الصحافة الإيرانية: ماذا يعني حصر السلاح في يد الدولة العراقية؟

يمثل انسحاب التحالف بالنسبة إلى بغداد فرصة لتعريف سياسة حصر السلاح في إطار إعادة المسؤولية الأمنية بالكامل إلى الهياكل الداخلية.

ميدل ايست نيوز: تجاوز موضوع حصر السلاح في العراق حاليا كونه نقاشا داخليا بحتا، ليصبح أحد أهم الاختبارات أمام حكومة علي الزيدي لترسيخ سيادة الدولة، وتنظيم علاقتها بالقوات المسلحة، وإعادة تعريف علاقات بغداد مع واشنطن وطهران. ويكشف إعلان رئيس الوزراء العراقي انسحاب قوات التحالف الدولي في 30 سبتمبر/أيلول، بالتزامن مع إعلان «استكمال السيادة» على كامل أراضي البلاد، عن سعي بغداد إلى إقامة رابط سياسي بين انتهاء المهمة العسكرية الأجنبية وبدء مرحلة جديدة في تنظيم القوة المسلحة.

يقول الكاتب والصحافي الإيراني رامين برتو، في مقال لصحيفة توسعه إيراني، أن الزيدي أكد أن العراق يجب أن يكون دولة تتمتع بسيادة كاملة، تكون فيها مسؤولية الأمن والموارد الوطنية ومستقبل البلاد بيد المؤسسات القانونية. واعتبر قاسم الأعرجي، مستشار الأمن الوطني العراقي، أن 30 سبتمبر/أيلول ليس موعدا لتسليم السلاح، بل نقطة انطلاق تدريجية لتنفيذ سياسة حصر السلاح بيد الدولة. ويحظى هذا التمييز بأهمية كبيرة، لأنه يظهر أن بغداد لا تعتزم حل الحشد الشعبي والفصائل المسلحة أو نزع سلاحها بقرار مفاجئ، بل تسعى إلى آلية تدريجية قائمة على الحوار، ومصحوبة بضمانات لحقوق أفراد هذه التشكيلات.

انسحاب التحالف: شرط سياسي مسبق أم نقطة انطلاق لنزع السلاح؟

وفي هذا السياق، ينبغي البحث عن العلاقة بين انسحاب التحالف وحصر السلاح في مفهوم السيادة. فمن وجهة نظر بغداد، ما دامت القوات الأجنبية موجودة على الأراضي العراقية، فإن مسألة حصر أدوات القوة السياسية بالكامل بيد الدولة تواجه سؤالا أساسيا: كيف يمكن للدولة أن تطلب من الفصائل العراقية التخلي عن أسلحتها، بينما لا يزال جزء من المنظومة الأمنية في البلاد يعتمد على وجود قوات أجنبية؟ لذلك، يمثل انسحاب التحالف بالنسبة إلى بغداد فرصة لتعريف سياسة حصر السلاح في إطار إعادة المسؤولية الأمنية بالكامل إلى الهياكل الداخلية.

يؤكد الأعرجي هذه النقطة تحديدا، إذ يقول إن قرار الحرب والسلام يجب أن يكون بيد الدولة وحدها، وإن جميع القوات يجب أن تكون تحت راية البلاد. لكنه أوضح في الوقت نفسه أن 30 سبتمبر/أيلول ليس سوى بداية للمسار، وأن تسليم السلاح يحتاج إلى جدول زمني وآلية محددة. ويظهر هذا الموقف أن بغداد تحاول تحقيق توازن بين هدفين: فمن جهة، تريد ترسيخ سلطة الدولة، ومن جهة أخرى، لا تريد أن تتحول عملية نزع السلاح إلى مواجهة مع قوات تشكل جزءا من الهيكل الأمني الرسمي للعراق.

يستند الحشد الشعبي إلى هذا المنطق تحديدا في حجته. فقد قدم مهند العقابي، مسؤول الإعلام في المنظمة، الحشد باعتباره قوة تخضع لأوامر القائد العام للقوات المسلحة، واعتبر 30 سبتمبر/أيلول يوما تاريخيا لنهاية الوجود الأجنبي. وبالتالي، فإن القضية الأساسية بالنسبة إلى شريحة مهمة من التيارات السياسية والأمنية العراقية ليست إلغاء الحشد، وإنما تنظيم موقعه ضمن هيكل الدولة وقطع الصلة التنظيمية بين التشكيلات السياسية والوحدات المسلحة.

حصر السلاح؛ نقطة التقاء بين سياسة بغداد والمصالح الأمريكية

تستند رؤية بغداد لحصر السلاح، قبل كل شيء، إلى ترسيخ الدولة ومنع الفصائل من اتخاذ قرارات مستقلة بشأن الحرب والسلام. تريد الحكومة العراقية أن تبقى الفصائل المسلحة ضمن الهيكل القانوني، مع قطع ارتباطها التنظيمي بالأحزاب السياسية، وأن يخضع استخدام السلاح حصرا لقرارات المؤسسات الرسمية.

وتعكس تصريحات زعيم تيار الحكمة الوطني، عمار الحكيم، أيضا هذا النهج الوسطي، إذ يعتبر حصر السلاح ضرورة لاستكمال بناء الدولة، لكنه يؤكد في الوقت نفسه ضرورة الحفاظ على الحشد الشعبي باعتباره مؤسسة رسمية، وعدم تجاهل تضحيات أفراده في الحرب ضد تنظيم داعش.

في المقابل، يمكن فهم الرؤية الأمريكية لهذا الملف أساسا من زاوية إقامة هيكل أمني موحد ومنع الفصائل المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة من ممارسة أنشطتها. فمن منظور واشنطن، يمكن أن يسهم حصر السلاح في تقليص نفوذ الفصائل القريبة من إيران، والحد من قدرتها على مهاجمة القوات الأمريكية، وتقليل خطر جر العراق إلى صراعات المنطقة.

ولذلك، فإن الانسحاب العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء الاهتمام السياسي الأمريكي بالعراق، بل قد يفتح مرحلة جديدة من العلاقة الأمنية والسياسية، تعتمد فيها واشنطن بدرجة أكبر على التعاون والتدريب وتبادل المعلومات والنفوذ الدبلوماسي.

لكن رؤية التيارات القريبة من إيران مختلفة. حيث يرى جاسم محمد جعفر، أحد كبار أعضاء ائتلاف دولة القانون، أن حصر السلاح في الظروف الراهنة يتأثر بالضغوط الخارجية، مؤكدا أن نزع السلاح بشكل متسرع قد يؤدي إلى فراغ أمني ما دام انتهاك الأجواء والأراضي العراقية مستمرا، وما دام خطر الجماعات الإرهابية قائما.

وتعتقد هذه التيارات أن سلاح الحشد وفصائل المقاومة ظهر في وقت كانت فيه الدولة العراقية بحاجة إلى هذه القوات لمواجهة تنظيم داعش والتهديدات الخارجية؛ ولذلك، فإن التخلي عنها من دون ضمان أمن العراق وحماية المقاتلين لا يمكن قبوله.

ومع ذلك، لا يتمثل الخلاف الرئيسي في مبدأ حصر السلاح؛ فجميع الأطراف العراقية تقريبا تتفق على مبدأ سيادة الدولة. وإنما يدور الخلاف حول التوقيت والظروف والآلية وضمانات التنفيذ. وتريد بغداد المضي في هذه العملية داخليا وبشكل تدريجي، بينما تراها واشنطن جزءا من ترسيخ الدولة وتقليص نشاط الفصائل المسلحة، في حين تطالب التيارات القريبة من طهران بضمانات أمنية وإنهاء الضغوط الخارجية قبل أي عملية واسعة لنزع السلاح.

وبالتالي، فإن القضية الأساسية بالنسبة إلى العراق ليست الاختيار بين «الحشد» و«الدولة»، وإنما كيفية تحويل القدرات المسلحة القائمة إلى قوة منظمة وقانونية وخاضعة للمساءلة. وتشير تصريحات الحكيم بشأن منع انتصار الدولة على أبنائها، أو العكس، إلى هذه الحساسية تحديدا. ويمكن لحصر السلاح أن يسهم في استقرار العراق عندما لا يكون أداة لإقصاء تيار سياسي، بل عملية تهدف إلى استكمال بناء الدولة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 − سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى