كيف حملت حرب إيران أرباحاً مليارية لتجار السيارات في الإمارات؟

مع إعلان الإمارات قطع علاقاتها التجارية مع إيران، كان من الصعب تحديد قيمة التعاملات بين الشريكين السابقين بدقة، في ظل مرور جزء كبير منها عبر قنوات غير رسمية.

ميدل ايست نيوز:, مع إعلان الإمارات قطع علاقاتها التجارية مع إيران، كان من الصعب تحديد قيمة التعاملات بين الشريكين السابقين بدقة، في ظل مرور جزء كبير منها عبر قنوات غير رسمية. لكن قصة تابعتها “الشرق بلومبرغ” خلال الأشهر الماضية قدمت مثالاً على حجم العلاقة الاقتصادية بين البلدين وتعقيدها.

وسط اشتداد الحرب الأميركية الإيرانية في مارس، بدا أن اقتصاد الإمارات عموماً، ودبي خصوصاً، سيتعرض لضغوط، ما دفع كثيرين إلى الاستعداد لخسائر اقتصادية محتملة. ولم يكن المشهد مختلفاً في أسواق السيارات المستعملة.

“كنا نستعد للأسوأ. فمع توقف السفر، تتوقف السياحة، وتبدأ المؤسسات بتسريح الموظفين، الذين يكونون مستعدين لبيع سياراتهم بأسعار منخفضة، في وقت لا يكون فيه كثيرون مستعدين للمخاطرة بشراء سيارة جديدة”، كما يقول أبو مختار، وهو اسم مستعار لأحد تجار السيارات المستعملة في سوق الحراج بإمارة الشارقة، أحد أكبر أسواق السيارات المستعملة في الإمارات.

يضيف أبو مختار: “كنا نسمع عن موظفين يغادرون أعمالهم، ونعرف أن السفر توقف، لكن البيع لم يتوقف. كان الأمر غريباً”.

بدأت “الشرق بلومبرغ” متابعة هذه القصة في أواخر مارس، حين كانت التوقعات تشير إلى أن قطاع السيارات المستعملة سيكون من بين القطاعات الأكثر تضرراً من الحرب، في ظل توقف تدفق السياح ومغادرة عدد من المقيمين البلاد. لكن مع كل زيارة إلى “أسواق الحراج للسيارات المستعملة” في الشارقة و”العوير” في دبي، بدا المشهد أقل قتامة مما كان متوقعاً.

وفي الأيام القليلة التي أعقبت إغلاق مضيق هرمز، استيقظ التجار على أرقام أثارت مخاوف كبيرة. يقول عمر، أحد التجار في سوق العوير، أكبر أسواق السيارات في دبي: “أبلغتني شركة الشحن أن تكلفة شحنة السيارات التي كنت أنتظرها ستقفز من 1800 دولار إلى 9 آلاف دولار”.

ويفصح عمر: “بدأت أفكر في إغلاق متجري. لم أعتقد أن بإمكاني الاستمرار”.

80% من السيارات التي دخلت إيران جاءت عبر الإمارات

يوماً بعد يوم، اشتدت المعارك، وتدفقت المسيرات من الجانب الإيراني، فيما أضاءت صواريخ الاعتراض الإماراتية السماء، وبدا أن الحرب بين الطرفين لن تتوقف في وقت قريب.

لكن الصواريخ والمسيرات لم تكن الشيء الوحيد الذي تبادله الجانبان خلال الحرب. فمع انقشاع غبار المعارك، كان أبو مختار يسجل واحدة من أفضل فتراته التجارية خلال السنوات الأخيرة. ويقول: “في كل حرب تربح الإمارات. العام الماضي كانت هناك فورة في تصدير السيارات إلى سوريا، وهذا العام إلى إيران”.

وتُعد الإمارات أحد أبرز مراكز تجارة وإعادة تصدير السيارات المستعملة في الشرق الأوسط، فيما تُقدّر “آي مارك غروب” (IMARC Group) حجم سوق السيارات المستعملة في البلاد بنحو 5.8 مليار دولار في 2025. ويوضح أبو مختار: “ما نعرفه هو أن الإيرانيين يغيرون القوانين. أوقفوا الاستيراد عام 2021، لكن يبدو أنهم غيروا القوانين مجدداً هذا العام وسمحوا بدخول السيارات إلى بلادهم”.

في خضم النزاع، ظهرت شراكات تجارية جديدة وتوسعت أخرى قائمة. وتشير بيانات وزارة الصناعة والتجارة الإيرانية، التي اطلعت عليها “الشرق بلومبرغ”، إلى جانب تقارير مرتبطة بالسوق الإيرانية، إلى أن نحو 70% إلى 80% من السيارات الأجنبية التي دخلت إيران خلال الحرب الأخيرة جاءت عبر الإمارات.

منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، دخلت إلى إيران نحو 55 ألف سيارة بقيمة تجاوزت مليار يورو، مستفيدة من القرب الجغرافي للإمارات، وضخامة سوق السيارات فيها، فضلاً عن التغييرات القانونية الأخيرة في إيران التي فتحت الباب أمام عودة الاستيراد.

تغير القوانين يبدل قواعد اللعبة

وفق تقارير صحفية إيرانية، برز خلال فترة الحرب مسار جديد لاستيراد السيارات إلى إيران، مستفيداً من سلسلة الإجراءات التي جمعت بين قوانين قديمة وأخرى جديدة فرضتها ظروف الحرب، ما أوجد ثغرات أتاحت توسيع عمليات الاستيراد.

تركز هذا المسار عبر ميناء بندر أنزلي على بحر قزوين، وجزيرة كيش على بحر العرب، مستفيداً من وقوعهما ضمن مناطق حرة، وهو ما جعلهما مركزين متناميين لاستقبال السيارات الأجنبية وتجميعها.

أسهمت التسهيلات القانونية التي أقرتها الحكومة الإيرانية في تعزيز الاستفادة من إمكانات المناطق الحرة، ولا سيما جزيرة كيش ومنطقة بندر أنزلي الحرة بمحافظة جيلان، حيث يمكن إدخال السيارات من دون رسوم جمركية. وأدى ذلك إلى توسع حركة استيراد المركبات الأجنبية، مستفيدة من انخفاض تكلفتها مقارنة بالسيارات المصنعة محلياً، التي شهدت أسعارها ارتفاعاً خلال الفترة الماضية.

وأوضح شخص مطلع في وزارة الصناعة والتجارة الإيرانية لـ”الشرق بلومبرغ” أن الانتعاش الأخير في سوق السيارات الأجنبية المستوردة، ولا سيما من الإمارات، يعود إلى هذه التسهيلات القانونية، التي أتاحت الاستفادة بصورة أكبر من المناطق الحرة وخفض تكلفة إدخال المركبات مقارنة بالسيارات المصنعة محلياً.

الشخص الذي طلب عد الإفصاح عن هويته لكونه غير مخول له بالتصريح، أشار إلى أن “الاستفادة من قوانين المناطق الحرة، بالتزامن مع القرار الأخير الصادر بداية الحرب في مارس الماضي، والذي سمح للسيارات الموجودة في محافظة جيلان، بعدما كان استخدامها محصوراً ضمن نطاق المحافظة، بالتنقل إلى باقي المحافظات الإيرانية لفترة محددة تصل إلى ثلاثة أشهر، فتحت المجال أمام توسع هذا النشاط”.

وتابع: “المستوردون استفادوا من هذا الاستثناء لإدخال السيارات إلى أسواق المدن الكبرى، ما أوجد نشاطاً تجارياً أوسع مستفيداً من الإعفاءات الجمركية والفارق السعري”.

كما أكد أن “الحكومة تتابع انعكاسات هذه الإجراءات على سوق السيارات، باعتبار أن الهدف الأساسي من تنظيم الاستيراد هو تحقيق التوازن بين دعم الصناعة المحلية وتوفير خيارات أكثر للمستهلكين، مع ضرورة ضبط أي استخدام غير منظم للاستثناءات المرتبطة بالمناطق الحرة”.

ما دور المناطق الحرة في طفرة تجارة السيارات؟

لم يقتصر دخول السيارات الأجنبية على الموانئ التقليدية، إذ لعبت المناطق الحرة الإيرانية دوراً بارزاً في توسع تجارة السيارات القادمة من الإمارات، ولا سيما جزيرة كيش على بحر العرب، وميناء بندر أنزلي في محافظة جيلان على بحر قزوين.

ففي جزيرة كيش، شهد سوق السيارات نمواً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، مستفيداً من وضع الجزيرة كمنطقة حرة تسمح بإدخال السيارات الأجنبية من دون رسوم جمركية، ما جعلها محطة مهمة لاستقبال السيارات المستوردة من الخارج، خصوصاً من الإمارات.

أما في بندر أنزلي، فأتاحت القوانين الخاصة بالمنطقة إدخال السيارات الأجنبية من دون رسوم جمركية، مع السماح باستخدامها داخل نطاق محافظة جيلان فقط، ما أسهم في تحول المنطقة إلى مركز جديد لتجارة السيارات المستوردة.

لكن بعد اندلاع الحرب، صدر قرار في منتصف مارس 2026 سمح بخروج هذه السيارات من محافظة جيلان إلى باقي المحافظات الإيرانية، بما فيها العاصمة طهران، لفترة محددة تصل إلى ثلاثة أشهر، مع إمكانية تمديدها.

وفتح القرار الباب أمام التجار للاستفادة من فارق الأسعار، إذ تدخل السيارات إلى المناطق الحرة من دون الرسوم المفروضة على الاستيراد، قبل انتقالها إلى الأسواق الكبرى، حيث تنافس السيارات المحلية التي ارتفعت أسعارها خلال فترة الحرب.

من الحظر إلى التشريع.. كيف تغيرت قوانين استيراد السيارات؟

فرضت إيران في عام 2018 حظراً على استيراد السيارات الأجنبية ضمن سياسة “الاقتصاد المقاوم”، بهدف دعم الصناعة المحلية والحد من خروج العملات الأجنبية.

لكن الحظر أدى إلى تراجع المعروض وارتفاع أسعار السيارات الأجنبية، ما دفع الحكومة لاحقاً إلى تعديل سياستها، خصوصاً مع ارتفاع الطلب خلال فترة الحرب. وشملت التغييرات السماح باستيراد السيارات المستعملة التي لا يتجاوز عمرها خمس سنوات، إلى جانب السماح للإيرانيين المقيمين في الخارج باستيراد سيارة شخصية واحدة وفق شروط محددة.

هذه الإجراءات، إلى جانب وفرة السيارات في الإمارات، جعلت السوق الإماراتية المصدر الأكثر جذباً للتجار والمشترين الإيرانيين. لكن يبقى السؤال: كيف يمكن لشركاء تجاريين في بلدين متحاربين أن يعقدوا صفقاتهم؟

كيف تتم الصفقة؟

لا تتم هذه الصفقات بالطرق التجارية المعتادة؛ فلا خطابات تجارية، ولا ضمانات بنكية أو اعتمادات مستندية. وبدلاً من ذلك، تعتمد العمليات على شبكة من الوسطاء، غالباً ما يكونون من الإيرانيين المقيمين في الإمارات والمتمرسين في هذا النوع من التجارة.

تعرفت “الشرق بلومبرغ” على أحد هؤلاء الوسطاء، رضا أو “ريزا”، وهو اسم مستعار اختاره تاجر سيارات إيراني يقيم في دبي منذ ست سنوات، ويعمل مع أقاربه في محافظة هرمزغان جنوب إيران على سواحل الخليج العربي. وازدادت أهمية ميناء بندر لنغه في المحافظة بفضل موقعه القريب من خطوط النقل البحرية.

يمضي الوسيط يومه متنقلاً بين أسواق السيارات المستعملة ومتصفحاً تطبيقات بيع السيارات. وحين يعثر على سيارة تتوافق مع طلبات شركائه في إيران، يعاينها ويلتقط صوراً لها ويرسلها إليهم. وعادة ما يتلقى، خلال ساعات، موافقتهم على الشراء.

بعد ذلك، يُحول إليه ثمن السيارة عبر صرافين يعملون في سوق دبي القديمة. يتسلم الحوالة، ويشتري السيارة، ثم يرتب شحنها تمهيداً لتصديرها. وتُنقل السيارات إما براً عبر العراق أو أوزبكستان، أو بحراً بعد شحنها براً إلى سلطنة عمان ومنها إلى إيران.

ويبتسم رضا وهو يصف الفترة الذهبية التي عاشها نشاطه خلال الربيع وبدايات الصيف من هذا العام. ويقول: “كانوا يأخذون كل شيء. في يوم واحد اشتريت 50 سيارة من أكثر من 4 تجار، واشتريت حتى من أشخاص عاديين يريدون بيع سياراتهم. يرسل لي أقاربي عبر واتساب كل أسبوع قائمة بالسيارات المطلوبة، وأبدأ البحث عنها”.

ما نوع السيارات التي يفضلها الإيرانيون؟

ويُنوّه بأنه قبل الحرب، كان الزبائن يأخذون سيارات أصغر، مثل سيارات البيك أب والسيارات الاقتصادية الكورية الصنع. لكن خلال الحرب، أصبحوا مهتمين بكل شيء، من سيارات البيك أب وصولاً إلى السيارات الفارهة ألمانية الصنع، مثل “بي إم دبليو” و”مرسيدس” بمختلف فئاتها، لكن الأكثر طلباً كانت فئات “إس” و”إي” و”جي إل”.

بحسب رضا، لا يمانع المشترون الإيرانيون أن تكون السيارة قطعت 100 ألف أو حتى 200 ألف كيلومتر، ما دامت لم تتعرض لحادث سابق ولا تحتوي على أي صبغ أو طلاء.

يقول: “زبائني يحبون اللون الأسود، خصوصاً في السيارات الفارهة، وهذا جيد بالنسبة لي لأنه لون غير مرغوب فيه في الإمارات، لذلك أتمكن من الحصول على السيارات السوداء بأسعار جيدة”.

سألتُ رضا عما إذا كان يخشى العمل في تصدير السيارات إلى إيران من الإمارات، في وقت كانت فيه إيران تقصف مدناً إماراتية. فأجاب: “من الناحية القانونية، أنا لا أخالف القانون. أشتري السيارة، وأذهب إلى هيئة الطرق والمواصلات، وأستصدر رخصة لتصديرها إلى خارج الإمارات، لكن الوجهة النهائية ليست محددة بالضرورة. فمثلاً، نصدر إلى العراق، لكنني، بصفتي وسيطاً، أعرف أن الوجهة النهائية هي إيران”.

ويؤكد: “أنا أعرف، والتجار الذين يبيعونني السيارات يعرفون أيضاً، لكننا لا نتحدث عن الأمر. هم يريدون تصريف بضاعتهم، وأنا كذلك، والجميع رابحون طالما أننا لا نتحدث عنه”.

عندما سألتُ أبو مختار، تاجر السيارات، عما إذا كان يشعر بالقلق حيال هذه التجارة، جاء رده مشابهاً: “لا نتحدث عن الأمر. وكما يقول المثل، داري على شمعتك تقيد. نحن نبيع السيارات إلى مقيمين في الإمارات، ونتقاضى ثمنها، وندفع الرسوم والضرائب، ولا أرى أي مشكلة في الأمر”.

وبينما يترقب كثيرون ما إذا كانت الحرب ستشتعل من جديد في الشرق الأوسط، فتعود الصواريخ والقذائف لتصبح وسيلة التواصل الأساسية بين المتحاربين، أو ينجح الخصوم في التوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة، يبقى الغموض وعدم اليقين سيدي الموقف.

لكن أمراً واحداً يظل مؤكداً: كل حرب تحمل معها خسائر كثيرة، وأحياناً تفتح الباب أمام أرباح لم تكن في الحسبان.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
الشرق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 − اثنا عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى