الصين في الشرق الأوسط: حضور أمني متنامٍ لكنه محكوم بالحدود والانتقائية

تشير تطورات فن إدارة النفوذ عبر الممرات الرئيسية للطاقة إلى انتقال الصين من الانخراط الاقتصادي البحت نحو تنسيق أمني محسوب، من دون الدخول في تحالفات دفاعية رسمية.

ميدل ايست نيوز: تشير تطورات فن إدارة النفوذ عبر الممرات الرئيسية للطاقة إلى انتقال الصين من الانخراط الاقتصادي البحت نحو تنسيق أمني محسوب، من دون الدخول في تحالفات دفاعية رسمية. ومع تزايد الانتشار العسكري بعيد المدى، وإجراء التدريبات الجوية المشتركة، ونقل القدرات الدفاعية بصورة غير مباشرة، يتضح أن دور الصين في الشرق الأوسط يقوم على استراتيجية تركز على تطبيع الانخراط الأمني بدلاً من بناء الكتل العسكرية التقليدية.

وحسب مقال بالنسخة الانجليزية لصحيفة العربي الجديد أفاد به موقع “ميرو” بدلاً من تكرار الهياكل العسكرية الغربية أو إنشاء شبكة واسعة من القواعد، تسعى بكين إلى تعزيز نفوذها من خلال التكامل العملياتي المستهدف، ودعم الملاحة عبر الأقمار الصناعية، والشراكات الثنائية الرئيسية، إضافة إلى التعاون غير المباشر عبر أطراف ثالثة مثل باكستان.

وتتيح هذه المقاربة منخفضة الكثافة للقوى غير الإقليمية حماية الممرات البحرية الاستراتيجية والاستثمارات التجارية، مع تجنب الانخراط المباشر في النزاعات الإقليمية. ومع ذلك، فإن الحفاظ على شراكات استراتيجية شاملة مع أطراف إقليمية متنافسة يفرض تناقضات جيوسياسية واضحة، ولا سيما خلال فترات الصراع العسكري النشط. وفي نهاية المطاف، يعتمد دور الصين في الشرق الأوسط على المشاركة الانتقائية والتعاون الأمني القائم على المصالح، بما يهدف إلى حماية تدفقات التجارة من الاضطرابات الإقليمية، مع إدارة التنافس الاستراتيجي مع واشنطن بحذر.

التدريبات العسكرية ودور الصين في الشرق الأوسط

يتمثل أوضح مثال على ذلك في التدريبات العسكرية الأخيرة «نسور الحضارة 2026» مع مصر. وأظهرت هذه التدريبات قدرات تتجاوز حدود الدبلوماسية العسكرية الرمزية، إذ نشرت الصين طائرات مقاتلة من طراز J-16، وطائرة التزود بالوقود YY-20A، وطائرة الإنذار المبكر KJ-500، وطائرة للحرب الإلكترونية، إلى جانب أصول دعم أخرى في مصر.

وللمرة الأولى، قطعت تشكيلات من الطائرات الصينية أكثر من 6 آلاف كيلومتر خارج آسيا للوصول إلى مصر، مع تنفيذ عمليات للتزود بالوقود جواً أثناء الرحلة. وقبل هذا الانتشار، كانت الصين قد أرسلت طائرات J-16 فقط إلى أقصى شرق روسيا وباكستان. كما تضمنت التدريبات الصينية المصرية العام الماضي طائرات مقاتلة أصغر من طراز J-10C وطائرات دعم.

ومنذ ذلك الحين، أجرى الطيارون الصينيون والمصريون تدريبات على القتال الجوي المتوسط والقريب، بمشاركة طائرات J-16 الصينية وطائرات «رافال» المصرية.

ورغم أن هذا الانتشار لا يشير إلى أن بكين تعتزم خوض حرب في الشرق الأوسط، فإنه يظهر قدرة جيش التحرير الشعبي الصيني على العمل جنباً إلى جنب مع الجيوش الإقليمية، والحفاظ على قوات منتشرة بعيداً عن الأراضي الصينية وجيرانها المباشرين.

الأساطيل البحرية تعكس القوة عبر مياه الخليج

كما حافظت الصين على وجود عسكري بحري في المنطقة الأوسع. فمنذ عام 2008، تنفذ بكين عمليات لمرافقة السفن في خليج عدن والمياه قبالة سواحل الصومال. وفي أغسطس الماضي، غادرت القوة رقم 49 لمرافقة السفن إلى المنطقة. وتركز المهمة رسمياً على حماية حركة الشحن الدولية وتنفيذ عمليات مكافحة القرصنة.

كما وسعت بكين انخراطها العسكري من خلال التدريبات المشتركة. ففي عام 2025، أجرت تدريبات بحرية مع إيران وروسيا في خليج عُمان. وفي أغسطس الماضي، نفذت مع الإمارات العربية المتحدة رابع تدريب للقوات الجوية تحت اسم «درع الصقر».

وتتميز هذه الانتشارات بصورة متزايدة باستخدام منصات أكثر تطوراً، بما في ذلك مقاتلات J-10، وطائرات الإنذار المبكر KJ-500، وطائرات التزود بالوقود YY-20A.

باكستان تسرّع نقل المعدات الدفاعية الصينية بصورة غير مباشرة

تزداد أهمية الصين أيضاً كلاعب غير مباشر في الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط. ويأتي ذلك في وقت توسع فيه شريكتها الوثيقة باكستان روابطها الدفاعية عبر الخليج، من خلال اتفاقية الدفاع المتبادل الاستراتيجي (SMDA) مع السعودية، و«ميثاق مكة» الذي يشمل تركيا والسعودية، إضافة إلى اتفاقية دفاعية أبرمتها مؤخراً مع الكويت.

ومع تعميق إسلام آباد لهذه الشراكات، من المرجح أن تلعب المعدات العسكرية الصينية دوراً متزايداً في هياكل الأمن الإقليمية. وتعتمد باكستان بشكل كبير على التكنولوجيا الدفاعية الصينية، وقد نشرت مؤخراً أنظمة الدفاع الجوي HQ-9 ومقاتلات JF-17، التي تنتجها بشكل مشترك مع الصين، في السعودية.

وبالنسبة إلى بكين، توفر هذه التطورات فرصة لعرض صناعتها الدفاعية من دون تحمل مسؤولية أمنية رسمية في المنطقة.

وبدلاً من ذلك، يمكن للتكنولوجيا العسكرية الصينية أن توسع حضورها بصورة غير مباشرة من خلال الانتشارات الباكستانية، بينما تدعم أنظمة مثل شبكة «بيدو» للأقمار الصناعية، المستخدمة بالفعل في أجزاء من العالم العربي، دمج المنصات المصنوعة في الصين ضمن شبكات الأمن الإقليمية.

هل تقيد السياسة الأمريكية استراتيجية بكين؟

علق ثيودور كاراسيك، الزميل في شؤون الشرق الأوسط في مؤسسة جيمستاون، على احتمال اضطلاع الصين بدور أمني أكبر في الشرق الأوسط، وقال لـ«العربي الجديد» إن التكنولوجيا والطائرات المسيرة الصينية أصبحت منتشرة بالفعل في أنحاء المنطقة، متوقعاً استمرار هذا الاتجاه.

وقال كاراسيك إن بكين استفادت من التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ما وصفه بـ«موقف من الراحة النسبية». ومن خلال مشاريع البنية التحتية والاستثمارات التجارية وزيادة مبيعات الأسلحة، وسعت الصين بصورة مطردة حضورها الإقليمي. وأشار إلى أن انخراط بكين يمتد الآن إلى التعاون الدفاعي، بما في ذلك دعم برنامج الصواريخ الباليستية في السعودية.

كما رأى أن التركيز الاستراتيجي طويل الأمد للولايات المتحدة على مناطق أخرى أتاح للصين فرصاً لتعميق انخراطها في الشرق الأوسط. وقال إن دمج هذا الانخراط مع أطر مثل مجموعة «بريكس» ومنظمة شنغهاي للتعاون يشير إلى نظام عالمي يتزايد فيه التفتت.

ومع ذلك، رأى كاراسيك أن المسار المستقبلي للدور الإقليمي للصين قد يعتمد بدرجة كبيرة على رد فعل واشنطن. وقد يحد جهد أمريكي متجدد لتشجيع الشركاء على عدم تعميق علاقاتهم مع بكين من طموحات الصين، حتى في الوقت الذي يظل فيه صناع السياسة الأمريكيون منشغلين بالتحديات السياسية الداخلية والحرب مع إيران.

وفي حين قد تسعى إدارة ترامب إلى زيادة الضغط الاقتصادي على الصين، تساءل كاراسيك عن مدى فعالية مثل هذه الإجراءات. وأضاف أن الزيارة المرتقبة للرئيس شي جين بينغ إلى البيت الأبيض قد تسهم في تشكيل نهج بكين.

حدود هيكلية تحد من دور الصين في الشرق الأوسط

نظراً إلى افتقار الصين إلى شبكة من التحالفات والقواعد والقوات المتمركزة بصورة دائمة، مقارنة بما تمتلكه واشنطن، فإنها تفتقر إلى بنية تحتية أمنية واسعة في الشرق الأوسط، باستثناء قاعدتها العسكرية الوحيدة المعترف بها رسمياً في جيبوتي. ولذلك، حتى إذا كانت بكين تسعى إلى الحفاظ على انفتاح الممرات المائية في الخليج أو توسيع التعاون العسكري، فإنها تفتقر إلى القدرة على نشر قوات كبيرة للدفاع عن دول الخليج في مواجهة إيران.

علاوة على ذلك، تحافظ الصين على علاقات وثيقة مع عدد من الأطراف الإقليمية، بما في ذلك السعودية والإمارات وإيران ومصر، من خلال شراكات استراتيجية شاملة، إضافة إلى شراكة استراتيجية شاملة مع إسرائيل. وبالتالي، من المرجح أن تظل أي خطوات تتخذها بكين غير تصادمية.

وقال زيشان شاه، المحلل في هيئة تنظيم الصناعة المالية (FINRA) في واشنطن، لـ«العربي الجديد» إن الصين اعتمدت نهجاً أكثر دقة منذ بداية الحرب الأمريكية الإيرانية. ومع ذلك، قال إنه «بغض النظر عن التصريحات الرسمية الصينية بشأن تأمين الممرات المائية الدولية أو التدريبات العسكرية الأخيرة مع مصر»، فمن غير المرجح أن تتحرك بكين نحو شكل أكثر قوة من الانخراط.

ومن وجهة نظره، تنظر الصين إلى المنافسة مع الولايات المتحدة من منظور اقتصادي بالدرجة الأولى. وعلى الرغم من أن تهديدات العقوبات الأمريكية أثارت استياء بكين، فإن الصين امتنعت تاريخياً عن فرض عقوبات إضافية على إيران.

كما أشار شاه إلى أنه، رغم حفاظ الصين على علاقات تجارية قوية مع إسرائيل، فإنها امتنعت عموماً عن استخدام هذه العلاقة للتأثير في السياسة الإسرائيلية. وقال إن ما إذا كانت بكين ستختار استغلال هذه الروابط بصورة أكثر نشاطاً في المستقبل يبقى سؤالاً مفتوحاً.

موازنة الحياد الدبلوماسي مع صادرات الدفاع

أبرز موقف الصين خلال الحرب الإيرانية الفرص والتناقضات التي ينطوي عليها دورها الإقليمي الناشئ. فقد قدمت بكين نفسها بوصفها طرفاً معنياً بخفض التصعيد، ولا سيما في ظل تهديد الصراع لأمن الخليج وتدفقات الطاقة.

وفي 24 أغسطس، قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي لوزير الخارجية الكويتي إن الشرق الأوسط والخليج وصلا إلى «منعطف حرج»، ودعا إلى العودة إلى الحوار، مؤكداً استعداد الصين لتعزيز التنسيق مع الكويت والمساهمة في السلام والاستقرار الإقليميين. كما انخرطت الصين بصورة مباشرة مع الأطراف الإقليمية والوسطاء، في محاولة لحماية مصالحها الاقتصادية ومنع الصراع من تعطيل التجارة وإمدادات الطاقة.

لكن موقف بكين يتعقد بسبب دورها المزعوم في دعم القدرات العسكرية الإيرانية. فقد حدد مسؤولون أمريكيون وتقارير حديثة شركات ووسطاء صينيين باعتبارهم موردين لمعدات عسكرية ومكونات لإيران، بما في ذلك صفقة مزعومة لتزويدها بمئات من صواريخ الدفاع الجوي المحمولة QW-12 وFN-16 المصنعة في الصين خلال النزاع.

كما لعبت الصناعة الصينية دوراً محورياً في المنظومة الأوسع للطائرات المسيرة في إيران، إذ توفر شركات وموردون صينيون مكونات تستخدم في الأنظمة الإيرانية. وفي الوقت نفسه، كثفت واشنطن استهداف الكيانات المرتبطة بالصين بسبب دعمها لقطاعات الصواريخ والطائرات المسيرة والنفط الإيرانية.

وبعبارة أخرى، يمكن لبكين أن تضطلع بدور إقليمي أكبر إذا اختارت ذلك.

رفض تحالفات القوى العظمى لصالح الانخراط المقيد

لفهم نوايا الصين والحدود التي تضعها لطموحاتها الإقليمية بصورة أوضح، تحدث «العربي الجديد» إلى لي تشاو، نائب رئيس تحرير مجموعة الإعلام الصينية (CMG) في الشرق الأوسط.

ويرى تشاو أنه، رغم توسع دور الصين في الشؤون الأمنية في الشرق الأوسط، فإن بكين لا ترغب في تحدي النموذج الأمريكي أو تقليده، ولا في أن تصبح «شرطي» المنطقة الجديد.

ووصف تشاو هذا التحول بأنه ابتعاد عن التركيز الضيق نسبياً على الانخراط الاقتصادي والدبلوماسي، مشيراً إلى أن الصين تسعى إلى «شكل أوسع وأكثر تكاملاً، لكنه لا يزال مقيداً من حيث المشاركة الأمنية». وقال إن هذا التحول مدفوع بمصالح عملية، مثل الطاقة والتجارة والاستثمار ووجود المواطنين الصينيين في الشرق الأوسط، مضيفاً أنه أصبح «من الصعب بشكل متزايد الحفاظ على النموذج القديم القائم على الانخراط الاقتصادي العميق مع مشاركة أمنية محدودة».

ومع ذلك، شدد تشاو على أن بكين لا تسعى إلى إقامة تحالفات عسكرية أو نشر قوات بصورة دائمة وعلى نطاق واسع. وبدلاً من ذلك، تعمل على توسيع حضورها الأمني من خلال أدوات منخفضة الكثافة تشكل «إطاراً معززاً متبادلاً»، يهدف إلى عدم استبدال الولايات المتحدة، بل تقليل المخاطر التي يفرضها عدم الاستقرار الإقليمي على المصالح الصينية.

وقال إن استراتيجية الصين في الشرق الأوسط تركز على تطبيع الانخراط الأمني بدلاً من عسكرة وجودها في المنطقة. وفي الوقت نفسه، أقر تشاو بحدود هذا النهج، مشيراً إلى أن الصين لا تمتلك شبكة عسكرية واسعة مماثلة لتلك التي تمتلكها الولايات المتحدة.

ونتيجة لذلك، قال تشاو إن بكين من المرجح أن تتبع «نموذجاً يقوم على الالتزام المحدود والمشاركة الانتقائية وتجنب التحالفات الرسمية». ورأى أن دور الصين لن يدخل مرحلة أكثر جوهرية إلا إذا بدأت بالمشاركة في آليات الأمن متعددة الأطراف أو التعاون الأمني المؤسسي على مستوى المنطقة.

وحتى ذلك الحين، من المرجح أن يظل الحضور الأمني المتنامي للصين حذراً وانتقائياً، وأن تحدد مصالحها الاقتصادية إلى حد كبير شكله ومساره.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى