ما الذي تملكه الصين حقا في مواجهة ترامب بشأن إيران؟

تراهن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن خنق الاقتصاد الإيراني يمكن أن يحقق ما عجزت عنه الضغوط العسكرية والسياسية، لكن هذه الإستراتيجية تصطدم بعقبة كأداء اسمها الصين.

ميدل ايست نيوز: تراهن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن خنق الاقتصاد الإيراني يمكن أن يحقق ما عجزت عنه الضغوط العسكرية والسياسية، لكن هذه الإستراتيجية تصطدم بعقبة كأداء اسمها الصين. فبكين ليست مجرد شريك تجاري لطهران، وإنما شريانها الاقتصادي الأهم، واستهدافها بالعقوبات قد يحوِّل المعركة ضد إيران إلى مواجهة أمريكية صينية أوسع.

ويرى مارك تشامبيون، كاتب مقالات الرأي في تحليل نشرته وكالة بلومبيرغ الأمريكية للأنباء، أن خطة ترامب المسماة “يوم الحسم الاقتصادي” تواجه مشكلة أساسية تتمثل في أن نجاحها يتطلب تعاونا دوليا واسعا لم تعد واشنطن قادرة على ضمانه كما كانت الحال بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

واستحضر الكاتب تصريحا أطلقه مؤخرا وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قال فيه إن الدول أمام خيار واضح: “إما أن تكون معنا أو ضدنا”، مستعيدا لغة الرئيس جورج بوش الابن بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول على نيويورك وواشنطن.

لكنّ تشامبيون يرى أن المقارنة لم تعد صالحة، لأن العالم تغير جذريا منذ ذلك الحين، ولم تعد الولايات المتحدة تتمتع بالهيمنة التي كانت تسمح لها بتعبئة معظم الدول خلف سياساتها.

أما اليوم -بحسب المقال- فقد تغيرت موازين القوى، وبرزت أطر مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، في حين أصبحت دول كبرى أكثر استعدادا لمقاومة العقوبات والضغوط الأمريكية.

عقوبات أمريكا.. وقود الصين لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية خارج مدار واشنطن

هل بمقدور أمريكا استهداف الصين؟

يقول تشامبيون إنه في حين استطاعت واشنطن سابقا فرض إرادتها على حلفائها، فإن تكتلات إقليمية مثل منظمة شنغهاي للتعاون، التي “رغم أنها ليست تحالفا عسكريا على غرار الناتو”، تؤدي وظيفة مهمة بالنسبة إلى الصين وروسيا، باعتبارها منصة وأداة لموازنة النفوذ الأمريكي في منطقة أوراسيا.

وأوضح في مقاله أن المنظمة -التي تضم دولا كبرى مثل الصين وروسيا والهند- باتت توفر منتدى سياسيا واقتصاديا للدول التي تصنفها واشنطن “مارقة”، وتعمل على تعزيز الاستثمار والتبادل التجاري مع إيران، بما يحد من قدرة الولايات المتحدة على فرض عزلة كاملة عليها، وهو ما تبين خلال قمة بيشكيك -عاصمة قرغيزستان- التي انعقدت يومي 31 أغسطس/آب والأول من سبتمبر/أيلول.

وفي هذا السياق، يرى تشامبيون أن المنظمة تقف عمليا إلى جانب إيران، كما تقف روسيا إلى جانب طهران، وأن عالم اليوم لم يعد يتيح بسهولة تصنيف دول باعتبارها “مارقة”، لأن هناك قوى ومنتديات دولية مستعدة لاحتضانها.

ووفقا للمقال، لطالما كانت الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن نحو 90% من النفط الإيراني يُشحن إليها عبر شبكة من “أساطيل الظل”. كما توفر بكين لإيران إمكانية الوصول إلى “نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود” (CIPS)، الذي يتيح إجراء تحويلات خارج النظام المالي القائم على الدولار.

وبالتالي، إذا كانت الولايات المتحدة تريد بالفعل إلحاق ضرر اقتصادي بالغ بإيران، فسيتعين عليها أن تستهدف الصين، على حد تعبير الكاتب.

ومع ذلك، يزعم تشامبيون أن بكين “لا ترتعد خوفا من التهديد الأمريكي”، مضيفا أن وزير الخزانة بيسنت، عندما سُئل خلال مؤتمر صحفي، عما إذا كانت “عملية المنبوذ الاقتصادي” ستستهدف بكين، أحجم عن الإجابة المباشرة، من دون أن يذكر الصين مباشرة، واكتفى بالقول: “لا أحد فوق متناول العقوبات الأمريكية”.

الصحافة الإيرانية: انتقادات تتصاعد.. سياسة بكين المزدوجة تجاه طهران تحت المجهر

أوراق الصين الرابحة

وتتفق هذه الرؤية مع ما يطرحه هنري توغندهات وغرانت روملي، في مقال بمجلة فورين بوليسي، إذ يؤكد الكاتبان أن هناك “عيبا قاتلا” في إستراتيجية ترامب الاقتصادية، يتمثل في أن شريان إيران الاقتصادي الأكبر -وهو الصين- لم يكن في صدارة العقوبات المعلنة.

وحسب الكاتبين، تشتري الصين نحو 90% من النفط الإيراني، الذي يصل إليها عبر أسطول شحن خفي، كما توفر منظومة الدفع العابرة للحدود قناة مالية تقلل اعتماد إيران على النظام المالي القائم على الدولار. ولذلك، فإن إلحاق ضرر اقتصادي بالغ بإيران يتطلب عمليا الضغط على الصين.

لكن بكين -كما يقول توغندهات وروملي- لا تبدو مستعدة للخضوع. فقد وصفت وزارة الخارجية الصينية الإعلان الأمريكي بأنه “غير قانوني”، بينما قال محلل صيني إن إعلان بيسنت “فعل ينم عن العجز”، معتبرا أنه يتعلق بمحاولة لمعالجة حالة الإحباط في الداخل الأمريكي، أكثر من كونه ممارسة ضغط حقيقي على إيران.

وتملك الصين في جعبتها -وفق فورين بوليسي- أوراق ضغط رابحة في المقابل. فقد فعّلت بكين في مايو/أيار “قواعد الحظر” للمرة الأولى ردا على عقوبات أمريكية استهدفت مصافي نفط صينية مستقلة. وتتيح هذه القواعد قانونيا منع الشركات داخل الصين وخارجها من الامتثال للعقوبات الأمريكية على إيران، لكن بكين لم تبدأ حتى الآن إنفاذ هذا الحظر فعليا.

كما تحتفظ بكين بورقة المعادن الأرضية النادرة، التي أثبتت فعاليتها في الضغط على الصناعات الأمريكية. وطبقا لفورين بوليسي، فقد أدى تجميد الصين صادراتها من تلك العناصر إلى الولايات المتحدة العام الماضي إلى إصابة قطاعات من الصناعة الأمريكية بالشلل، لا سيما الدفاعية منها، وأجبر ذلك الرئيس ترامب على التراجع سريعا عن بعض الرسوم الجمركية المفروضة على بكين.

ويشير الكاتبان إلى أن الصين أعلنت استعدادها للرد إذا استهدفت الولايات المتحدة شركاتها بالعقوبات، في حين فرضت واشنطن بالفعل عقوبات على إحدى كبرى المصافي الصينية المستقلة وعشرات شركات الشحن والوسطاء. لكن واشنطن لم تذهب حتى الآن إلى استهداف البنوك الصينية الكبرى أو تفكيك القنوات المالية التي تستخدمها طهران.

وفي المحصلة، يلتقي مقالا بلومبيرغ وفورين بوليسي عند تقدير مفاده أن قدرة الولايات المتحدة على فرض حصار اقتصادي كامل على إيران أصبحت مرتبطة بمدى قدرتها على مواجهة الصين، بينما تبدو واشنطن مترددة في دفع ثمن هذه المواجهة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى