تعميق الشراكة بين تركيا والعراق مع تصاعد حرب إيران
يمنح ممر طريق التنمية، الذي يمتد من ميناء الفاو الكبير في العراق إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، كلا الحكومتين مصلحة مشتركة في تعزيز الاتصال الإقليمي.

ميدل ايست نيوز: انتقلت العلاقة الاستراتيجية بين أنقرة وبغداد إلى ما هو أبعد من النزاعات الأمنية التي ميّزت معظم فترة ما بعد عام 2003. وتعكس الشراكة بين تركيا والعراق الآن تقارباً في المصالح الاقتصادية والحسابات الأمنية التي شكلتها الحرب مع إيران. ويمنح ممر طريق التنمية، الذي يمتد من ميناء الفاو الكبير في العراق إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، كلا الحكومتين مصلحة مشتركة في تعزيز الاتصال الإقليمي.
وحسب مقال رأي نشره المركز العربي واشنطن دي سي أفاد به موقع “ميرو” زادت اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز من القيمة الاستراتيجية للطرق البرية عبر تركيا، بينما أصبحت جهود بغداد لتحقيق التوازن بين إيران والولايات المتحدة أكثر صعوبة. كما اقتربت الأولويات التركية والأمريكية في العراق، لا سيما فيما يتعلق بتعزيز الحكومة المركزية والحد من نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران.
ومع ذلك، فإن التفتت الداخلي والاختلالات المستمرة في ملفات الأمن والمياه والطاقة تحد من مدى تقدم هذا التوافق. وبالتالي، تتعمق الشراكة بين تركيا والعراق، لكنها تظل غير متكافئة، إذ تحتفظ أنقرة بمزايا واضحة في عدة مجالات. وستعتمد قدرة بغداد على تنفيذ اتفاقياتها مع تركيا بشكل كبير على السياسة الداخلية وقدرة الدولة العراقية على إدارة مراكز القوة المتنافسة.
شراكة تركيا والعراق تدخل مرحلة جديدة
شهدت العلاقات التركية-العراقية تحولاً كبيراً على مدار العامين الماضيين. فخلال معظم فترة ما بعد عام 2003، هيمنت على العلاقات بين أنقرة وبغداد النزاعات حول الأمن والسيادة وعلاقات تركيا مع حكومة إقليم كردستان. ونفذت تركيا عمليات عسكرية ضد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق بشكل شبه أحادي، بينما كانت بغداد تعبّر عن احتجاجها على انتهاك السيادة العراقية، لكنها لم تكن تملك القدرة على منع هذه العمليات. وتوسعت العلاقات الاقتصادية بشكل كبير، إلا أن النزاعات الأمنية استمرت في الهيمنة على العلاقة. وبحلول عام 2024، بدأت العلاقة تكتسب طابعاً مختلفاً.
وعكس هذا التحول التغيرات التي طرأت على مواقف الجانبين. فقد تولى رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني منصبه في عام 2022 بأجندة عملية تركز على التنمية، وجعل من طريق التنمية، وهو ممر نقل مخطط يربط ميناء الفاو الكبير في العراق بتركيا ومنها إلى أوروبا، أحد المشاريع المركزية لحكومته. وزاد هذا التوجه الجديد من اهتمام بغداد بتحسين العلاقات مع تركيا، إذ كان التعاون مع أنقرة ضرورياً لنجاح المشروع. واستجابة لذلك، بدأت تركيا أيضاً في وضع مطالبها الأمنية ضمن إطار أوسع من التعاون الاقتصادي والسياسي.
وفي عام 2026، جعلت الحرب الأمريكية مع إيران تركيا أكثر أهمية بالنسبة إلى العراق. فقد كشفت اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز عن اعتماد العراق على طرق التصدير عبر الخليج، وزادت من القيمة الاستراتيجية للطرق البديلة عبر تركيا. كما جعلت الحرب مع إيران جهود بغداد الطويلة الأمد لتحقيق التوازن بين إيران والولايات المتحدة أكثر صعوبة، مما زاد من أهمية علاقتها مع تركيا. وفي الوقت نفسه، اقتربت المصالح التركية والأمريكية في العراق، حيث بات كلاهما يفضل حكومة مركزية أقوى قادرة على ممارسة سيطرة أكبر على الجماعات المسلحة.
وكان سعي بغداد إلى الحفاظ على هذا التوازن واضحاً في أولى الزيارات الخارجية لرئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي. ففي يوليو 2026، سافر أولاً إلى واشنطن ثم إلى طهران، قبل أن يزور أنقرة في 28 يوليو. كما أكدت زيارة أنقرة الأجندة الثنائية التي تطورت خلال عهد السوداني، بما أظهر استمرارية نهج العراق تجاه تركيا رغم تغير الحكومة. وأسهمت هذه التطورات مجتمعة في إنتاج شراكة أعمق بين تركيا والعراق، تتماشى بشكل متزايد مع الأولويات الأمريكية في العراق أيضاً. ومع ذلك، فإن مدى تقدم هذه الشراكة سيعتمد بشكل كبير على السياسة الداخلية في العراق، حيث تواصل مراكز القوة المتنافسة تقييد قدرة بغداد على تنفيذ الاتفاقات التي تبرمها مع تركيا.
من النزاعات الأمنية إلى التعاون الأمني
كان التغيير في العلاقات العراقية-التركية واضحاً بشكل خاص في المجال الأمني. فعلى مدى عقدين، كان الوجود العسكري التركي في شمال العراق أحد المصادر الرئيسية للتوتر بين أنقرة وبغداد. وضغطت تركيا لفترة طويلة على بغداد لتبني موقف أقوى ضد حزب العمال الكردستاني، لكن حكومة السوداني أصبحت أكثر استجابة لهذه المطالب. ففي مارس 2024، صنّف مجلس الأمن الوطني العراقي حزب العمال الكردستاني منظمة محظورة، وفي أغسطس من العام نفسه وقّعت الحكومتان مذكرة أمنية ومكافحة الإرهاب أسست مركز تنسيق مشتركاً ولجنة رفيعة المستوى.
وقد يؤدي قرار حزب العمال الكردستاني في مايو 2025 بحل نفسه ونزع سلاحه إلى تعميق هذا التحول. وتثير هذه العملية تساؤلات لا تستطيع تركيا التعامل معها بمفردها، بما في ذلك مستقبل المقاتلين الذين جرى نزع سلاحهم، والترتيبات الأمنية في المناطق التي ينسحب منها حزب العمال الكردستاني، ومستقبل الهياكل المرتبطة به في مخيم مخمور للاجئين وسنجار. ولسنوات، تعاملت بغداد مع حزب العمال الكردستاني إلى حد كبير باعتباره مشكلة بين تركيا والأكراد، وتركت إدارة هذا الملف لأربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، لكن نزع السلاح يجعل مشاركتها المباشرة أكثر أهمية.
طريق التنمية ومنطق جديد من الاعتماد المتبادل
بدأ طريق التنمية في تغيير طبيعة العلاقة بين تركيا والعراق نفسها. ومن المقرر أن يربط الممر البري والسككي، الذي يمتد على مسافة 1200 كيلومتر، ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق بتركيا ومنها إلى الأسواق الأوروبية. وبالنسبة إلى بغداد، يعد المشروع بتحويل العراق من دولة تعتمد بشكل كبير على صادرات النفط إلى جزء لا يتجزأ من شبكة أوسع للنقل والخدمات اللوجستية. أما بالنسبة إلى أنقرة، فيكمل المشروع طموح تركيا الطويل الأمد في ترسيخ موقعها في قلب شبكات التجارة والاتصال الإقليمية.
كما يوضح المشروع سبب تجاوز التقارب الحالي مجرد تسوية سياسية مؤقتة. فالعراق يوفر منفذاً إلى الخليج، بينما تقدم تركيا اتصالاً بالأسواق الأوروبية، إلى جانب قدرات في مجالي البناء والخدمات اللوجستية. وكانت هذه الصورة من الاعتماد المتبادل غائبة إلى حد كبير عن العلاقة القديمة التي ركزت على الأمن.
ومع ذلك، فإن تحويل هذا الطموح إلى ممر وظيفي أثبت أنه صعب. ولا يزال التمويل يمثل التحدي الرئيسي، إذ تُقدّر تكاليف المرحلة الأولى وحدها بنحو 20 مليار دولار. وانضمت قطر والإمارات العربية المتحدة إلى العراق وتركيا في مذكرة التفاهم الأصلية الموقعة عام 2024، لكن حزمة التمويل الكاملة لم تتبلور بعد. وقد يمول إطار جديد يسمح للشركات التركية ببناء البنية التحتية مقابل الموارد الطبيعية العراقية جزءاً من عمليات البناء، لكنه لا يكفي لتلبية الاحتياجات العامة للممر.
وجعلت الحرب مع إيران مشروع طريق التنمية أكثر من مجرد طموح اقتصادي طويل الأمد. فمع تعطل الشحن عبر مضيق هرمز، اكتسب الاتصال البري بأوروبا عبر تركيا قيمة استراتيجية أكبر بكثير.
شراكة غير متكافئة
على الرغم من الاعتماد المتزايد بين تركيا والعراق، فإن العلاقة ليست متساوية. ويختلف ميزان القوى باختلاف الملفات، لكن أنقرة تحتفظ في عدة مجالات مهمة بميزة واضحة.
وتظهر هيمنة تركيا بوضوح في المجال الأمني. فتركيا تحتفظ بقوات في الأراضي العراقية، كما تحتفظ بالمبادرة العسكرية. ولا تقبل بغداد رسمياً الوجود التركي، لكنها تفتقر إلى النفوذ اللازم لإنهائه، مما يترك لها تأثيراً محدوداً على الأنشطة العسكرية التركية، حتى مع تعاون الحكومتين بشكل أوثق ضد حزب العمال الكردستاني.
وتتضح حالة عدم التوازن بشكل أكبر في ملف المياه. فالعراق يقع في أسفل مجرى نهري دجلة والفرات، بينما جعل تدهور البنية التحتية والجفاف المتكرر نقص المياه مشكلة متزايدة الخطورة. وتقع تركيا في أعلى المجرى وتتحكم في جزء كبير من تدفق المياه، مما يمنح أنقرة نفوذاً كبيراً. وضغطت بغداد منذ فترة طويلة على تركيا من أجل إطلاق كميات أكبر وأكثر انتظاماً من المياه، بينما جادلت أنقرة بأن مشاكل المياه في العراق ناجمة أيضاً عن أساليب الري غير الفعالة وسوء إدارة الموارد المائية.
ويسمح الإطار الذي جرى الاتفاق عليه خلال زيارة الزيدي في يوليو 2026 للشركات التركية بتنفيذ مشاريع للبنية التحتية المائية في العراق، على أن تموّل من عائدات النفط العراقية، مما يقرب النقاش من تركيز أنقرة على إدارة المياه. ومع ذلك، لم ينتج عن ذلك أي التزام جديد بشأن حجم المياه التي ستطلقها تركيا. ويرى منتقدون في بغداد أن هذا الترتيب يعمق الاعتماد المتبادل، إذ يربط عائدات النفط بالمشاريع التي تنفذها تركيا، بينما يترك الخلاف بشأن تدفقات المياه دون حل.
وعلى عكس الأمن والمياه، ينطوي قطاع الطاقة على قدر أكبر من الاعتماد المتبادل. ويوفر خط أنابيب كركوك-جيهان للعراق طريق تصدير إلى البحر المتوسط يتجاوز الخليج، بينما يعد النفط العراقي مهماً لتركيا كمصدر للخام، وكجزء من طموحها للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة. وتعمل أنقرة وبغداد حالياً على اتفاق شامل للطاقة من شأنه توسيع التعاون إلى ما هو أبعد من العلاقة الحالية المتعلقة بخط الأنابيب. كما أن القرار الأخير بإدخال شركة النفط التركية في عمليات الإنتاج في كركوك يوسع دور تركيا إلى ما هو أبعد من التجارة والنقل، ويجعلها مستثمراً مباشراً في قطاع الطاقة العراقي.
القيود الداخلية والخارجية على التقارب
على الرغم من أن التقارب بين أنقرة وبغداد حقيقي، فإن الحكومتين ليستا اللاعبتين الوحيدتين اللتين تشكلان مسار التطورات. ويؤثر تعاونهما المتزايد في مصالح فاعلين إقليميين ومحليين آخرين، بينما يحد ضعف الحكومة المركزية في العراق من قدرتها على تنفيذ بعض السياسات التي تتفق عليها مع تركيا. ويقدم طريق التنمية المثال الأكثر وضوحاً على كلا الأمرين.
ويعد المشروع جزءاً من منافسة أوسع على طرق التجارة الإقليمية. وتأتي المنافسة الأكثر إلحاحاً من إيران، التي تسعى من خلال ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب إلى توجيه التجارة عبر الأراضي الإيرانية. وسيوفر طريق التنمية بديلاً عبر العراق وتركيا، بينما يسمح لتجارة الخليج بتجاوز مضيق هرمز، مما يقلل من مصدر مهم لنفوذ إيران الإقليمي والدولي. وقد تعارض الجماعات المتحالفة مع إيران في العراق مشروعاً من شأنه إضعاف النفوذ الإقليمي لطهران.
كما سيخلق الطريق فائزين وخاسرين داخل العراق نفسه، تبعاً لمكان بناء البنية التحتية، والجهات التي ستسيطر على العقود وإيرادات النقل والأمن على طول الممر. وتمنح هذه الفوائد غير المتكافئة الفصائل السياسية والوزارات والسلطات الإقليمية دوافع خاصة للتأثير في المشروع أو عرقلته. وفي النظام السياسي المجزأ في العراق، حيث تتقاسم الحكومة المركزية السلطة مع العديد من الفاعلين السياسيين والمسلحين، يمكن أن تتحول المصالح المتنافسة إلى عقبات خطيرة أمام تنفيذ المشروع.
وظهرت هذه التوترات خلال زيارة الزيدي إلى أنقرة، عندما رفض وزير النقل العراقي في البداية، أمام الكاميرات، التوقيع على مذكرة بشأن طريق التنمية. ولم تُعلن أسباب الرفض. وقدمت علاقاته المزعومة مع فصيل متماهٍ مع إيران تفسيراً محتملاً، رغم احتمال وجود مصالح داخلية أخرى. ولم يوقع الوزير إلا بعد تدخل الزيدي، في مؤشر على المقاومة التي يمكن أن تواجهها الاتفاقات التي يتوصل إليها رئيس الوزراء خارج العراق داخل مؤسسات الدولة نفسها.
ولدى إقليم كردستان أسباب خاصة للقلق. فمعبر فيشخابور-أوفاكوي، المخطط له كمنفذ لطريق التنمية إلى تركيا، يقع خارج إقليم كردستان، وسيخلق بديلاً عن معبر حابور-إبراهيم خليل الحالي، الذي تسيطر عليه حكومة إقليم كردستان. ومن شأن وجود معبر ثانٍ تحت السيطرة الاتحادية أن يقلل بعض نفوذ أربيل على التجارة بين العراق وتركيا. وعلى نطاق أوسع، فإن التقارب بين أنقرة وبغداد يقلل من الوضع المتميز الذي كانت أربيل تتمتع به في سياسة تركيا تجاه العراق.
شراكة تركيا والعراق لا تزال تواجه قيوداً
لقد عمل النظام السياسي المجزأ في العراق وضعف الدولة العراقية منذ فترة طويلة لصالح إيران. فقد بنت طهران جزءاً كبيراً من نفوذها في العراق بعد عام 2003، ليس فقط من خلال علاقاتها مع الحكومات في بغداد، وإنما أيضاً عبر الأحزاب السياسية والجماعات المسلحة التي احتفظت بقدر كبير من الاستقلالية عن الدولة المركزية. وقد وضعت الحرب هذا النظام تحت ضغط أكبر. ومع تعرض إيران نفسها لضغط عسكري مستمر، أصبحت طهران تملك موارد أقل لتكريسها لشبكاتها الإقليمية، بينما تدفع واشنطن بشكل أكثر انفتاحاً نحو الحد من قوة الجماعات المسلحة المتماهية مع إيران.
ويتداخل تفضيل أنقرة لحكومة مركزية أقوى في العراق مع الأولويات الأمريكية.
ويقرّب ذلك بين أولويات الولايات المتحدة وتركيا في العراق. وتريد واشنطن تعزيز سلطة الحكومة المركزية من خلال إخضاع الميليشيات المتماهية مع إيران لسيطرة الدولة بشكل أكثر صرامة وفاعلية. ولدى أنقرة أسبابها الخاصة للرغبة في حكومة أقوى في بغداد؛ فالدولة المركزية القادرة على السيطرة على أراضيها ستكون شريكاً أكثر فاعلية في مواجهة حزب العمال الكردستاني، وأكثر قدرة على تنفيذ طريق التنمية وغيره من الاتفاقات الثنائية، وأقل عرضة للعوامل التي يمكن أن تعيق التعاون مع تركيا.
وتكتسب التوسعة الأخيرة لمهام توم باراك، السفير الأمريكي في تركيا، لتشمل العراق، دلالة في هذا السياق. ويشغل باراك بالفعل منصب المبعوث الأمريكي إلى سوريا، ويعمل بشكل وثيق مع أنقرة دعماً لدولة سورية مركزية، ويعارض استمرار الحكم الذاتي في شمال شرق سوريا الذي تقوده قوى كردية، ويدفع نحو دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش الوطني. وتشير إضافة العراق إلى مهامه إلى أن واشنطن ترى بشكل متزايد أن هذه الساحات مترابطة، مما يزيد احتمال امتداد التقارب الأمريكي-التركي إلى العراق.
ولذلك، لدى واشنطن أسباب للترحيب بالدور المتزايد لتركيا في العراق، خاصة أن تفضيل أنقرة لحكومة مركزية أقوى يتماشى مع الأولويات الأمريكية. وبالنسبة إلى بغداد، توفر العلاقات الوثيقة مع تركيا مصدراً إضافياً للتوازن في وقت أصبحت فيه إدارة العلاقات مع إيران والولايات المتحدة أكثر صعوبة. ولا تستطيع تركيا أن تحل محل أي من القوتين، لكن تعزيز الروابط مع أنقرة يمنح بغداد مساحة أكبر للمناورة بينهما.
الخاتمة
مجتمعة، جعلت هذه التغييرات تركيا شريكاً أكثر أهمية لبغداد، ومنحت كلا الجانبين مصلحة أقوى في الحفاظ على التقارب. وقد عززت الحرب هذا التحول، مما زاد من القيمة الاستراتيجية لتركيا بالنسبة إلى بغداد، في وقت تقاربت فيه المصالح التركية والأمريكية بشأن قيام دولة عراقية أقوى. ومع ذلك، لا يعني هذا إعادة توجيه العراق نحو تركيا بعيداً عن إيران.
ولا تستطيع بغداد تحمل قطع العلاقات مع طهران، التي لا تزال تتمتع بنفوذ كبير على السياسة والاقتصاد والأمن داخل العراق. كما أن السياسة العراقية لا تزال مجزأة، وستواجه الجهود الرامية إلى تعزيز سيطرة الدولة المركزية على الفاعلين المسلحين مقاومة كبيرة. وبالتالي، فإن الضغط المفرط على بغداد للتحرك بشكل حاد ضد قوات الحشد الشعبي قد يكون مزعزعاً للاستقرار، مما يقوض الاستقرار الذي تعتمد عليه الطموحات الاقتصادية لتركيا.
لذلك، تتوافق مصالح أنقرة بشكل أكبر مع تعزيز تدريجي للدولة العراقية، بدلاً من إعادة توجيه جيوسياسي حاد. وستكون حكومة بغداد القادرة على السيطرة على الجماعات المسلحة، وتأمين ممرات النقل، وتنفيذ الاتفاقيات طويلة الأجل، شريكاً اقتصادياً وأمنياً أكثر موثوقية لتركيا. كما ستمنح أنقرة فرصة لترجمة شراكتها المتزايدة مع بغداد إلى دور أكبر في النظام الإقليمي الذي تعيد الحرب تشكيله.



