تأثير الحرب الإيرانية على صنّاع القرار في الصين

يسود اعتقاد في الأوساط الصينية بأن تأثير الأزمة الإيرانية على الصين كان ضئيلاً، لكنه قد يوجه أنظار صنّاع القرار نحو إعادة النظر في ترتيب وصياغة بعض الحسابات السياسية.

ميدل ايست نيوز: يسود اعتقاد في الأوساط الصينية بأن تأثير الأزمة الإيرانية على الصين كان ضئيلاً، لكنه قد يوجه أنظار صنّاع القرار نحو إعادة النظر في ترتيب وصياغة بعض الحسابات السياسية. فمع دخول الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران شهرها السادس، يواجه صنّاع السياسة الصينيون العديد من الأسئلة، من بينها: إلى متى قد يستمر الصراع، وما إذا كان سيستلزم إجراء تعديلات على الخطط السابقة. هذا النوع من الأسئلة أثار قضايا أخرى تتعلق بالسياسات الخارجية: مثل حدود التدخّل الصيني، ومسار الوساطة، وتداعيات الاستثمار السياسي في الأزمة الإيرانية، وإلى أي حد يخدم ذلك المصالح الصينية الاستراتيجية، خصوصاً مع تباطؤ النمو الاقتصادي للصين في الربع الثاني من العام الحالي، حيث بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 4.3%، وهو أدنى معدل نمو منذ نهاية عام 2022.

تأثير الحرب على الصين

في هذا الصدد، يعتقد مراقبون أنه على الرغم من أن التأثير المستمر على الصين قد يظل ضئيلاً نسبياً مقارنة بدول أخرى، إلا أن الحرب لا تزال قادرة على تغيير حسابات بكين ودفعها إلى معالجة المشاكل الناجمة عنها بشكل أفضل، وبذل المزيد من الاهتمام والجهد لمواجهة الاضطرابات ومنع العوامل الخارجية من تعقيد الوضع في الداخل. وكانت بكين قد بذلت جهوداً دبلوماسية حثيثة منذ بدء الحرب على إيران في فبراير/ شباط الماضي، وأجرى وزير الخارجية وانغ يي عشرات الاتصالات الهاتفية مع نظرائه في طهران وإسلام أباد وعواصم دول الخليج، وغيرها. وفي مارس/ آذار الماضي، قام المبعوث الخاص تشاي جون بجولة إقليمية للدفع نحو الحوار. في الأمم المتحدة، قال مندوب الصين فو كونغ إن الأزمة تتطلب إدارة متعددة الأطراف، وإن الصراع تجاوز حدود الصدام الثنائي بين إيران والولايات المتحدة.

ومع ذلك، في تقدير الموقف الصيني هناك آراء تقول إن الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين بكين من جهة، وطهران ودول الخليج من جهة أخرى، المدفوع باحتياجات الصين من الطاقة وعلاقاتها التجارية، حال دون حدوث أي تحولات دبلوماسية جذرية من الجانب الصيني، وأن هذه المرونة قد تثير شكوكاً طويلة الأمد بين دول الخليج حول نفوذ الصين والتزامها تجاه المنطقة. في تعليقه على موقف بكين ومقاربتها للحرب على إيران، قال أستاذ العلاقات الدولية في مركز ونشوان للدراسات الاستراتيجية جيانغ لي، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن استمرار الحرب وحصار مضيق هرمز يُهددان بشكل مباشر واردات الصين من النفط واستقرار سلسلة الإمداد. وبينما تُطالب بكين بوقف إطلاق النار، فقد أكدت مراراً على ضرورة ضمان حرية الملاحة الدولية وقنوات الطاقة دون عوائق. وأضاف: على الرغم من التزامها بضبط النفس، لم تتوقف جهود الصين الرامية إلى تعزيز السلام، فالاتصالات الهاتفية المتكررة مع وزراء الخارجية، والنداءات المتكررة في الأمم المتحدة، وإيفاد مبعوثين خاصين للدبلوماسية الإقليمية، كلها تنبع من التزام الصين بالسلام ومسؤوليتها بوصفها قوة عظمى. وأشار جيانغ لي إلى أن الصين لا تُقيم تحالفات عسكرية، ولا تُشارك في مواجهات جماعية، ولا تشنّ حروباً بالوكالة في الشرق الأوسط، لكنها تُروّج باستمرار لمحادثات السلام، والتعاون العملي، والمساعدة الصادقة. أما مسألة موثوقية الصين من عدمها، فذلك متروك لدول المنطقة في الشرق الأوسط.

في المقابل، قال شاو وي، المختص في شؤون الشرق الأوسط، والمقيم في هونغ كونغ، في حديث مع “العربي الجديد”، إن الصين تحاول تصوير نفسها باعتبارها صانعة سلام عقلانية ومسؤولة ووسيطاً محايداً من أجل تحقيق التوازن في علاقاتها مع مختلف الأطراف في الشرق الأوسط بما في ذلك دول الخليج وإيران، واكتساب بعض النقاط في التنافس الصيني الأميركي. ولفت إلى أن الصراع في الشرق الأوسط شكّل قناةً لتصدير فائض الصين من السيارات الكهربائية، ووحدات الطاقة الشمسية، وغيرها من منتجات التكنولوجيا الخضراء، بسبب خوف الدول من نقص إمدادات الطاقة. أما على صعيد المكاسب الاستراتيجية، فإن الصين تستفيد من استنزاف الولايات المتحدة في حروب الشرق الأوسط على كافة المستويات، إذ يجري الحديث الآن عن نقص المخزون الأميركي من الأسلحة، كما أن انشغال إدارة ترامب في ردع إيران يأتي على حساب استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ الساعية إلى احتواء الصين. وبالتالي ترى بكين في استمرار الحرب فرصة لتعزيز قدراتها وتوسيع نفوذها العسكري في محيطها بعيداً عن الضجيج الأميركي.

ما هي نسبة تباطؤ النمو الصيني؟

من جهته، لفت عميد كلية الاقتصاد السابق في جامعة جينان دونغ يي، في حديث مع “العربي الجديد”، إلى تأثير تباطؤ النمو الاقتصادي بسبب الحرب على صنّاع القرار في ما يتعلق بأزمة مضيق هرمز، مشيراً إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين في الربع الثاني بنسبة 4.3% يمثل تباطؤاً عن معدل النمو البالغ 5% المسجل في الأشهر الثلاثة الأولى من العام، ليصل نمو النصف الأول إلى 4.7%. وقال إن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات المستقبلية لمسار النمو قد تدفع باتجاه موقف أكثر حسماً قد يفضي إلى انفراجة في أزمة إمدادات الطاقة، وحرية الملاحة عبر مضيق هرمز.

وأضاف دونغ أن الصين لعبت دوراً مهماً في محادثات باكستان بين واشنطن وطهران، وأشاد بهذا الدور الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهذا يؤكد، حسب دونغ، أن بكين لديها القدرة على التأثير بسبب علاقاتها المتشعبة مع جميع الأطراف. أما على الصعيد الداخلي، فاستبعد الأكاديمي الصيني أن تكون هناك تداعيات كبيرة حتى مع تراجع معدلات النمو دون المتوقع، وقال إن بكين تمتلك المرونة على مواجهة المزيد من التحديات، لأنها كانت من الدول القليلة التي صمدت أمام التقلبات التي شهدها سوق النفط في بداية الأزمة، سواء بسبب قدرتها على الوصول إلى مصادر بديلة، أو اعتمادها على مخزونها الاحتياطي من الطاقة. وتوقع أن تعطي الصين الأولوية في ظل الأزمة الراهنة لتوسيع الطلب المحلي، والاعتماد بصورة أكبر على الطاقة الخضراء.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى