مُسيّرة “شاهد”… هكذا غيّرت إيران قواعد الحرب بمساعدة الصين

أثبتت المُسيّرات الإيرانية من طراز شاهد أن سلاحاً منخفض التكلفة بمقدوره فرض أعباء هائلة على جيوش تمتلك أنظمة عسكرية متقدمة.

ميدل ايست نيوز: أثبتت المُسيّرات الإيرانية من طراز شاهد أن سلاحاً منخفض التكلفة بمقدوره فرض أعباء هائلة على جيوش تمتلك أنظمة عسكرية متقدمة، لكن صعود هذه الطائرات لم يكن صناعة إيرانية منفردة أو معزولة، بل ثمرة سلسلة إمداد عالمية معقدة لعبت فيها الصين دوراً محورياً، عبر توفير المحركات والمكوّنات الإلكترونية وقطع الغيار، حسبما كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، في تقرير لها اليوم الأربعاء.

وبحسب الصحيفة، فإنه في أوائل يوليو/ تموز الماضي، ظهرت نُسخة أكثر تطوّراً من “شاهد” خلال هجوم شنّته روسيا على كييف؛ إذ زوّدت الطائرة بمحرك نفاث توربيني بدلاً من المراوح التقليدية. وطبقاً لمسؤولين أوكرانيين، فإن النسخة المُحدّثة من “شاهد” بإمكانها بلوغ نحو 480 كيلومتراً في الساعة، أي قرابة ثلاثة أضعاف سرعة النُّسخ الأقدم. وقد أسفر الهجوم الروسي بمسيرات شاهد المُحدّثة في حينه، والذي تزامن مع هجوم بصواريخ باليستية وصواريخ كروز، عن مقتل نحو 30 شخصاً.

التطور السابق يمثل تحدياً جديداً للدفاعات الأوكرانية؛ فبحسب ما نقلته الصحيفة عن مسؤولين أوكرانيين، تستطيع القوات إسقاط أكثر من 90% من الطائرات المسيّرة القديمة أحادية الاتجاه، لكن النسخ الأسرع أصبحت قادرة على تجاوز بعض الطائرات الاعتراضية الرخيصة، ما يضطر أوكرانيا إلى استخدام مقاتلات أو صواريخ دفاع جوي محدودة ومكلفة.

“مُسيّرة بِنْتُ الحصار”

وجاء تطوير “شاهد” في إطار مسعى إيراني طويل لإعادة بناء القوة الجوية بعد الثورة الإسلامية عام 1979، وخصوصاً عندما أدت العقوبات الأميركية إلى إضعاف سلاح الجو الإيراني. ويعتقد محللون، بحسب الصحيفة، أن المهندسين الإيرانيين استفادوا من تصميمات غربية لطائرات مسيّرة، قبل تطويرها بما يلائم احتياجات إيران.

لكن الطائرات الإيرانية الأولى كانت ضعيفة الدقة. وفي ضوء ذلك اتجه المهندسون إلى مفهوم الطائرة الأحادية الاتجاه، أي التي لا تحتاج إلى العودة إلى قاعدتها، وكذلك بإمكانها إحداث أضرار كبيرة حتّى من دون إصابة الهدف بدقة عالية. وهكذا باتت الكلفة المنخفضة والإنتاج بأعداد كبيرة جزءاً أساسياً من قصة هذا السلاح.

أمّا أبرز التحديات التي واجهت إيران، فتمثلت في مسألة المحركات، فقد استفادت بداية من محركات ألمانية التصميم، قبل أن تطور محركاتها الخاصة المستندة إلى تلك التكنولوجيا. وبمرور الوقت، لم تفلح العقوبات والعزلة المفروضتان عليها في منعها من الحصول على المكونات المطلوبة، إذ اتجهت بصورة متزايدة إلى شبكة مورّدين خارجية، كان للصين فيها دور رئيسي.

الصين… الحلقة الأهم في سلسلة الإمداد

وفق ما تنقله الصحيفة عن مسؤولين ومحللين أميركيين وأوكرانيين، أصبحت الصين مركزاً أساسياً لتوفير مكونات “شاهد”، بما في ذلك المحركات والجيروسكوبات (المدوار أو البوصلة الدوامة)، والمحركات المؤازرة والمكونات الإلكترونية.

