الصحافة الإيرانية: استراتيجيات أساسية للتعامل مع النسخة الجديدة لحرب ترامب الاقتصادية

ذا لم تتمكن الولايات المتحدة من تشكيل إجماع عالمي لممارسة ضغوط اقتصادية على طهران، فقد تواجه «العملية الاقتصادية غير المسبوقة» التي أعلنها ترامب المصير نفسه الذي واجهته حملته العسكرية.

ميدل ايست نيوز: بعد بإخفاقه في تحقيق أهدافه عبر المسار العسكري، أعلن دونالد ترامب تنفيذ عقوبات وضغوط اقتصادية قائمة تحت اسم «العملية الاقتصادية غير المسبوقة» ضد إيران، لكن طهران تستطيع مواجهة هذا الحصار عبر أربعة مسارات محددة.

يقول أمير حسين عرب بور، خبير في مركز أبحاث الدبلوماسية الاقتصادية، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، إنه بعد إخفاق الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها عبر المسار العسكري في مواجهة إيران، عاد دونالد ترامب إلى استخدام أداة الضغط الاقتصادي، معلناً الأسبوع الماضي تنفيذ ما وصفه بـ«العملية الاقتصادية غير المسبوقة» ضد إيران. ويبدو أن واشنطن تسعى، بعد فشلها في الساحة العسكرية، إلى إجبار طهران على التراجع من خلال تشديد الضغوط الاقتصادية.

ومع ذلك، اكتسبت إيران خلال السنوات الماضية خبرة طويلة في مواجهة العقوبات، وطورت آليات لاستمرار تجارتها الخارجية، والالتفاف على القيود المالية، وتوسيع التعاون مع الشركاء غير الغربيين. ويبقى السؤال الرئيسي: هل يختلف «الضغط غير المسبوق» عن «الضغط الأقصى»، وما الاستراتيجية المناسبة لمواجهته؟

الضغط غير المسبوق.. تسمية جديدة للعقوبات والضغوط القديمة

أجرى ترامب تحركات مختلفة منذ الحرب الثالثة على إيرات، وأطلق يومياً ادعاءات جديدة، من بينها تدمير الهيكل السياسي الإيراني والقضاء على الحضارة الفارسية، إلا أن أياً منها لم يحقق أهدافه.

وخضعت إيران لعقوبات متعددة خلال العقود الثلاثة الماضية. بالنسبة إلى دولة واجهت هذا الحجم من العقوبات، فإن «الضغط الاقتصادي غير المسبوق» ليس سوى تسمية جديدة للضغوط نفسها التي وصفها باراك أوباما بـ«العقوبات المشلولة»، وأطلق عليها ترامب «الضغط الأقصى».

وبالنظر إلى تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مواجهة العقوبات الأمريكية الأولية والثانوية، فمن المستبعد أن يؤدي مجرد إطلاق تسمية جديدة على الضغوط إلى نتائج حاسمة. وما يكتسب أهمية هو مدى انضمام الدول الأخرى إلى هذه السياسة.

فالصين وروسيا وبعض الدول الأخرى ليست بالضرورة مستعدة للانضمام بالكامل إلى واشنطن، وستواصل السعي وراء مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في علاقاتها مع إيران. لذلك، إذا لم تتمكن الولايات المتحدة من تشكيل إجماع عالمي لممارسة ضغوط اقتصادية على طهران، فقد تواجه «العملية الاقتصادية غير المسبوقة» التي أعلنها ترامب المصير نفسه الذي واجهته حملته العسكرية.

وتعتزم الإدارة الأمريكية تقييد التجارة الإيرانية براً إلى جانب القيود البحرية، فيما تهدف الحملة التي يتبناها ترامب إلى فرض حصار شامل يعزل إيران. ويشمل ذلك الضغط على الدول المجاورة لقطع الاتصالات البرية، وفرض قيود على المعاملات المالية، فضلاً عن العزل السياسي.

ويعتقد ترامب أن الحصار البحري سيؤتي ثماره خلال الأشهر المقبلة، ولا يعتزم في الوقت الحالي التخلي عن هذه الأداة. ومن المرجح أن يسعى خلال مرحلة «الضغط غير المسبوق» إلى ممارسة ضغوط على دول أخرى، ولا سيما الدول المجاورة، لإجبارها على قطع علاقاتها الاقتصادية مع إيران.

سبل أساسية لمواجهة الحرب الاقتصادية الجديدة لترامب

لا تبدو كيفية مواجهة الحرب الاقتصادية معقدة، ويمكن إدارتها بالاستفادة من الحلول والتجارب السابقة، وذلك عبر أربعة محاور رئيسية:

1- دبلوماسية اقتصادية نشطة وسريعة

تتمثل الوسيلة لمواجهة الحصار الشامل والعزل في اتباع دبلوماسية اقتصادية نشطة، على أن تتجاوز وزارة الخارجية وتترسخ في جميع الأجهزة التنفيذية.

ويجب إعطاء الأولوية، في أسرع وقت ممكن، للتشاور مع الشركاء التجاريين الرئيسيين، ومن بينهم الصين وروسيا والدول المجاورة التي تمثل أهم وجهات الصادرات ومصادر الواردات.

وتُعد الصين، بصفتها أكبر مشترٍ للنفط الإيراني وشريكاً تجارياً استراتيجياً، المتغير الأهم في معادلة الضغوط الاقتصادية، وقد أعلنت بوضوح، بحسب المقال، عدم استعدادها لمسايرة سياسة ترامب. كما عارضت روسيا قرار ترامب.

ويمثل الاستفادة من ممر الشمال – الجنوب، وتعزيز التعاون المصرفي وتبادل العملات، والتنسيق في منظمات مثل «بريكس» و«منظمة شنغهاي للتعاون»، قدرات يمكن تعزيزها من خلال دبلوماسية نشطة.

أما العراق، فيؤمّن العديد من احتياجاته، بما فيها الكهرباء والغاز والمواد الغذائية والسلع الأساسية، من إيران، ولذلك فإن انضمامه الكامل إلى سياسة ترامب قد يخلق مشكلات له. ومع ذلك، يواجه العراق باستمرار تحدياً يتمثل في الضغوط الأمريكية من جهة وتأمين احتياجاته الحيوية من جهة أخرى، وهو ما يتطلب دبلوماسية ذكية للحفاظ على بقائه ضمن دائرة التعاون مع إيران.

2- تفعيل المسارات البديلة وتنويع سلاسل الإمداد

ينبغي تفعيل المسارات البديلة فوراً وإزالة العقبات أمام تنويع سلاسل إمداد السلع.

وتشمل هذه المسارات ممر الشمال – الجنوب، الذي يربط الموانئ الجنوبية بالموانئ المطلة على بحر قزوين ثم بروسيا وأوروبا، وممر الشرق – الغرب عبر أفغانستان وباكستان وصولاً إلى الصين وجنوب آسيا، إضافة إلى تطوير الموانئ الشمالية مثل أمير آباد ونوشهر وأنزلي لاستيراد السلع الأساسية من روسيا وآسيا الوسطى.

كما ينبغي توسيع استخدام العملات غير الدولارية، مثل الروبل واليوان والروبية، لتقليل الاعتماد على النظام المالي الخاضع للنفوذ الأمريكي.

3- تعزيز قدرة المجتمع على الصمود

يجب تعزيز قدرة المجتمع على الصمود من خلال مبادرات مختلفة. فالحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد إيران هي حرب إرادات وقدرة على التحمل، إذ تسعى واشنطن إلى محاصرة إيران ودفعها في النهاية إلى الاستسلام، ما يجعل مواجهة هذا المسار أولوية.

وتشمل الإجراءات الضرورية في هذا المجال إدارة سوق الصرف والسلع الأساسية لمنع التقلبات الحادة والاضطرابات، والتوزيع العادل للدعم، ومساندة الفئات الأكثر تضرراً، وتوفير المعلومات وإدارة الرأي العام لتعزيز القدرة النفسية والاجتماعية على الصمود، فضلاً عن تقوية الإنتاج المحلي للسلع الاستراتيجية، مثل الأدوية والمواد الغذائية والقطع الصناعية.

4- كسر الحصار البحري

رغم أن إيران تمكنت إلى حد ما من تقليص آثار العقوبات وإدارة شؤون البلاد عبر وسائل مختلفة، فإن الحصار البحري يجب كسره بأي وسيلة ممكنة.

ويمكن للحصار البحري، ولا سيما في مضيق هرمز وبحر عُمان، أن يعطل بصورة كبيرة صادرات النفط وواردات السلع الأساسية. وعلى خلاف العقوبات المالية التي يمكن مواصلة التجارة رغمها عبر الالتفاف عليها، فإن الحصار البحري يعني توقف حركة السفن وتبادل السلع.

خلاصة

تخوض الولايات المتحدة حرباً اقتصادية جديدة ضد إيران في وقت أخفقت فيه على الساحة العسكرية، ولا يبدي حلفاؤها التقليديون حماساً كبيراً للانضمام إلى الضغوط التي توصف بأنها غير مسبوقة.

وباتت العديد من الدول تدرك طبيعة شخصية ترامب وتعلم أن قراراته ليست بالضرورة دائمة، ولذلك من المرجح أن تتعامل دول المنطقة والشركاء التجاريون لإيران بحذر مع تهديداته.

ومع ذلك، يمكن للجمهورية الإسلامية الإيرانية، من خلال الاستفادة من تجارب أربعة عقود من المقاومة، واعتماد دبلوماسية نشطة مع الشركاء الرئيسيين، وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود، واستخدام القوة العسكرية الهجومية عند الضرورة، إدارة هذه الضغوط الجديدة أيضاً.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى