ديون الحكومة الإيرانية للمستوردين تتجاوز 4.4 مليار دولار.. أين تكمن الأزمة؟
إن قضية ديون الحكومة الإيرانية للمستوردين من السلع الأساسية تجاوزت مجرد كونها مطالبة مالية، لتتحول إلى سؤال كبير بشأن كيفية نشوء التزامات الحكومة وتسجيلها وتدقيقها.

ميدل ايست نيوز: تحولت ديون الحكومة الإيرانية للمستوردين من السلع الأساسية، البالغة 4.4 مليار دولار، إلى إحدى العقد الرئيسية في سلسلة الإمداد؛ إذ يواجه المستوردون من جهة تأخراً يتراوح بين 17 و18 شهراً في توفير العملة الأجنبية، إلى جانب تجميد السيولة، فيما تقف الحكومة من جهة أخرى أمام ضرورة تدقيق قيمة هذه الالتزامات ومصدرها وتحديد وضعها النهائي. وفي غضون ذلك، تكتسب آلية تسوية هذه الديون أهمية أكبر، إذ إن سدادها من خلال موارد جديدة قد يزيد الضغط على الموازنة والتضخم.
يقول موقع إكوايران المتخصص بالشؤون الاقتصادية، إن قضية ديون الحكومة الإيرانية للمستوردين من السلع الأساسية تجاوزت مجرد كونها مطالبة مالية، لتتحول إلى سؤال كبير بشأن كيفية نشوء التزامات الحكومة وتسجيلها وتدقيقها. وكان الرقم الذي أُعلن عنه في البداية يتجاوز 5 مليارات دولار، لكنه انخفض، بعد تسوية جزء من المطالبات، إلى نحو 4.4 مليار دولار وفقاً للمسؤولين. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح حجم الجزء الذي يمثل ديناً حكومياً نهائياً من هذا المبلغ، والجزء الذي لا يزال يتعين تحديد وضعه خلال عملية التدقيق.
خلاف حول رقم
تعود القضية إلى الالتزامات التي نشأت خلال السنوات الماضية في إطار استيراد السلع الأساسية. ويقول المستوردون إن إجمالي مستحقاتهم بلغ حالياً نحو 4.4 مليار دولار، يعود جزء منها إلى العام الماضي والجزء الآخر إلى أعوام سابقة. وقد أدى التأخر في سداد هذه المستحقات إلى تجميد رأس المال العامل للشركات، كما جعل سداد التسهيلات المصرفية صعباً على بعض المستوردين.
ويتعلق جزء كبير من هذه المطالبات بمستلزمات الثروة الحيوانية، فيما وصلت فترة الانتظار لتخصيص العملة الأجنبية وتوفيرها إلى 17 أو 18 شهراً. وقد فرض هذا التأخير على التجار تكلفة تمويل سنوية تتراوح بين 12 و14%، وهو ما يمكن أن ينتقل في نهاية المطاف إلى التكلفة النهائية للسلع الأساسية. وفي الوقت نفسه، أدى الإضرار بسمعة التجار الإيرانيين لدى الموردين الأجانب إلى مطالبة بعض البائعين بدفع 100% من قيمة الصفقة مقدماً قبل تحميل البضائع، ما زاد الضغط على سيولة القطاع الخاص.
لكن الرواية الحكومية مختلفة. إذ يؤكد المسؤولون الحكوميون أن مستحقات المستوردين التي يثبتها التدقيق ستُدفع، بصرف النظر عن الحكومة التي تعود إليها هذه المطالبات. إلا أنه قبل قبول الرقم المعلن باعتباره ديناً نهائياً، يجب تحديد حجم السلع التي تم استيرادها وآلية استيرادها وتوزيعها وطرحها في السوق، والنقطة التي نشأ عندها الالتزام المالي للحكومة تحديداً.
التدقيق أولاً ثم الدفع
وهنا تحديداً ينشأ الخلاف الرئيسي. ويتمثل أحد الأسئلة الأساسية في أنه إذا جرى استيراد مليارات الدولارات من السلع بالعملة الأجنبية التفضيلية وتوزيعها، فكيف نشأ هذا الالتزام تحديداً، ولماذا لا تظهر آثاره بصورة شفافة في حسابات الحكومة؟ كما يمثل اختلاف أسعار الصرف موضعاً آخر للنقاش، إذ يثار تساؤل حول كيفية نشوء التزام بسعر 28 ألفاً و500 تومان للدولار، ثم تسويته بعد سنوات بأسعار أعلى، من دون أن يكون الأساس القانوني لهذا الفارق واضحاً.
الصندوق الأسود القانوني لديون الحكومة
ولتحديد جذور هذه الأزمة، ينبغي النظر في قانون المحاسبات العامة في إيران وثلاث مواد رئيسية منه، تحدد الإطار القانوني لإنشاء الالتزامات وكيفية إنفاق موارد الحكومة.
وبموجب المادة 78، يمكن للحكومة، في ظروف طارئة مثل الحرب أو الحصار الاقتصادي، دفع بعض النفقات الضرورية خارج الإجراءات المعتادة. إلا أن استخدام هذه الصلاحية لا ينبغي أن يعني التخلي عن التسجيل والرقابة المالية أو إنشاء حسابات غير شفافة.
كما تحظر المادة 92 إنشاء التزامات تتجاوز الاعتمادات المقررة. وفي هذه القضية، إذا كانت وزارة الجهاد الزراعي والشركات التابعة لها قد نفذت تسجيل الطلبات والتخليص الجمركي وطرح مستلزمات الإنتاج في منظومة «بازارگاه» من دون تأمين الموارد اللازمة من العملة الأجنبية بشكل نهائي، فإنها تكون قد أنشأت فعلياً التزاماً يتجاوز الاعتماد المقرر. ورغم أن القانون يتيح في بعض الحالات تسوية هذا الدين من اعتمادات العام التالي، فإن ذلك لا يلغي المسؤولية القانونية للجهة التي أنشأت الالتزام.
وفي نهاية المطاف، تحدد المادة 93 مسؤولية المسؤول المالي أو الجهة المخولة بالدفع في حال إنشاء التزام خارج إطار القواعد أو التصديق على اعتماد بصورة غير صحيحة، وقد تندرج مثل هذه الإجراءات ضمن المسؤولية الجنائية. ولهذا السبب، تكتسب عملية التدقيق الدقيق أهمية أكبر قبل التصديق النهائي على مطالبات المستوردين التي تبلغ مليارات اليوروهات.
ثلاثة سيناريوهات لدين ضخم
لا تقتصر أبعاد هذه القضية على الحكومة والمستوردين فقط. فإذا جرى الاعتراف بالجزء الأكبر من هذه المطالبات باعتباره ديناً حكومياً نهائياً، فإن توفير الموارد اللازمة لسداده في ظل القيود المفروضة على الموازنة قد يؤثر في عجز الموازنة والسيولة والتضخم.
ولهذا السبب، يتمثل السؤال المهم في ما إذا كانت تسوية هذا الدين تتطلب بالضرورة ضخ أموال جديدة. ويرى بعض الخبراء أنه يمكن استخدام أدوات مالية ومقايضة الأصول لتسوية جزء من المطالبات، مع خفض الضغط في الوقت نفسه على موارد الموازنة والقاعدة النقدية.
إلا أن هذا الحل يتطلب تنسيقاً بين مختلف أركان الجهاز الاقتصادي للحكومة، بدءاً من وزارة النفط ووزارة الجهاد الزراعي والبنك المركزي ومنظمة التخطيط والموازنة، وصولاً إلى وزارة الشؤون الاقتصادية والمالية.



