الصحافة الإيرانية: هل تعيد حرب أوكرانيا تعريف أمن أوروبا وتدفع الناتو نحو التفكك؟

في حين تسعى أوروبا إلى تحقيق انتصار عسكري على روسيا، لا ترغب واشنطن في الانخراط في مواجهة مباشرة ولا نهائية، وتقدم نفسها فقط بوصفها «وسيطًا».

ميدل ايست نيوز: أعادت الحرب في أوكرانيا رسم موازين القوى في القارة الأوروبية، من خلال استنزاف القدرات العسكرية الأمريكية من جهة، وتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية من جهة أخرى، الأمر الذي ألقى بظلال من الغموض على مستقبل حلف شمال الأطلسي «الناتو»، ودفع أوروبا تدريجيًا نحو بناء «ناتو أوروبي».

تغيير موازين القوى في أوروبا

يقول نادر جهاني، خبير في الشؤون الأوروبية، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية: غيّرت الحرب في أوكرانيا، التي مر أكثر من أربعة أعوام ونصف على اندلاعها، النظام الأمني الأوروبي بصورة جذرية. ويتمثل أبرز تحول في هذا السياق في انتقال محور القيادة في أوروبا من شرق القارة إلى غربها. فألمانيا، التي عُرفت في بداية الحرب بترددها وتحفظها في إرسال الأسلحة إلى كييف، تحولت الآن إلى الحليف الرئيسي لأوكرانيا في أوروبا.

كانت زيارة وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول إلى كييف في 22 أغسطس/آب 2026، رابع زيارة له منذ توليه منصبه، مؤشرًا على التزام برلين العميق بدعم أوكرانيا. وتعهدت ألمانيا بتقديم 11.6 مليار يورو لعام 2027، لتشكل إلى جانب فرنسا وبريطانيا «نواة القيادة» في ائتلاف الدول المتطوعة لدعم أوكرانيا.

وقد جاء هذا الدور الجديد لألمانيا على حساب بولندا. فوارسو، التي كانت تعتبر نفسها خط الدفاع الأول عن أوروبا في مواجهة روسيا، استُبعدت من «نواة القيادة» في ائتلاف الدول المتطوعة. كما أدت الخلافات بشأن نقل تكنولوجيا الطائرات المسيرة الأوكرانية، إلى جانب النزاعات التاريخية، إلى توتر العلاقات بين وارسو وكييف. ويشير هذا الواقع إلى أن موازين القوى في أوروبا تتغير لمصلحة ألمانيا، فيما جرى تهميش بولندا عمليًا، بعدما اعتبرت نفسها لسنوات حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة في شرق أوروبا.

وفي الوقت نفسه، تشير التطورات في منطقة القطب الشمالي أيضًا إلى إعادة ترتيب المشهد الأمني. ومع انضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو، أصبحت سبع دول من أصل ثماني دول في منطقة القطب الشمالي أعضاء في الحلف، وتشكّل إطار يُعرف باسم «آركتيك 7» للتعاون الأمني. واللافت أن هذا التعاون يجري أحيانًا من دون مشاركة الولايات المتحدة، كرد فعل على الطموحات الإقليمية التي يبديها ترامب تجاه غرينلاند.

ما وراء القدرة؛ استنزاف الناتو في عصر الحروب الطويلة

تحول مفهوم «ما وراء القدرة»، الذي كان يُطرح سابقًا بصورة أكبر في الأوساط الأكاديمية، إلى تحدٍّ واقعي للقوات العسكرية الأمريكية وحلف الناتو. ويُعد سلاح البحرية الأمريكية المثال الأبرز على هذا الوضع، إذ يتعرض لضغوط غير مسبوقة. فقد بقيت حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس أبراهام لينكولن» لأكثر من 270 يومًا، أي نحو تسعة أشهر، منتشرة في منطقة غرب آسيا، في حين تبلغ المدة القياسية لنشر القوات البحرية الأمريكية نحو سبعة أشهر، أي 210 أيام. ولم يتحول هذا الأمر إلى استثناء، إذ بقيت ثماني من أصل 11 مهمة لحاملات الطائرات منذ عام 2023 في البحر لمدة ثمانية أشهر أو أكثر.

وتترتب على هذا الوضع تداعيات خطيرة ومتسلسلة. فتمديد المهام يعني زيادة الحاجة إلى أعمال الصيانة والإصلاح، وهو ما يؤدي بدوره إلى تعطيل دورة إعداد حاملات الطائرات ونشرها. وكما شبّه أحد المحللين هذا الوضع بسائق يتجاهل عمليات الصيانة الدورية لسيارته، إذ تواصل السيارة العمل لفترة، لكنه سيدفع عاجلًا أم آجلًا تكلفة أكبر بكثير.

ويعود جزء كبير من هذا الضغط إلى الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، لكن الحرب في أوكرانيا أسهمت أيضًا بصورة أساسية في استنزاف هذه القدرات. وحذر محللون من أن تراجع قدرة الولايات المتحدة على الردع في مواجهة الصين وروسيا سيكون إحدى النتائج الحتمية لهذا الوضع.

وفي ظل هذه الظروف، لم يعد بإمكان أوروبا الاعتماد بثقة على المظلة الأمنية لواشنطن، وأصبحت مضطرة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية. ورغم أن سيناريو شن روسيا هجومًا على الناتو ليس مستبعدًا، فإن المؤكد هو أن قدرة الولايات المتحدة على الاستجابة في الوقت نفسه لعدة أزمات كبرى باتت تواجه قيودًا جدية.

السيناريوهات المستقبلية؛ من المأزق إلى نظام أمني جديد

مع استمرار حالة الجمود في أوكرانيا، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات لمستقبل النظام الأمني الأوروبي. يتمثل السيناريو الأول في استمرار الوضع الراهن مع تصاعد الخلافات عبر الأطلسي. وأظهر تقرير حول اجتماع «أنكوريج» بين بوتين وترامب وجود فجوة عميقة بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن كيفية إنهاء الحرب.

وفي حين تسعى أوروبا إلى تحقيق انتصار عسكري على روسيا، لا ترغب واشنطن في الانخراط في مواجهة مباشرة ولا نهائية، وتقدم نفسها فقط بوصفها «وسيطًا». ولا يعني هذا التباعد انهيار الناتو بصورة فورية، لكنه يظهر أن الأطلسية التي سادت في القرن العشرين لن تستمر بصورتها السابقة.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تصاعد النزعة العسكرية الأوروبية من دون الاعتماد على الولايات المتحدة. وتعمل الدول الأوروبية على زيادة إنفاقها الدفاعي وتسعى إلى تطوير منظومات هجومية مستقلة وقدرات ردع في مواجهة روسيا. ويركز هذا النهج، استنادًا إلى التجارب الميدانية في أوكرانيا، على الأنظمة الذاتية، والدفاع متعدد الطبقات، والقدرة على «تحمل الهجوم الأولي ثم الصمود».

ومع ذلك، يواجه هذا السيناريو تحديًا جديًا، إذ إن وهم تحقيق النصر بواسطة «الأسلحة المذهلة»، مثل الطائرات المسيرة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، قد يدفع أوكرانيا نحو الانهيار بدلًا من تحقيق النصر. وأعرب الجنرال فاليري زالوجني، القائد السابق للقوات المسلحة الأوكرانية، عن شكوكه بشأن نجاح حرب الطائرات المسيرة، ووصفها بأنها باهظة التكلفة للغاية.

أما السيناريو الثالث، فيتمثل في نشوء نظام أمني جديد في أوروبا يتمحور حول ألمانيا وفرنسا، مع ابتعاد تدريجي عن هياكل الناتو التقليدية. وفي هذا السيناريو، تتحرك أوروبا نحو «ناتو أوروبي» تُحدَّد فيه أطر التعاون الدفاعي من دون مشاركة الولايات المتحدة أو بمشاركة أمريكية محدودة.

ورغم أن هذا التحول لا يزال في مراحله الأولى، فإنه يتماشى مع الاتجاهات الحالية، بما في ذلك الانسحاب التدريجي للولايات المتحدة من دور الضامن الرئيسي لأمن أوروبا. وتكمن أهمية هذا التطور في إقرار موسكو بحقيقة أن أي قوة خارجية لا يمكنها فرض حل للحرب في أوكرانيا. وقد يشكل هذا الإدراك المشترك لطبيعة حالة الجمود أساسًا لنشوء بنية أمنية جديدة في أوروبا، وهي بنية لا يعود فيها مجال لدور مهيمن لقوة واحدة، بل يُعاد فيها تعريف موازين القوى بصورة أكثر تعقيدًا وتعددًا للطبقات.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى