة تحدد الإطار العام للتعاون بين الدول الساحلية، بما في ذلك القواعد المتعلقة بالأمن والملاحة وحماية البيئة والثروة السمكية وتحديد نطاق المياه الإقليمية ومنطقة الصيد الحصرية، لكنها أحالت ترسيم حدود قاع البحر وباطنه، أي الجزء الذي توجد فيه موارد النفط والغاز، إلى مفاوضات واتفاقات لاحقة بين الدول المعنية.

وبناءً على ذلك، يؤكد العديد من القانونيين أن انضمام إيران إلى الاتفاقية لا يعني بحد ذاته تحديد حصتها بشكل نهائي، رغم أن المنتقدين يرون أن قبول هذا الإطار قد يضعف الموقف القانوني لإيران في المفاوضات المستقبلية.

من «50%» إلى «20%».. أين يكمن الخلاف الأساسي؟

تُعد مسألة حصة إيران البالغة 50% من أقدم القضايا المثارة بشأن بحر قزوين.

وقبل انهيار الاتحاد السوفيتي، كان بحر قزوين مشتركًا بين إيران والاتحاد السوفيتي فقط، وكانت العلاقات بين البلدين تنظمها معاهدتا عامي 1921 و1940. وقد أقرت هاتان المعاهدتان حقوقًا متساوية في الملاحة وبعض أوجه الاستغلال، لكنهما لم تنصا بشكل صريح على ترسيم دقيق للحدود أو ملكية بنسبة 50% لكل طرف، وهي مسألة ظلت موضع خلاف بين القانونيين لسنوات.

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي واستقلال ثلاث دول جديدة، تغيرت المعادلة بالكامل. ومنذ ذلك الحين، أكدت إيران مبدأ «التقسيم العادل» أو حصة 20%، في حين اتبعت روسيا وكازاخستان وأذربيجان مسارًا مختلفًا استنادًا إلى أسلوب «خط المنتصف المعدل»، وهو أسلوب يؤدي، وفق بعض الحسابات، إلى خفض حصة إيران إلى نحو 13% أو حتى أقل. ولم تقبل إيران قط هذه التقسيمات الثنائية.

رواية مثيرة للجدل عن كواليس المفاوضات

وبالتزامن مع إعادة بحث هذا الملف، أعاد تداول تصريحات رجب صفروف، عضو الفريق الروسي في مفاوضات النظام القانوني لبحر قزوين، الأنظار مجددًا إلى القضية.

وقال صفروف في مقابلة تعود إلى عام 2018 إن الوفد الروسي كان يتوقع أن تطالب إيران بحصة تبلغ 50%، لكنه أضاف أنه في الجلسة الأولى طرح الوفد الإيراني مقترحًا يقضي بتقسيم البحر بالتساوي بين الدول الخمس، وهو ما وصفه صفروف بأنه كان بمثابة «هدية غير متوقعة» للدول الساحلية الأخرى.

وأعيد تداول هذه الرواية على نطاق واسع خلال الأيام الأخيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن أي مسؤول إيراني رسمي لم يؤكدها حتى الآن، كما لم تُنشر وثيقة مستقلة تثبت صحتها؛ ولذلك لا يمكن اعتبارها حقيقة تاريخية مؤكدة.

ماذا يقول المعارضون والمؤيدون؟

يرى منتقدو الحكومة الإيرانية أن إرسال مشروع القانون في الظروف الحالية، ولا سيما بصفة عاجلة، ليس ضروريًا، بل قد يؤدي إلى إضعاف القدرة التفاوضية لإيران.

وحذر بعض أساتذة الجيوسياسة وعدد من أعضاء البرلمان الإيراني من أن التصديق على الاتفاقية قبل تحديد وضع قاع بحر قزوين وباطنه قد يضر بالمصالح الإيرانية طويلة الأمد. كما يرون أنه لا ينبغي لإيران التراجع عن موقفها التقليدي بشأن حصة 20% أو حقوقها التاريخية.

وفي الأيام الأخيرة، أعلن أحمد بخشايش أردستاني، عضو لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى، أنه وفقًا لبعض الحسابات، إذا جرت المفاوضات على أساس خط المنتصف العادل، فقد تتراوح حصة إيران بين 5 و11%، ولذلك فمن الأفضل للحكومة أن تسعى إلى زيادة حصة إيران قبل التصديق على مشروع القانون.

في المقابل، يقول مؤيدو الاتفاقية إن كثيرًا من المخاوف المطروحة ناتج عن الخلط بين «الاتفاقية» و«ترسيم الحدود».

ويرى هؤلاء أن الوثيقة تنظم القواعد العامة للتعاون بين الدول الساحلية أكثر من كونها تتعلق بتقسيم الموارد، وأن أهم مكاسبها الأمنية يتمثل في حظر وجود قوات عسكرية تابعة للدول غير الساحلية في بحر قزوين، وهو بند شددت عليه إيران وروسيا لسنوات. كما أن تحديد 15 ميلًا للمياه الإقليمية و10 أميال لمنطقة الصيد الحصرية يتعلقان فقط بسطح البحر، ولا يرتبطان بشكل مباشر بتقسيم قاع البحر الذي توجد فيه موارد النفط والغاز.

أبعد من النسب.. صراع على جيوسياسية المنطقة

مع ذلك، يرى العديد من المحللين أن قضية بحر قزوين لم تعد تتعلق فقط ببضع نسب مئوية من مساحة بحر.

فقد أدت خلال السنوات الأخيرة مشاريع مثل ممر زانغزور، ومشروع خط أنابيب عبر بحر قزوين، والتنافس على صادرات الطاقة إلى أوروبا، والحرب في أوكرانيا، وتزايد دور أذربيجان في المعادلات الإقليمية، إلى زيادة الأهمية الجيوسياسية لبحر قزوين أكثر من أي وقت مضى.

وفي مثل هذه الظروف، فإن أي قرار قانوني بشأن النظام القانوني لبحر قزوين لا يمثل مجرد اتفاق بحري، بل يمكن أن يؤثر أيضًا على موقع إيران في معادلات الطاقة والترانزيت والأمن الإقليمي.

ملف لم يُغلق بعد

رغم كل الجدل، تظل هناك نقطة واضحة؛ فعلى خلاف العديد من الروايات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لم تحدد اتفاقية أكتاو حتى الآن الحصة النهائية لإيران من قاع بحر قزوين وباطنه، ولا تزال هذه المسألة مرتبطة بالمفاوضات اللاحقة.

وفي الوقت نفسه، فإن مخاوف المنتقدين لا تتعلق فقط بنص الاتفاقية؛ إذ يرون أن قبول هذا الإطار قد يغير الموقف القانوني لإيران في المفاوضات المستقبلية، ويقيد قدرة البلاد على المطالبة بحصة أكبر.

لهذا السبب، فإن البرلمان الإيراني لا يتخذ قرارًا بشأن التصديق على وثيقة قانونية فحسب، بل سيصوت على ملف يرتبط، في نظر الرأي العام الإيراني، بمفاهيم مثل سلامة الأراضي والحقوق التاريخية وموارد الطاقة والمكانة الجيوسياسية للبلاد؛ وهو ملف يبدو أنه سيظل موضع خلاف حتى بعد تصويت مجلس الشورى.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى