بين الحرب وغلاء المعيشة.. لماذا يختار إيرانيون الابتعاد عن الأخبار؟

بالنسبة إلى كثير من الإيرانيين، لم تعد الأخبار السياسية مجرد مادة للنقاش والتحليل. فقد ترتبط مباشرة بارتفاع تكاليف المعيشة، أو الخوف على الوظيفة، أو القلق على الأسرة، أو الشعور بعدم اليقين تجاه المستقبل.

ميدل ايست نيوز: عاد الخبر السيئ في إيران ليصبح جزءاً من الحياة اليومية أكثر من كونه حدثاً استثنائياً يستدعي بالضرورة رد فعل واضحاً. الحرب والتهديدات العسكرية وارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة وانعدام الأمان الوظيفي والقلق بشأن المستقبل، كلها أزمات تتوالى منذ سنوات، ولا تترك للمجتمع مساحة كافية لالتقاط أنفاسه.

في مثل هذه الظروف، لا تبدو قلة التفاعل مع خبر جديد بالضرورة دليلاً على اللامبالاة. فالمجتمع الذي يواجه أزمات متتالية قد يطور طرقاً مختلفة للتعامل معها، من بينها الابتعاد عن الأخبار أو تقليل متابعتها.

بالنسبة إلى كثير من الإيرانيين، لم تعد الأخبار السياسية مجرد مادة للنقاش والتحليل. فقد ترتبط مباشرة بارتفاع تكاليف المعيشة، أو الخوف على الوظيفة، أو القلق على الأسرة، أو الشعور بعدم اليقين تجاه المستقبل.

لهذا، فإن السؤال ربما لا يكمن في سبب عدم إظهار الناس ردود فعل واضحة تجاه كل خبر جديد، بل في مقدار ما تبقى لديهم من طاقة نفسية للتفاعل مع هذه الأخبار بعد سنوات من الضغوط المتراكمة.

عندما تصبح الحياة اليومية نفسها أزمة

تعكس نتائج استطلاع للرأي أجراه مركز «آرا» لاستطلاعات الرأي جانباً من الضغوط التي يعيشها الإيرانيون. وفقاً للبيانات المنشورة حول الاستطلاع، قال أكثر من 81% من المشاركين إنهم يواجهون صعوبات في تأمين المواد الغذائية، بينما أفاد 50.2% منهم بالشعور باليأس، و47.7% بالحزن والاكتئاب، و63.6% بالغضب.

بعيداً عن دلالة هذه الأرقام الإحصائية، فإنها تعطي صورة عن حجم الضغوط التي يمكن أن تنعكس على الحالة النفسية للمجتمع، خصوصاً عندما تصبح الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والسكن والعلاج والتنقل مصدر قلق يومي.

ويرى خبراء اجتماعيون أن الإنسان، عندما ينشغل بتأمين احتياجاته الأساسية، يميل بصورة طبيعية إلى إعطاء الأولوية لما هو أكثر إلحاحاً في حياته. ولا تختفي السياسة أو الأخبار من اهتمامه بالضرورة، لكنها قد تتراجع أمام أسئلة أكثر مباشرة: كيف سيدفع إيجار منزله؟ كيف سيؤمّن الطعام؟ وماذا سيحدث لعائلته في الأشهر المقبلة؟

كما أن التعرض المستمر للأخبار السلبية يمكن أن يتحول بحد ذاته إلى مصدر إضافي للضغط. فالخبر في هذه الحالة لا يقدم معلومة جديدة فحسب، بل قد يذكّر الشخص بالخطر وعدم اليقين والعجز عن تغيير الواقع.

«لم نعد نتابع الأخبار»

وبحسب رصد تفاعلات مستخدمين إيرانيين على وسائل التواصل الاجتماعي، يبدو أن بعض الأشخاص يتعمدون تقليل متابعتهم للأخبار، ولا سيما السياسية والأمنية منها.