وفي هذا الصدد، تشير التحقيقات الأميركية إلى أن مُكوّنات غربية، بينها وحدات تحكم دقيقة من شركة تكساس إنسترومنتس، ومنظمات جهد من إس تي ميكروإلكترونكس، وصلت إلى إيران وروسيا عبر وسطاء وشركات واجهة في الصين وهونغ كونغ. وبمرور الوقت، بدأ الاعتماد على المكونات الغربية يتراجع مع تطور القدرة الصناعية الصينية على إنتاج بدائل محلية.

في غضون ذلك، قالت المسؤولة السابقة في وزارة الخزانة الأميركية، كيري بيتسوف، إن التركيز في السابق كان على الحصول على المكونات الغربية “أما الآن، فأعتقد أن هذا التركيز قد تغير، مع تحسن قدرة الصين على تصنيع مكونات وتكنولوجيات من هذا النوع”. وفي أحدث التطورات، قالت أوكرانيا إن محركات نفاثة توربينية صينية الصنع ظهرت في النسخ الروسية الحديثة من الطائرة. وبعد الكشف عن وجود محركات مرتبطة بشركة تيليفلاي الصينية، اختفى قسم هذه المحركات من النسخة الإنجليزية لموقع الشركة، بينما بقي ظاهراً في النسخ الصينية ولغات أخرى، بحسب الصحيفة.

سلاح يستنزف الدفاعات

وتكمن خطورة “شاهد” في معادلة بسيطة تقوم على: تكلفة منخفضة، إنتاج واسع، قدرة على مهاجمة الأهداف من مسافات بعيدة. وتستخدم روسيا هذه الطائرات أحياناً بالتزامن مع الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز لإرهاق الدفاعات الجوية الأوكرانية. وفي هذا الإطار، قال العقيد الأوكراني، أولكسندر زاروبا، إن الطائرات الحديثة أصبحت مجهزة بعدد أكبر من الهوائيات وأجهزة “المودم” وبطاقات الاتصال، بما يسمح بتصحيح مساراتها باستخدام الشبكات المحلية، مشيراً إلى أن هذه المكونات تأتي بصورة متزايدة من الصين.

وأضاف زاروبا أن بعض الطائرات عُثر عليها مزوّدة بأسلحة مضادة للطائرات، وهو ما قد يجعل مهمة اعتراضها أكثر خطورة. ورغم أن بعض هذه الأسلحة لم يكن صالحاً للعمل، فإن الفكرة نفسها تكشف اتجاهاً نحو جعل الطائرة المسيّرة أكثر قدرة على مواجهة وسائل الاعتراض.

وتتجاوز أهمية “شاهد” الحرب في أوكرانيا، فقد استُخدمت التكنولوجيا الإيرانية أو نُقلت إلى دول أخرى، بينما ظهرت نسخ أو نماذج مستوحاة منها في دول مختلفة. كما بدأ الجيش الأميركي نفسه في تطوير طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة مستفيداً من الدروس التي فرضتها هذه الطائرات في ميادين الحرب.

مُسيّرة غيّرت قواعد الحرب

إلى ذلك، تكشف قصة “شاهد” عن تحول أوسع في صناعة السلاح، ففي الماضي كانت الأسلحة المتطورة تتطلب قاعدة صناعية وطنية ضخمة، أما اليوم فيمكن لدولة متوسطة، مثل إيران، أن تجمع التصميمات والخبرات والمكونات من شبكة عالمية من الموردين، ثم تنتج سلاحاً رخيص الثمن قادراً على التأثير في جيوش أكبر منها بكثير.

لكن الأمر لا يتوقف هُنا؛ حيث تنقل الصحيفة عن اللواء الأسترالي المتقاعد والمحلل العسكري ميك رايان، قوله إنه “سنرى هذه الأشياء في كل مكان”. وهذه العبارة عملياً تلخص التحول الذي أحدثته مسيّرات “شاهد”، حيث لم تعد ميزة الأخيرة في قدرتها التكنولوجية وحدها، بل في قدرتها على أن تكون رخيصةً، وقابلةً للإنتاج بأعداد كبيرة، وقادرة على إجبار الخصم على إنفاق موارد باهظة لاعتراضها. وفي قلب هذا التحول تقف سلاسل الإمداد العالمية، والصين خصوصاً، باعتبارها مصدراً متزايد الأهمية للمكونات التي جعلت هذا النموذج من الحرب ممكناً.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى