الصحافة الإيرانية: منظمة شنغهاي بين طموحات الصين ومخاوف روسيا ومنافسة الهند

يكمن خلف قمة شنغهاي خلافات عميقة بين الأعضاء، ومنافسة بين الصين والهند، ومخاوف من الهيمنة الاقتصادية لبكين، ما يجعل مستقبل هذه المنظمة الممتدة على مدى 25 عاماً غامضاً.

ميدل ايست نيوز: تستقطب قمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك قادة الصين وروسيا والهند، في مشهد يعكس تلاقي الدول غير الغربية، لكن خلفه خلافات عميقة بين الأعضاء، ومنافسة بين الصين والهند، ومخاوف من الهيمنة الاقتصادية لبكين، ما يجعل مستقبل هذه المنظمة الممتدة على مدى 25 عاماً غامضاً.

تقول صحيفة شرق، إنه خلال هذه السنوات الـ25، تحولت منظمة شنغهاي من مؤسسة تركز بصورة محدودة على قضايا الحدود وأمن آسيا الوسطى، إلى منتدى ذي طموحات سياسية واقتصادية أوسع. وسعت الصين خصوصاً إلى توسيع نطاق أنشطتها، من خلال التعهد بتقديم مساعدات مالية وتنموية وإنشاء آليات اقتصادية جديدة، بهدف تعزيز دور المنظمة في الهيكل الإقليمي.

ولا تُعد منظمة شنغهاي تحالفاً دفاعياً، ولا تمتلك هيكلاً موحداً للقيادة العسكرية، كما أن أعضاءها لا يقفون بالضرورة في جانب واحد في أهم الأزمات الأمنية التي تشهدها المنطقة. وتوجد آلية إقليمية لمكافحة الإرهاب ومناورات عسكرية تُعرف باسم «مهمة السلام»، لكن سجل المنظمة في حل الخلافات الأمنية بين أعضائها الرئيسيين لا يزال محدوداً.

وتجسد هذه المفارقة السؤال الرئيسي الذي يطرح نفسه في قمة الذكرى الـ25 لتأسيس منظمة شنغهاي: هل تستطيع المنظمة التحول من منصة للاستعراض السياسي إلى مؤسسة قادرة فعلياً على تشكيل قواعد المنطقة، أم ستظل مكاناً تقف فيه دول ذات أهداف مختلفة جنباً إلى جنب لإرسال رسائل إلى الخارج؟

الهند؛ عضو منافس للصين

تمثل العلاقات الصينية الهندية أفضل نموذج على محدودية منظمة شنغهاي. فالدولتان من أبرز أعضاء المنظمة، لكن خلافهما الحدودي القديم بدأ قبل عقود من تأسيس شنغهاي، ولم تتمكن المنظمة من حلّه.

وأدت المواجهة الحدودية التي وقعت عام 2020، وأسفرت عن أول خسائر بشرية كبيرة بين الجانبين خلال عقود، إلى دفع العلاقات بين بكين ونيودلهي إلى واحدة من أبرد مراحلها في العصر الحديث.

وشهدت المفاوضات بين الجانبين خلال الشهر الجاري بعض التقدم. فقد بحث الطرفان تحسين الفهم المتبادل لخطوط الحدود في بعض المناطق، كما اتفقا على إنشاء خطي اتصال عسكريين جديدين بين القيادتين الشرقية والوسطى للجيش الهندي ونظيرتيهما الصينيتين.

ويمكن لمثل هذه قنوات الاتصال أن تقلل احتمال سوء الفهم والاشتباكات العرضية، لكن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب خط ساخن. فقد كانت هناك آليات اتصال خلال الأزمات السابقة أيضاً، لكنها لم تتمكن من منع تصاعد التوتر.

وتتمثل المشكلة الأعمق في تغير موازين القوى في آسيا. فتصاعد القدرات الاقتصادية والعسكرية للصين يشكل تحدياً للأمن القومي الهندي، وهذه الحقيقة هي التي تحدد حدود تعاون نيودلهي مع منظمة شنغهاي.

ويرى دينكار بيري، الباحث في الدراسات الأمنية لدى مؤسسة كارنيغي الهند، أن عضوية شنغهاي تمثل بالنسبة إلى نيودلهي أداة للمشاركة في طاولة صنع القرار الإقليمي، حيث تستطيع الهند متابعة التحولات الجيوسياسية عن كثب، والحفاظ على مصالحها، وإظهار أنها طرف يمكن الاعتماد عليه. لكن الحضور لا يعني التوافق. فالهند تستخدم منظمة شنغهاي لتوسيع هامش المناورة أمامها، وليس لاختيار معسكر الصين وروسيا.

وتقوم السياسة التي تسميها نيودلهي «السياسة الخارجية متعددة الاتجاهات» تحديداً على هذا المنطق. إذ يستطيع مودي الوقوف في منظمة شنغهاي إلى جانب شي وبوتين، وفي الوقت نفسه التعاون مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا في إطار «كواد».

وأتاحت الصورة التي ظهر فيها مودي وشي وبوتين خلال قمة شنغهاي في تيانجين، للهند أن تظهر امتلاكها خيارات متعددة، لكن تلك الصورة لم تُنهِ التناقض الأمني بين الهند والصين.

وفي الواقع، لا ترحب نيودلهي بتحويل منظمة شنغهاي إلى تكتل صريح مناهض للغرب. فالهند، بالتوازي مع عضويتها في منظمة شنغهاي، تربطها علاقات واسعة بالولايات المتحدة والمؤسسات المالية الغربية، وتدرك أن أياً من الخيارات البديلة لا يمكنه وحده تلبية احتياجاتها الأمنية والاقتصادية.

ويمثل هذا الوضع أحد أبرز القيود التي تواجه الرواية الصينية والروسية بشأن منظمة شنغهاي. فهما تتحدثان عن «عالم متعدد الأقطاب»، لكن إحدى أكبر القوى الموجودة داخل المجموعة نفسها لا تريد أن تعني التعددية القطبية الاصطفاف في جبهة تقودها بكين وموسكو.

725 مليار دولار من التجارة تحت مظلة الصين

قد يكون الاقتصاد المجال الذي تتمتع فيه منظمة شنغهاي بقدرة أكبر على النمو مقارنة بالمجال الأمني. ووفق بعض التقديرات، ارتفعت التجارة بين أعضاء المنظمة من 463 مليار دولار عام 2021 إلى نحو 725 مليار دولار عام 2024.

ومع ذلك، ليس واضحاً مقدار هذا النمو الذي يعود إلى المنظمة نفسها. إذ إن جزءاً كبيراً من التجارة داخل منظمة شنغهاي ناتج عن العلاقات الثنائية بين الصين وروسيا، والصين والهند، وهي علاقات كان من المرجح أن تتوسع حتى من دون وجود المنظمة.

أما المشروع الأهم فهو بنك التنمية التابع لمنظمة شنغهاي للتعاون. فقد وافق الأعضاء من حيث المبدأ خلال قمة عام 2025 على إنشاء مثل هذا البنك، وهو مشروع تسعى الصين إلى تحقيقه منذ عام 2010.

وترى بكين في هذا البنك فرصة لإنشاء بنية مالية أكثر استقلالاً، وزيادة الاستخدام الدولي لليوان، وتقليل الاعتماد على المؤسسات التي نشأت في أعقاب نظام بريتون وودز.

وفي حال إنشاء البنك فعلياً، فقد يصبح أهم أداة مؤسسية لمنظمة شنغهاي في منافستها للبنية الاقتصادية الخاضعة للنفوذ الغربي. لكن الخلافات الداخلية تظهر مجدداً في هذه النقطة تحديداً.

فعلى الرغم من الدعم الظاهري، تتعامل روسيا بحذر مع البنك. وتشعر موسكو بالقلق من أن تؤدي هذه الأداة المالية الجديدة إلى زيادة النفوذ الاقتصادي الصيني في آسيا الوسطى، وهي المنطقة التي اعتبرتها روسيا لعقود مجالاً تقليدياً لنفوذها.

هذه المخاوف ليست جديدة. فمنذ السنوات الأولى لمنظمة شنغهاي، كانت الصين ترغب في منح المنظمة بعداً اقتصادياً أكثر وضوحاً، بينما فضلت روسيا إبقاء تركيزها على الأمن. وكان أحد أسباب هذا الخلاف خشية موسكو من التفوق الاقتصادي الصيني.

أما الهند، فتتخذ موقفاً متشككاً لأسباب مختلفة. إذ تخشى نيودلهي أن يتحول البنك الخاضع لنفوذ بكين إلى أداة أخرى لتعزيز القوة الإقليمية للصين. وتفيد عضوية منظمة شنغهاي الهند، لكن المشاركة في هيكل تحدد الصين قواعده الاقتصادية مسألة مختلفة.

يقدم هذا الخلاف صورة مهمة عن المنظمة: فالصين هي أكبر قوة في المجموعة من حيث القدرات المادية، لكن هذه الهيمنة نفسها تدفع شركاءها إلى مقاومة المشاريع التي من شأنها تعزيز قوتها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 − 6 =

زر الذهاب إلى الأعلى