ويشير بعض المستخدمين إلى أنهم ما زالوا يطّلعون على الأخبار التي تصلهم عبر تلغرام أو واتساب، لكنهم لم يعودوا يبحثون عنها بشكل متعمد عبر القنوات التلفزيونية أو الفضائية والمنصات الإخبارية.

ويتركز جزء من هذه التفاعلات على الشعور بتكرار الأخبار السلبية من دون رؤية نتائج ملموسة في الحياة اليومية. فبالنسبة إلى بعض المستخدمين، تتكرر التحليلات والنقاشات السياسية، بينما تستمر الضغوط الاقتصادية والمعيشية في التصاعد.

ويرصد ميدل ايست نيوز أيضاً مستخدمون آخرون حاولوا بشكل عمدي إبعاد النقاشات السياسية في بداية اليوم أو في أوقات العمل، واللجوء بدلاً منها إلى الموسيقى أو المحتوى الترفيهي، في محاولة للحفاظ على قدر من الهدوء النفسي.

هذه التفاعلات لا يمكن اعتبارها دليلاً على موقف عام لدى المجتمع الإيراني، لكنها تقدم مؤشراً على وجود شريحة تتعامل مع تدفق الأخبار السلبية من خلال تقليل التعرض لها، بدلاً من التفاعل معها بصورة مستمرة.

«أريد فقط أن أعيش»

صانعة محتوى على إنستاغرام من محافظة مازندران شمال إيران تروي تجربة أخرى خلال مقطع فيديو تبدو قريبة من ذلك. تقول إنها لم تعد تتابع الأخبار بصورة منتظمة، وتقضي وقتاً أطول في مشاهدة مقاطع الفيديو الترفيهية على إنستغرام.

وإذا وجدت أن التلفزيون أو إحدى القنوات الفضائية يعرض نشرة إخبارية، فإنها تطلب من الموجودين تغيير القناة.

وتقول إن هذا لم يكن سلوكها في السابق، لكنها بدأت تتعامل مع الأخبار بهذه الطريقة بعد استمرار الحرب وعدم وضوح المستقبل.

وتختصر موقفها بالقول: «يكفي، كم من الموت والمعاناة؟ أريد أن أعيش».

لا تعني هذه الرغبة بالضرورة التخلي عن الاهتمام بما يحدث في إيران أو عدم التعاطف مع الآخرين. لكنها قد تعكس وصول بعض الأفراد إلى مرحلة يشعرون فيها بأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل المزيد من الأخبار الثقيلة.

تقول صانعة المحتوى هذه إن الناس لا يستطيعون في كثير من الأحيان فعل الكثير لتغيير الواقع، لذلك يفضلون الانتظار لمعرفة ما ستؤول إليه الأحداث، والتركيز في الوقت الحالي على مواصلة حياتهم.

هل أصبح المجتمع غير مبالٍ؟

يختلف مفهوم اللامبالاة عن الإرهاق النفسي. فاللامبالاة تعني أن الشخص لا يرى القضية مهمة بالنسبة إليه، بينما قد يعرف الشخص المرهق أهمية ما يحدث ويتأثر به، لكنه لا يمتلك الطاقة اللازمة لإظهار رد فعل واضح.

ويرى علماء اجتماع أن هذا الفرق مهم عند محاولة فهم تراجع بعض أشكال التفاعل مع الأخبار في إيران.

فإذا كان الإيرانيون داخل البلاد لا يتابعون بعض الأحداث بالطريقة نفسها التي يتابعها الإيرانيون في الخارج، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم غير مكترثين بها. فقد تكون سنوات الخوف والضغط وعدم اليقين قد أثرت في قدرتهم على التعبير عن مواقفهم علناً.

في المقابل، لا تزال منصات التواصل الاجتماعي توفر مساحة للتعبير عن الغضب والتعاطف ومتابعة الأحداث. ويمكن لمنشور أو قصة أو رسالة خاصة أن تعكس استمرار الحساسية تجاه ما يحدث، حتى في حال عدم وجود رد فعل علني.

لكن التفاعل الرقمي لا يعني بالضرورة وجود فعل جماعي منظم. ففي ظل ارتفاع كلفة الاحتجاج والضغوط الاقتصادية والأمنية، قد تكون المسافة بين التعبير عن الغضب عبر الإنترنت والنزول إلى المجال العام كبيرة.

ومع ذلك، فإن استمرار هذه التفاعلات، ولو بصورة متفرقة، يشير إلى أن تراجع التعبير العلني لا يعني بالضرورة اختفاء المشاعر أو الاهتمام.

للصمود حدود

واجه المجتمع الإيراني خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الأزمات، من الاحتجاجات والمظاهرات إلى الحرب والأزمة الاقتصادية والهجرة والقلق المستمر بشأن المستقبل.

لا يمكن تحديد أثر هذه الأحداث على الحالة النفسية للمجتمع برقم واحد، لكن تراكمها قد يفسر جزئياً سبب سعي بعض الأشخاص إلى تقليل تعرضهم للأخبار.

ويرى خبراء أن توقع استمرار قدرة الإنسان على التعامل مع الضغوط بالمستوى نفسه إلى ما لا نهاية ليس واقعياً. فبعد سنوات من الأزمات، قد يختار البعض الابتعاد عن السياسة والأخبار، ليس لأنهم فقدوا اهتمامهم بما يحدث، وإنما لأنهم يحتاجون إلى مساحة يستطيعون فيها مواصلة حياتهم.

وتبدو العلاقة بين الأخبار والحياة اليومية في إيران أكثر مباشرة في كثير من الأحيان.

فخبر ارتفاع الأسعار ليس مجرد خبر اقتصادي بالنسبة إلى الأسرة التي تعاني من كلفة المعيشة، بل قد يعني القلق بشأن الطعام والإيجار والعلاج.

والخبر المتعلق بالحرب لا يبقى خبراً أمنياً مجرداً، بل يمكن أن يرتبط بالخوف على أفراد الأسرة والعمل والسفر والمستقبل.

وهكذا، يمكن أن يتحول الخبر السلبي من مصدر للمعلومات إلى مصدر إضافي للضغط النفسي.

وقد يصبح الابتعاد عن الأخبار، في هذه الحالة، وسيلة يستطيع من خلالها الفرد العمل والنوم ورعاية أطفاله والاستمرار في حياته اليومية.

المشاعر لم تختفِ

تشير نسب الغضب واليأس والحزن والاكتئاب الواردة في استطلاع «آرا» إلى صورة مختلفة عن اللامبالاة الكاملة، مع ضرورة التعامل مع نتائج أي استطلاع في ضوء منهجيته وطريقة اختيار المشاركين.

ولا يمكن تعميم هذه التجربة على جميع الإيرانيين، فطريقة تعامل الأفراد مع الأزمات تختلف بحسب ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية وتجاربهم الشخصية وبيئتهم المحيطة.

لكن تكرار الأزمات يجعل الإرهاق النفسي أحد الجوانب التي يصعب تجاهلها عند قراءة سلوك المجتمع.

ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الأهم هو لماذا لا يتفاعل بعض الإيرانيين مع الأخبار بالقدر نفسه الذي كانوا يفعلونه سابقاً، بل كيف استطاع المجتمع، رغم كل هذه الضغوط المتراكمة، أن يستمر في حياته اليومية.

فأحياناً لا يكون الابتعاد عن الأخبار تعبيراً عن اللامبالاة، بل محاولة بسيطة لحماية ما تبقى من القدرة على الاحتمال.

اقرأ ايضا

كيف تبدو الحياة في طهران خلال الأيام المتوترة بعد وقف إطلاق النار؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى